يهود السودان وسوق العيش في رواية “48” لمحمد المصطفى موسى: هندسة التداخل بين العوالم الموازية

عبدالله الهاشمي يوسف

تُعد رواية 48 لمحمد المصطفى موسى من الأعمال السردية التي تعيد بناء التاريخ الاجتماعي للسودان في أربعينات القرن العشرين.و يتم ذلك عبر رؤية روائية مركبة تمزج بين السرد التاريخي والتحليل الاجتماعي. ومن أبرز ما يميز الرواية تناولها لدور يهود السودان في تلك المرحلة . و تتجه الرواية إلى هدم الاعتقاد السائد بإنهم كانوا أقلية اجتماعية و اقتصادية عابرة في السودان. و يتمظهر ذلك عبر السرد الروائي ل 48 الذي يرسمهم على شاكلة مجتمع متكامل له مؤسساته وصراعاته الداخلية ونفوذه الاقتصادي على الفعل الرسمي و الشعبي في السودان .

في عالم الرواية يتجاور النادي اليهودي في الخرطوم، وقاعة غردون للموسيقى، والمعبد اليهودي مع عالم آخر مختلف تماماً هو عالم سوق العيش في أمدرمان حيث العتالون والعربجية والنساء الشعبيات. ومن خلال هذا التوازي السردي يخلق الكاتب فضاءً روائياً يقوم على عالمين متجاورين داخل مدينة واحدة: عالم الجالية اليهودية وعالم السوق الشعبي السوداني.

تقدم الرواية صورة دقيقة للمجتمع اليهودي في السودان خلال الأربعينات، حيث تظهر الجالية بوصفها مجتمعاً منظماً و مهيمناً له مؤسساته الاقتصادية والثقافية. في هذا العالم، نلتقي بشخصيات مرسومة بدقة مثل جيمي إيسنفلد مالك قاعة غردون للموسيقى ، ديفيد يعقوب الموظف المدني المرموق و الدكتور إليعازر بيرنشتاين.و يمثل هؤلاء بالضرورة طبقات مهمة داخل الجالية. كما يظهر النفوذ الديني الأبوي ممثلاً في شخصية الحاخام باروخ إلياهو الذي يمثل هيمنة ايدولوجيا لاهوتية نافذة . و عندما احتدم الخلاف داخل النادي اليهودي حول مصير رافائيل البعلبكي، تدخل الحاخام بتلاوة آية من سفر الجامعة ليعيد النقاش إلى فكرة وحدة الجماعة. ويظهر الحاخام لاحقاً في مشهد افتتاح مصنع معاصر السمسم في سوق العيش حين يُدعى لقصّ الشريط أمام الحضور، في إشارة رمزية إلى أن المجتمع اليهودي في الرواية لا يحكمه رأس المال وحده، بل تقوم بنيته أيضاً على مرجعية دينية تمنح الشرعية الجماعية للمشروعات الكبرى.

تكشف الرواية كذلك توتراً داخلياً في الجالية اليهودية بين السفارديم والأشكناز.فالأشكناز يميلون إلى المحافظة والتعالي الثقافي، بينما يظهر السفارديم أكثر انخراطاً في التجارة والاقتصاد المحلي. ويبرز هذا التوتر في النقاشات التي تدور داخل النادي اليهودي، حيث يتحول الجدل حول رافائيل البعلبكي إلى صراع هوياتي داخل الجالية نفسها، مما يكشف أن مجتمع اليهود في الرواية ليس كتلة واحدة متجانسة بل مجتمع متعدد الطبقات والانتماءات.

في وسط هذا المجتمع المعقد، تتشكل شخصية رافائيل البعلبكي كمركز عالى للتوتر في الرواية. فهو تاجر طموح يسعى إلى إدخال الصناعة الحديثة إلى سوق العيش عبر مشروع معاصر زيت السمسم. غير أن الرواية تكشف تدريجياً أن هذا الطموح الفردي يصطدم بمنطق الجماعة الذي لا يسمح للفرد بأن يتجاوزها. ويزداد تعقيد الشخصية من خلال منولوجاته الداخلية التي تكشف طفولة صعبة وتجربة مبكرة مع الفقر والعنف، وهي خلفية تجعل اندفاعه نحو القوة والنفوذ مفهوماً من الناحية النفسية. كما تلمّح الرواية إلى شائعات داخل الجالية حول احتمال ارتباطه في شبابه بأجهزة الاستخبارات الأوروبية خلال الحرب، حتى أن بعض الشخصيات تطرح سؤالاً صريحاً عمّا إذا كان قد تعاون مع الجوستابو و النازية في نهايات الحرب العالمية الثانية. وبالنظر إلى ما رسخ في أذهان العامة بالمنطقة عن الطبيعة الجاسوسية للمجتمعات اليهودية التي انبثقت عن تجربة الهولوكوست، يصبح مثل هذا الاتهام كافياً ليجعل الجماعة تنظر إلى البعلبكي بعين الشك.

و بدوره ، اتجه البعلبكي لمبادلة شكوك جماعته من يهود السودان بارتياب أكبر و أعمق . صوته الغاضب انطلق في خواتيم الرواية و هو يستعد للمغادرة من مطار وادي سيدنا إلى حيفا. و هنا يقول :

( لفظوني كما يُلفظ النوى من الفم.
لأنني لم أقبل أن أكون ترسًا صغيرًا في آلتهم.
عندهم البقاء للجماعة وحدها، أما الفرد فليس إلا وقودًا يُشتعل.

وأنا؟ أردت أن أكون مصباحاً يضئ، لا حطبًا يحترق.”

