سلسلة مقالات : دولة سلطة التاسيس من الدولة إلى الشبكة: كيف اتُّخذ قرار تصفية حميدتي والدعم السريع
ahmedsidahmed.contacts@gmail.com
د. أحمد التيجاني سيد أحمد كرسمايس ديسمبر ٢٠٢٥
(٥) كيف سرقت الحركة الإسلامية السودان وحاولت امتلاكه?
لم تكن جريمة الحركة الإسلامية في السودان أنها حكمت البلاد ببرنامج أيديولوجي فاشل فحسب، بل أنها حوّلت الحكم إلى عملية سرقة منظمة، انتقلت فيها من السيطرة على السلطة إلى محاولة امتلاك الدولة ذاتها: الأرض، والموارد، والمؤسسات، والقرار السيادي.
في هذا السياق، لم يكن الفساد انحرافًا، بل منهج حكم. لم تكن الخصخصة سياسة اقتصادية، بل وسيلة نقل ملكية من المجال العام إلى شبكة مغلقة مرتبطة بالتنظيم. تشكّلت بذلك طبقة مصالح لا ترى في الدولة إطارًا عامًا، بل خطرًا دائمًا، لأن الدولة – حين تستعيد دورها – تعني المحاسبة واسترداد الأصول.
ويُعدّ علي كرتي نموذجًا كاشفًا لهذا التحوّل، لا بوصفه حالة فردية، بل بوصفه تركيزًا مكثفًا لتداخل السياسة والأمن والاقتصاد في دولة الشبكة، حيث يتحوّل الموقع السياسي إلى مركز ثقل اقتصادي محصّن من المساءلة، في نمط لا يمكن تفسيره بآليات السوق الطبيعية.
حين أصبحت الدولة المدنية الديمقراطية احتمالًا واقعيًا، ولو نظريًا، تحوّل الصراع من تنافس سياسي إلى معركة بقاء لشبكة الامتلاك. هنا صارت الحرب امتدادًا للاقتصاد بوسائل أخرى، وأداة لحماية ما جرى الاستيلاء عليه عبر عقود.
في هذا الإطار، تبرز أهمية الدعم السريع وحميدتي في تعطيل استكمال هذا الامتلاك، لا بوصفهما مشروع دولة مكتملًا، بل كعامل اختلال في معادلة احتكار العنف والاقتصاد، وهو ما مهّد للصدام وقرار التصفية، وهو ما ستتناوله الحلقات القادمة
(٦) المنهج: كيف فُكِّرت الدولة قبل أن تُدمَّر
لم يكن ما جرى في السودان نتاج أخطاء إدارية أو انحرافات أفراد، بل ثمرة منهج متكامل أعاد تعريف المفاهيم المؤسسة للدولة الحديثة. في هذا المنهج، لم تعد الدولة عقدًا عامًا بين المواطنين، بل غنيمة سياسية واقتصادية. ولم يعد الحكم تفويضًا مؤقتًا، بل وسيلة للانتقال من السلطة إلى الامتلاك.
الشعب، في هذا التصور، لا يُنظر إليه بوصفه مصدر الشرعية، بل باعتباره كتلة يجب ضبطها وإدارتها بالقوة أو بالخوف. ومن هنا يصبح العنف أداة حكم أساسية، لا استثناءً طارئًا. الجيش والأمن لا يعملان لحماية الدستور، بل لحماية شبكة الامتلاك ومنع أي مساءلة عنها.
بهذا الفهم، تُرفض الحركة الإسلامية الدولة المدنية لا لأسباب فكرية مجردة، بل لأنها تهدد جوهر المنظومة: إعادة الدولة إلى المجال العام، وفتح ملفات المحاسبة، واسترداد ما نُقل من ملكية الشعب إلى الشبكة.
(٧) لحظة الخروج عن الدور: من أداة وظيفية إلى عامل اختلال
دخل الدعم السريع المشهد في سياق دولة أُفرغت من مضمونها، بوصفه حلًا أمنيًا وظيفيًا لفراغ صنعته سياسات المركز. وطالما بقي هذا الدور محصورًا في التنفيذ، ومفصولًا عن السياسة والاقتصاد، ظل مقبولًا داخل منظومة الشبكة.
