أجل.. “بيـروت مش للدمـار”

وجه السفير جمال محمد ابراهيم رسالة إلى الأديب سليمان بختي صاحب “دار نلسن للنشر” ضمنها كل ما يعتمل في نفسه من حب لبيروت،ردًا على نص كتبه الأخير على صفحته على فايسبوك حول ما تتعرض له عاصمة لبنان من تدمير ممنهج للحجر وللبشر. في ما يلي نص الأديب سليمان بحتي ورسالة السفير جمال محمد ابراهيم.

سليمان بحتي
صرخ احد المواطنين بعفوية امام الكاميرا وعلى خلفية استهداف منطقة عائشة بكار بالصواريخ :”يحسوا معنا … بيروت مش للدمار”.

اكيد بيروت ليست للدمار ولا تستحق وكذلك الضاحية والجنوب والبقاع وكل ناحية في لبنان. ولكن في هذه اللحظة لماذا لا ترتفع الصرخة أعلى لأجل انقاذ بيروت واهلها وقاطنيها ؟ لماذا لا تتداعى فعاليات المدينة وهيئاتها الروحية والزمنية والمدنية والاقتصادية والثقافية والرؤساء والوزراء والنواب السابقين واللاحقين الى رفع الصوت وعقد مؤتمر تحت عنوان “بيروت مش للدمار”.

بيروت للحضارة والثقافة والتاريخ والانسان . علينا ان نتحرك ونحرك العالم والسفارات ومراكز الامم المتحدة حتى نحمي مدينتنا وعاصمتنا من مصير قاس يريده لنا العدو .

السفير جمال محمد ابراهيم

إلى صـديقي البيـروتـي الأديب سليمان بختي

للبحرِ المتوسّط حُنوٌّ اصْطِفائي ، وسِـحر طـاغٍ ٍ وآسِـــر . أمَا كانَ طبيعياً أنْ تقودني بَوْصَلتي إلىَ عروس المُدن الساحلية ، المرأة البديعة التي تحدّتْ ليونة البحر بحنوّ نسائِها، ومَوْج البحر بقوّتِها، وصخب البحر باحتدام نَفـَسَـهـا السياسي والإقتصادي ، وتنوّع أطيافها القزحيّة ، مثلما برعتْ في تحدّيها لاتساع البحر باندياحِ الثقافة منهَــا ؟

قالتْ لموجِ البحرِ ومُرْجانه : أنا زُمرّد الفن مِنّي ، و لئآليُ الإبداع مِلءُ رئتيّا ، وُدررُ الفكر ِ مِن أصدافي . تلكَ هي َ بيروت .

ليسَ مَقصَدي أبداً أنْ أفسّر لِمَه تقترن المرأة في خاطري بالبحـر، أو لِمَه جاءَ عنوان مجموعتي الشِعرية الأولـــى هكـــذا : “امرأة البحر أنت..”، بيدَ أنّي رأيت تكوينَ صوتي الشعري ، قد جاءَ وفقَ ما تواءَم عليه التراب الذي مشيت عليه ، واليَم الذي سبحتُ في أمواهه ، عربياً وإفريقياً. ثمَّ أتجوّل في فضاءاتي، عن غير قصدٍ سِوَىَ ما اقتضته مهنتي التي امتهنت ، فوجدتني أستكشف سحرَ البحر وسِحر الحياة ، فأرىَ خيطاً ينتظم تجربتي ، ثُم َ كتبتُ ما كتبت . لكلّ ترابٍ كثافة ، ولكلِّ بحرٍ مَذاق، ولكلّ مياهٍ لون : نهرٌ أبيض وآخرُ أزرق – مثلما عندنا في السودان – وبحرٌ أحمر ٌ في سواحلنا الشمالية الشرقية ، أو بحرٌ أبيض يتوسّط الكون، مثل الذي تستلقي فيه بيروت ، فسمّوه الأبيض المتوســط.

قلتُ لأصدقائيَ مِنْ السُفراءِ، وقت حلولي ببيروت سفيراً فيها قبيل سنوات : أنتم تذهبون إلىَ المُدن بأوراقِ اعتمادكم ، فيكون ْ رصفاؤكُم السفراءُ هُم أوّلْ من تقابلون،، أما أنا فقد حللتُ ببيروت ، وكان مِنْ بين أول مستقبليّ في ”مطار رفيق الحريري“، شاعر لبناني ضخم إسمه هُـنـري زغيب، هو مِن رفقاء وتلاميذ آخر عمالقة الشعر العربي: سعيد عقل . في رفقة الشاعر جاء وزير الثقافة السابق، وراعي جمعية الأخوة اللبنانية السودانية. عرَّفوني به قبل ذلك، وقالوا هو صهر شاعر لبنان الكبير الرَّاحل بشارة الخوري- “الأخطل الصغير”. في سفارتي التي قصدت، قبالة فندق “البريستول” العتيق، عند بداية شارع الحمرا في قلب بيروت، أوّل زائرة رحبتْ بي، كانت الشاعرة اللبنانية الدكتورة سلوى الخليل الأميــن .

في بيروت ، عروسُ الشِعر العربيّ ، يقدّم السفراءُ أوراق اعتمادهم لرئيس لدولة ، ولكن أيضاً ثمَّة اعتماداً آخرَ تطلبه منّا هذه المدينة الإستثنائية. أجل. . قدمتُ أوراق اعتمادي لرئيسِ لبنان ، لكن كان عليّ أن أقدم أوراق اعتمادي- إذاً – لبيروت الإبداع ، لبيروت القصيدة ، لبيروت فيروز والرحباني وسعيد عقل وشوقي أبي شقرا وجورج جرداق، وأيضاً طلال سلمان ورياض الريّس. . ولا حدود لبحر الابداع ولا سواحل لجمهورية السِّحر هناك . .

سألتُ بيروت التي عرفت هامساً : هلّا قََـبِـلتـَنِي، يا صاحبة السعادة ، سفيراً شاعراً في بلاطك . . ؟ ثم خفق القلبُ بحبِّ بيروت، حبّاً مُستداما. .

هَـل تحـدَّثني يا صــديقـي : ماذا تفعل المجنزرات أعلى “الـرَّوْشَــة”، إلى أدنى الطريق إلى “الرملة البيضاء”، ألا يرَى من بداخلـها أنَّ أمامهم شـارع محتشد بالرّياحيـن، اسمه شارع “نزار قباني”. .؟

أجل، ليتهم يسمعون صيحتك ” بيـروت ، ليست للدمــار” . .“بيروت مـُش للدمــار“..

عن جمال محمد ابراهيم

جمال محمد ابراهيم

شاهد أيضاً

فـؤاد مطـر و”حلو.. مُـر” السياسة السُّودانية

جمال محمد ابراهيمjamalim@yahoo.com(1)كثيرة هي الأقلام العربية المعاصرة التي تناولت شئون السودان، منها أقلام لصحافيين اشتغلوا …