ضحكة قصيرة، أقرب إلى سعال، أفلتت منه.

“ما صنعتُه في سوق العيش لم يأتِ من فراغ. تعلمت من وعيهم: أن يُقام للتجارة سلطان، أن يُجعل المال درعًا وسيفًا. لكنهم أرادوا وعيًا على مقاسهم.
أما أنا، فأحببت أن أطهو كل قدرٍ على طريقتي. أردت أن أجعل السوق كله قدري، أن أصهر الناس والتجار والعتالين في بوتقة واحدة. ليس لهم، بل لي أولًا… ثم لشركائي، وما تبقى فليأخذوه.

كنت أرى نفسي فوق الجماعة، لا تحت أقدامها. لكن الجماعة لا تحتمل رجلاً يعلو عليها. تسحقه، حتى لو كان عقلها وقلبها.

وهؤلاء الناجون من المحارق… أيقيمون دولة متحضرة في أرض الميعاد؟ أم يعيدون البناء فوق الأشلاء؟ سؤال يطاردني، كأنني أعرف جوابه مسبقًا.

لم أخسر لأنني ضعيف.
خسرت لأنني حاولت أن أكون أكبر من القطيع.)

ومن الشخصيات اللافتة في الرواية لينا مناحيم ،طالبة الطب في كلية كتشنر الطبية، التي تمثل صوتاً يسارياً ناقداً داخل الجالية اليهودية.

تميل لينا إلى التعاطف مع مقاومة العتالين والعربجية لتمدد رأس المال في سوق العيش، وتقف إلى جانب صديقتها إيديل فرايدبيرغ في قراءة أكثر إنسانية للصراع. وفي هذا السياق تسهم لينا في تقريب إيديل من عوض الكريم منصور، أصغر أولاد منصور، في علاقة حب تبدو في الرواية كأنها محاولة لبناء جسر إنساني بين عالمين متقابلين. غير أن لهذه العلاقة دلالة رمزية أعمق، فهي تمثل هزيمة معنوية لمشروع البعلبكي نفسه.بينما يسعى البعلبكي إلى السيطرة على السوق عبر رأس المال، ينشأ في الهامش رابط إنساني بين ابنة الجالية اليهودية وأحد أبناء السوق الشعبي، رابط لا تحكمه المصالح الاقتصادية بل التعاطف الإنساني. وتظل نهاية هذه العلاقة في الرواية مفتوحة وغامضة، كما لو أن الكاتب يترك للقارئ احتمالاً بأن المستقبل قد يُكتب عبر التقاطع الإنساني بين المجتمعات لا عبر صراع المال والسلطة.

وفي المقابل تقدم الرواية صورة نابضة لمجتمع سوق العيش في أمدرمان حيث العتالون والعربجية وباعة الشاي والنساء الشعبيات. هذه الطبقات لا تنظر إلى مشروع البعلبكي بوصفه تحديثاً اقتصادياً فحسب، بل ترى فيه تهديداً مباشراً لنظام معاشها التقليدي. وتظهر شخصيات مثل سيد الرجال ، الناشف ، حدربي وأب لاطومة بوصفها رموزاً لهذه المقاومة الشعبية. وفي نظر أولاد منصور، يبدو البعلبكي أقرب إلى صورة سلاطين باشا اليهودي النمساوي الذي وشي بأسرار المهدويين للإنجليز . وهنا تستدعي الرواية بشكل غير مباشر ذاكرة تاريخية أعمق، إذ يبدو الصراع في سوق العيش وكأنه إعادة إنتاج رمزية للتوتر القديم بين القوى المحلية في السودان وبين النفوذ الخارجي الذي واجهته الحركة المهدية في القرن التاسع عشر. فكما قاوم الأنصار قوى الهيمنة الأجنبية، تقاوم الطبقات الشعبية في السوق محاولة إعادة تشكيل حياتها الاقتصادية من خارجها.

وهكذا تقف الرواية على تخوم ثلاثة عوالم متقابلة: عالم الجالية اليهودية المنظمة بما يحمله من نفوذ المال والمؤسسة الدينية، وعالم السوق الشعبي الذي تقوده طبقاته الدنيا من العتالين والعربجية دفاعاً عن توازن معاشهم التقليدي، ثم عالم ثالث يتشكل في الهامش بين الطلاب والمثقفين، حيث تحاول شخصيات مثل لينا مناحيم وإيديل فرايدبيرغ وعوض الكريم منصور البحث عن صيغة إنسانية تتجاوز صراع المال والسلطة.

بهذا البناء السردي المركب تقدم رواية 48 لمحمد المصطفى موسى معالجة فريدة لدور يهود السودان في الأربعينات. الرواية تكشف عن شبكة معقدة من العلاقات بين الجالية اليهودية في الخرطوم والسوق الشعبي في أمدرمان والسلطة الاستعمارية البريطانية. ومن خلال هذا التداخل بين العوالم المختلفة تتحول الرواية إلى وثيقة أدبية عن التاريخ الاجتماعي للسودان قبل الاستقلال، حيث تتقاطع الهجرة والتجارة والدين والطبقات الشعبية في مدينة واحدة. وهنا تكمن قوة هذا العمل 48 : فهي لا تروي قصة أفراد فحسب، بل ترسم خريطة كاملة لمجتمع وتاريخ وصراع قوى داخل مدينة تبحث عن مستقبلها في لحظة تحول كبرى.

zamanaldonia@gmail.com

عن عبدالله الهاشمي يوسف

عبدالله الهاشمي يوسف