محمد صالح محمد
هذا السؤال ليس مجرد استفهام عابر بل هو صرخة مكتومة في جوف الحنين محاولة يائسة لاستعادة ملامح وجهٍ غيبه الغبار وصوتٍ أخرسته المسافات.
حين أقول لكِ “أخبارك شنو” أنا لا أسأل عن روتين يومكِ بل أسأل عن بقايا الروح التي تركتها هناك عن “الونسة” التي انقطعت قبل أن تكتمل وعن الشوارع التي خلت من وقع خطاكِ.
غربة الأمكنة والقلوب …
في كل مرة يمر فيها طيفك يتوقف الزمن عند تلك اللحظة التي افترقنا فيها فالسودان ليس مجرد خارطة وأنتِ لستِ مجرد امرأة؛ أنتما وجهان لعملة الوجع الواحدة. كيف حالكِ في ظل هذا الشتات؟ هل لا زال في عينيكِ ذاك البريق الذي كان يهزم عتمة الليالي أم أن غبار اللجوء قد كسا الرموش بحزن لا يزول؟
نحن الذين تعودنا أن نشتم رائحة “الدعاش” في بيوتنا صرنا اليوم نستنشق رماد الذكريات. أسأل عنكِ لأنني أخشى أن تكوني قد نسيتِ طعم الفرح وسط صمت العالم.
في انتظار الجواب …
كلما كتبت إليكِ أشعر أن الحروف تخرج مثقلة كأنها تمشي على زجاج مكسور.
“طمنيني عليكِ” هي جملة مغلفة بالخوف من الحقيقة. أخاف أن تقولي “أنا بخير” وأنا أعلم أن “الخير” في قاموسنا المعاصر يعني فقط أننا لا زلنا نتنفس بينما القلوب قد توقفت عن النبض منذ زمن.
هل لا زال شاي المغرب له طعم؟
هل تجدين مكاناً آمناً لصلواتكِ ودعائكِ؟
هل يزوركِ طيف “البيت القديم” في المنام؟
وجع الحنين …
يا زولة يا نيلنا الذي جف في عروقنا أخبارك شنو؟ إن الغربة ليست في البعد عن الأرض فحسب بل في البعد عن الإنسان الذي يشبهنا الذي يفهم لغتنا الصامتة وتكفي نظرة واحدة منه لتقول كل شيء لقد تفرقنا في المنافي وصرنا نبحث عن بعضنا في شاشات الهواتف الباردة ننتظر علامة “متصل الآن” لنعلم أنكِ لا زلتِ تقاومين.
“يا ليت المسافات تُطوى ويا ليت القلوب لا تشيب ويا ليتكِ تعلمين أن خبر سلامتكِ هو المبتدأ والخبر في كتاب أيامي الحزينة.”
طمنيني عليكِ ليس لأنني أملك حلاً لأوجاعكِ بل لأنني أحتاج أن أعرف أن جزءاً مني لا يزال بخير هناك. إن انكسار خاطركِ هو انكساري ودموعكِ هي المطر الذي يغرق مدني المهجورة.
ردي عليّ ولو بكلمة واحدة لعلها ترمم ما تهدم من جدران الروح وتمنحني سبباً آخر لانتظار فجر قد لا يأتي قريباً لكننا نعيش على أمله.
أخبارك شنو يا زولة… طمنيني عليكِ فالحزن قد أكل من أعمارنا ما يكفي.
ولأن الكلمات لم تعد تكفي ولأن الحبر جفّ من فرط ما سكبناه على أرصفة الغربة وسأكتفي بالصمت الذي يسبق الوداع.
طمنيني عليك فما عاد في العمر متسع لمزيد من الخيبات وما عادت الروح تقوى على حمل وزر القلق. أخاف أن يمر الوقت وتضيع ملامحنا في زحام المآسي حتى إذا التقينا يوماً تساءلنا بمرارة”من نحن؟”.
إنني أسألك عن أحوالكِ وكأنني أسأل عن آخر خيط يربطني بالحياة فإذا انقطع فلا أرضاً سكنت ولا وطناً عرفت.
وداعاً يا زولة إلى أن يجمعنا قدرٌ لا يعرف البكاء أو إلى أن نلتقي هناك حيث لا وجع ولا فراق ولا سؤال ينتظر جواباً لن يأتِ أبداً.
استودعتكِ الله الذي لا تضيع ودائعه وسط هذا الخراب العظيم.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم