آلاف الجثث… قليل من الأسماء

نزار عثمان السمندل

تتكدّس الأسماء خارج الذاكرة، وتتوارى الوجوه في صمتٍ أثقل من الرصاص. موتى بلا ملامح، بلا أوراق، بلا من ينتظرهم عند باب الغياب. الموت في بلدنا المنكوب ما عاد خبراً، صار إقامة دائمة، والتراب أضحى أكثر ازدحاماً من البيوت.

يجلس علي جباي أمام جدول طويل، أرقامٌ تمتدّ كأنها شريط حداد لا ينتهي. يدوّن، يرفع الصور، يثبت المواقع، كمن يحاول أن ينتزع إنساناً واحداً من العدم. مهندسٌ كان يخطّط للبناء، فإذا به يحصي الخراب، ويمنح الموتى فرصة أخيرة ليُنادوا بأسمائهم.
يلتقط لكل جثمان صورة، يفتّش الجيوب بحذرٍ يشبه الرجاء، يعلّق على كل قبر علامة، كأنها شاهد صغير يقول: مرّ إنسان من هنا.

قال لوكالة رويترز إنه ينتظر اثنتين وسبعين ساعة قبل أن يسلّم الجسد للأرض. ينشر الصور على وسائل التواصل، يراقب التعليقات، يفتّش في وجوه الغرباء عن احتمال قرابة. كل دقيقة تمرّ، تحمل أملاً ضئيلاً بأن يتعرّف أحد إلى ملامح أحبّها يوماً. كثيراً ما ينتهي الانتظار بصمتٍ مطبق، فيمضي إلى الدفن، كأنّه يطوي صفحة لم تُكتب.

سبعة آلاف جثمان مرّوا بين يديه. سبعة آلاف قصة مبتورة. حين اشتدّت المعارك في الخرطوم، امتلأت الشوارع بالجثث، وتحوّلت المدينة إلى جسدٍ مثخنٍ لا يجد من يضمده. خوفٌ من التعفّن دفعه إلى البداية، ثم تحوّل الخوف إلى واجب، والواجب إلى عبء لا يُحتمل، ومع ذلك لا يُترك.
في غرفة صغيرة، جهاز تكييف يلهث، وأرض باردة تستقبل امرأة ممدّدة تحت ثوبٍ بنيّ يخفي ملامحها. لا اسم، لا شاهد، لا دمعة معروفة. إن بقيت بلا هوية، سيكفّنها الفريق، يوارونها في قبر قريب، ويضيفون رقماً جديداً إلى سجلّ الفقد. هكذا تُختصر حياة كاملة في خانة.

يوم الأحد الأخير، استخرجت الفرق الميدانية، نحو خمسة وثمانين جثماناً من ساحات المنازل وباحات المساجد والميادين العامة، في حي جبرة جنوب الخرطوم، تمهيداً لإعادة دفنها في مقابر رسمية، وسط حضور ذويها الذين ودّعوا أحبّتهم للمرة الثانية بالبكاء والدعاء.
الحرب التي دخلت عامها الرابع لم تترك للأرقام فرصة الاستقرار. عشرات الآلاف من القتلى، وآلاف المفقودين، وأرقام تتضخّم كل يوم كجرحٍ مفتوح. لا مشارح قادرة على الاحتواء، ولا سجلات دقيقة، ولا حتى أكفان كافية. كثيرون دُفنوا بملابسهم، أو داخل أكياس بلاستيكية. لم يمنحهم الموت وقتاً لوداعٍ لائق.

مشارح العاصمة التي كانت تختنق قبل الحرب، سقطت في العتمة. كهرباء مقطوعة، أجساد متراكمة، روائح تختلط بالغياب. حين فُتحت الأبواب، كان المشهد أكبر من القدرة على الوصف: جثث تُركت لتتحلل، ومكانٌ نُهب حتى من قدرته على الحزن. في الخارج، فرقٌ تبحث في الشوارع، في مجاري المياه، في النيل، عن بقايا بشر، تحاول إنقاذ ما تبقّى من كرامة.

أمام البيوت، حُفرت قبورٌ ضحلة. في الساحات، ارتفعت تلال صغيرة تحمل أسماءً مؤقتة أو لا تحمل شيئاً. العائلات دفنت أحباءها على عجل، تحت القصف، تحت الرصاص، كأنها تخبئهم من حربٍ لا تشبع. تحوّلت الخرطوم إلى مقبرة مفتوحة، مدينة تمشي فوق موتاها، وتنام على أنينهم.
في دارفور، تُرى آثار القتل من السماء. في الجزيرة، تمرّ الجثث عبر قنوات الري. في كردفان، تحصد المسيّرات ما تبقّى من حياة. لا مكان بمنأى عن هذا السيل من الفقد.

ثمانية وعشرون ألف جثة أُخرجت من قبور مؤقتة بعد استعادة السيطرة على العاصمة. بعض العائلات تعرّفت، كثيرون بقوا بلا اسم. خصلات شعر، قطع عظم، تُحفظ في انتظار زمنٍ قد يأتي، زمنٍ يعرف فيه الموتى أنفسهم.
يقولون إن المجهول يترك جرحاً لا يلتئم. في عيون علي جباي، يظهر هذا الجرح حين يذكر شاباً ظلّ يبحث عن أبيه وعمّه عاماً كاملاً. حين جاءه الخبر، انهار. لم يبقَ لهما سوى قبرين، لكنه أخيراً امتلك مكاناً يبكي فيه.
في بلدٍ تتسع فيه المقابر، يصبح العثور على قبرٍ واحد نعمةً موجعة.

onizar@hotmail.com

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

أمس كيكل واليوم القبّة… وغداً أبو لولو؟

نزار عثمان السمندل مشهدٌ يفيض بالالتباس، ويُعيد ترتيب الأسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة.جنرال كان حتى …