تباشير
وليد محجوب
ليست القصص الشعبية مجرد وسيلة للتسلية أو تمضية الوقت، بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه الأمم ذاكرتها، والمرآة التي تعكس صورتها وهي ترى نفسها في الماضي والحاضر معاً. فمن خلال الحكاية الشعبية تتسلل إلينا منظومة القيم الأخلاقية المُراد غرسها في المجتمع، وطريقة التفكير، ونظرة الإنسان إلى الكون والطبيعة والآخرين، دون أن تبدو في هيئة مواعظ مباشرة أو دروس جافة. ولذلك تبقى القصص الشعبية من أكثر الوسائل قدرة على كشف الملامح الثقافية العميقة لأي مجتمع، لأنها تنقل إلينا ما عجزت عنه كتب التاريخ من نبض الحياة اليومية، ولغة الوجدان، وحكمة التجربة المتوارثة جيلاً بعد جيل.
ولعل الحيوان كان، عبر تاريخ الإنسانية، أبلغ الرواة وأكثر الشخصيات قدرة على حمل المعنى الرمزي. ففي المجتمعات التي عاشت في تماس يومي مع الطبيعة، كما هو الحال في كثير من قبائل جنوب السودان، لم يكن الحيوان مجرد كائن يعيش إلى جوار الإنسان، بل شريكاً في الخيال الجمعي، ولساناً ينطق بالحكمة. فالأسد يجسد القوة، والثعلب يرمز إلى الدهاء، والأرنب إلى الذكاء، والطائر إلى الحرية، بينما تتحول الأشجار والأنهار والرياح إلى عناصر فاعلة في صناعة الحدث. ومن خلال هذه الرموز تنسج الحكايات رسائل أخلاقية واجتماعية عميقة، تدعو إلى التعاون، وتحذر من الطمع، وتنتصر للصدق، وتُعلي من شأن التفكير بذكاء، وتؤكد أن الحكمة كثيراً ما تغلب القوة.
يأتي كتاب «أحاجي من جنوب السودان» ليقدم هذه الثروة الشفاهية في صورة مكتوبة تحفظها من النسيان، وتفتح أمام القارئ نافذة واسعة على عالم غني بالتنوع الإنساني والثقافي. ويتكون الكتاب من أربعة أجزاء، تضم قصصاً رواها أشخاص مختلفون ينتمون إلى قبائل متعددة، وهو ما يضفي على العمل أصالة وتنوع في الأصوات والأساليب والرؤى. وبرغم اختلاف البيئات واللهجات والرواة، فإن خيطاً واحداً يشد هذه الحكايات إلى بعضها: توظيف الحيوانات وعناصر الطبيعة بوصفها أدوات سردية تحمل الحكمة وتغرس الفضيلة، لتصبح كل قصة أشبه ببذرة تُلقى في تربة النفس، فلا تلبث أن تنبت فكرة أو قيمة تجعل حياة الإنسان أكثر وعياً واتزاناً ورحمة.
ويحسب لهذا الكتاب كذلك جودة ترجمته العربية التي جاءت سلسة رشيقة، محافظة على روح النص الأصلي دون تكلف أو افتعال، وخالية من الأخطاء واللحن الذي يفسد متعة القراءة أو يقطع إيقاع السرد. وقد نجح المترجم في نقل النكهة المحلية إلى العربية بلغة أنيقة تجعل القارئ يشعر بأنه يصغي إلى راوٍ يجلس عند موقد المساء، لا إلى نص مترجم فقد دفئه في الطريق. ومن هنا فإن “أحاجي من جنوب السودان”، الذي حرر نصوصه الإنقليزية ڤي. ديلاقياكوما وترجمها إلى العربية صديقي الصحفي الفذ إيهاب خيري وصدر عن دار آرام للنشر، ليس مجرد مجموعة من القصص الشعبية، بل جسر ثقافي يمتد بين مكونات السودان المختلفة، ودعوة صادقة إلى اكتشاف المشتركات الإنسانية التي تتجاوز حدود القبيلة والإقليم. إنه كتاب يستحق القراءة والتأمل، لأنه يذكرنا بأن الحكاية الجميلة قادرة، أحياناً، على أن تجمع ما فرقته الجغرافيا والسياسة.
Sent from my iPhone
kairi.2win@gmail.com
