أخبار عاجلة
Sudanile-Logo-SQ

أحزان الشفشافي.. سيميولوجيا الدم والقماش في سردية الخراب

hishamissa.issa50@gmail.com

بقلم: هشام الحلو

من آتون ومآسي الحرب اللعينة الدائرة في السودان اليوم، يطل علينا القاص معاوية محمد الحسن في نصه القصصي الأخير “أحزان الشفشافي”، الذي نُشر بصحيفة “مداميك” الإلكترونية. في هذا العمل، لا يكتفي الكاتب بتوثيق وقائع الحرب، بل يغوص في أعماق “سيكولوجيا الهزيمة” التي طالت الإنسان والمكان واللغة؛ فالنص ليس مجرد رصد لحالات النهب، بل هو مرثية فلسفية تحاكم الوجود والعدم في زمن المحرقة.
يبدأ النص بمشهد سريالي في متجر قماش ضخم، حيث يتحول القماش – الذي يرمز في الحالة الطبيعية للستر والجمال – بفعل الحرب إلى أكفان ملطخة بالدم. يبرع معاوية في استخدام “لفائف السايكوبيس والساتان” كخلفية لموت الجنود وطيور الحمام البيضاء، ليخلق تضاداً بصرياً حاداً بين نعومة الحرير وقسوة الرصاص. يصبح الدم هنا “نهراً هادراً” يصبغ القماش بالأحمر القاني، في إشارة رمزية لضياع القيمة الجمالية للأشياء أمام جلال الموت.
وفي هذا السياق، يطرح النص مصطلح “الشفشفة” – وهو المصطلح الذي اجترحته الحرب السودانية – ليس كجريمة جنائية فحسب، بل كحالة وجودية فرضتها الحاجة والانهيار الأخلاقي. تمثل شخصية “أبشر الشفشاف” هذا التناقض الصارخ؛ فهو يسرق بيوت الأثرياء ويبرر ذلك بأن “الله جعلها للمساكين”، واضعاً إيانا أمام تساؤل أخلاقي مرير: هل السرقة في زمن الجوع هي فعل تمرد على “طغيان المترفين” أم انحدار نحو قانون الغابة؟
يقول النص في وصف هذه الحالة:
“منذ يومهِ ذاك و(أبشر) يمارسُ الشفشفة باحترافيةٍ عالية. لقد شفشفَ غالبَ بيوتِ الأثرياء وكانَ ما يفتأُ يُحدثُني فيقول: (في زمنِ الحرب، اللهُ دائماً يقفُ إلى جانبِ المساكين والضعفاء..) قلتُ: (في زمنِ الحرب وفي كافةِ الأزمان يا أبشر..) قال: (هكذا، طوبىَ لهم.. لا تثريبَ عليهم ولا حرج.. كل شيءٍ مباح لهم، الله جعلها.. الله جعلها!). هتفتُ أنا: (ألا، إنّ المعدمينَ والمسحوقينَ والضعفاءِ، لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنونَ!) رددَ أبشر: (لا خوفٌ عليهم ولا حزن…. ولكنَ لِم تكونُ الغلبةُ للجبابرةِ والطُغاة؟) قلتُ: (يمدهم في طغيانهم يعمهون.) رددَ أبشر علي الفور: (يمدهم في طغيانهم يعمهون!) شَفشفَ أبشر وغنِمَ مغانمَ كثيرة في حربٍ عبثيةٍ لا معني لها… طقم جلوسٍ فاخر من بيت جارتهِ الدكتورة سلوى، وعربة ماركة (أكسنت) يقولُ عنها سماسرةُ السيارات أنها مضلعةٌ، إصطادهاَ أبَشر من معرضٍ للسيارات، وكانَ في ذات اليوم قد شفشفَ أيضاً نحو ثلاث وأربعين مروحة سقف ونحو ستة مكيفات هواء. يقولُ أنها جديدة.. جديدة لنج.! وقال لي يوماً أن أحدَ رِفاقهِ الشفشافة، قد شفشفَ بندقية كلاشنكوف وآخرونَ نهبوا راجمةَ من أحد الجنود حينما غرق العسكري المسؤول عن حراسةِ السلاح في النومِ وكانَ ثملاً..”
إن “أبشر” لا يسرق ليغتني، بل يسرق ليموت في النهاية جائعاً ومصاباً، مما يعكس عبثية “الغنائم” في وطن يحترق. وتكتمل صورة الخراب برمزية “الحمام الميت” الذي لجأ للمتجر هرباً من الرصاص فمات ذعراً، ليمثل المدنيين العزل. كما تبرز “البدلة الرمادية” التي جالت بين التاجر والشفشاف والجندي لتلخص مأساة الموت؛ فهذه البدلة التي كانت رمزاً للأناقة، تنتهي ككفن ملطخ بالدم لجندي مجهول، ليعلن الكاتب من خلالها فشل كل محاولات استعادة الحياة الطبيعية وسط الخراب الشامل.
ويصل النص ذروته عندما يتحدث معاوية عن “اللغة العرجاء”؛ ففي الحرب تسقط الكلمات وتنهزم المعاني، وكما يقول السارد: “الصمت منهزم والكلام أيضاً”. وعلى جانب آخر، يسيطر النَفَس الصوفي والقدري على النص عبر شخصيات “الجدة العمياء” وإمام الجامع، وبائعة الشاي؛ ليعكس الرؤية الشعبية للحرب كعقاب رباني، لكنه يطرح في الجوهر تساؤلاً احتجاجياً مبطناً: لماذا يُعاقب البؤساء بينما ينجو الطغاة؟
ينتهي النص بنهاية سينمائية مبهرة، حيث يغطي ريش الحمام المتطاير الأفق تماماً، في مشهد لا يرمز للسلام، بل يمثل غبار المأساة الذي أعشى الأبصار. إن معاوية محمد الحسن في “أحزان الشفشافي” لم يكتب قصة فحسب، بل رسم “لوحة جيرنيكا” سودانية بالكلمات، تدين الحرب وتنتصر للإنسان المسحوق. إنه نص أصيل يحول القبح إلى مادة أدبية تأملية، تجعل من “الشفشاف” شخصية تثير الشفقة لا الازدراء، وهذا هو جوهر الأدب الإنساني.

عن هشام الحلو

شاهد أيضاً

عادل القصاص… لهذا الصمت صليل غيابك

hishamissa.issa50@gmail.comبقلم: هشام الحلوفي ثمانينيات القرن الماضي، كان المشهد الثقافي السوداني يغلي بتحولات كبرى؛ وبينما كان …

https://bpbd.sumbarprov.go.id/

https://kweeklampenkopen.nl/type/

mstoto

slot mahjong

https://www.a1future.com/how-we-do-it-better/

slot gacor