غير أن ما تغيّر بعد ٢٠١٩ لم يكن مجرد مواقف، بل الموقع داخل المعادلة. فالاقتراب من المجال السياسي، والتحفّظ على إعادة التمكين، وطرح أسئلة—ولو جزئية—حول احتكار العنف والاقتصاد، حوّل الدعم السريع من أداة إلى عامل اختلال.الي خطر داهم للحركة الاسلامية يجب احتواءه
في منطق الشبكة، لا يُسمح بتغيير الأدوار. القوة التي لا تخضع للسيطرة الكاملة تُعد تهديدًا وجوديًا، لا شريكًا سياسيًا. من هنا بدأت محاولات الاحتواء، ثم الضغط، ثم الدفع نحو دمج قسري صُمّم لكسر الاستقلال، لا لبناء جيش مهني.
(٨) قرار التصفية والحرب: حين فشلت أدوات الاحتواء
(٧) قرار التصفية والحرب: حين فشلت أدوات الاحتواء
مقدمة
لا يمكن فهم حرب أبريل بوصفها انفجارًا مفاجئًا أو نتيجة سوء تقدير عسكري بين أطراف متنازعة، بل يجب قراءتها كتنفيذ لقرار سياسي–أمني تبلور داخل منطق دولةٍ تحوّلت إلى شبكة امتلاك. فمحاولة تصفية حميدتي والدعم السريع لم تكن ردّ فعل انفعاليًا، ولا خلافًا على مواقع أو رتب، بل نتيجة مباشرة لفشل منظومة الاحتواء في إعادة القوة إلى دورها الوظيفي القديم. فعند اللحظة التي بدأ فيها الدعم السريع يتجاوز حدود التنفيذ الأمني، ويُظهر تحفّظًا على إعادة التمكين، ويقترب — ولو بحذر — من المجال السياسي، أصبح وجوده عامل اختلال غير مقبول في معادلة تقوم على احتكار العنف والاقتصاد معًا.
في منطق هذه الشبكة، لا يُسمح بتغيير الأدوار، ولا يُدار الاختلاف بالتسوية، بل بالإزالة. وهنا لم يعد الصدام احتمالًا طارئًا، بل خيارًا محسوبًا داخل منظومة ترى في أي قوة خارجة عن السيطرة الكاملة تهديدًا وجوديًا، لا شريكًا سياسيًا قابلًا للتفاوض. لذلك لم تكن حرب أبريل لحظة انفلات أو سوء تقدير عسكري، بل تنفيذًا لقرار مؤجّل بعد استنفاد أدوات الاحتواء كافة: التطويع السياسي، والتشويه الإعلامي، والضغط الأمني، ومحاولات الدمج القسري المصمّمة لكسر الاستقلال لا لبناء جيش مهني.
وحين فشلت هذه الأدوات، واجهت الشبكة خياراتها الحقيقية. فالتسوية تعني عودة المدنيين وفتح الدفاتر. والدمج المهني يعني نهاية الامتيازات. والانتخابات تعني فقدان السيطرة. لم يبقَ، ضمن هذا المنهج، سوى خيار واحد: الإزالة. وهكذا أصبحت الحرب امتدادًا للسياسة بوسائل أخرى، ومعركة بقاء لمنظومة امتلاك لا تستطيع العيش خارج الدولة المختطَفة.
لكن الحرب، وهي تؤدي وظيفتها التدميرية، كشفت في الوقت ذاته ما كان مستورًا: أن الدولة القديمة لم تكن سوى واجهة، وأن ما سُمّي بالأمن القومي لم يكن إلا أمن الشبكة، وأن احتكار العنف والاقتصاد، حين يهتزّ، لا يُصلَح بل ينهار بكامله، فاتحًا الباب — لا للفوضى وحدها — بل لسؤال البديل التاريخي الذي تطرحه دولة
نواصل
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم