أزمـة أخـلاقيـة .. بقـلم: عمـر العمـر

 


 

عمر العمر
3 فبراير, 2022

 

التاريخ ليس مظلة نمشي تحتها بل إعمارٌأ أنجزه الأباء ثم نضيف عليه.

لذلك غير مجدٍ البتة التغني بالماضي ، بغض النظر عمّا إذا كان في ذلك الماضي مآثر أو أوهام. فكما قيّد كثيرٌ من المفسرين التفضيل في قوله تعالى" كنتم خير أمة أُخرجت للناس" بفعل المعروف والكف عن المنكر، نحتاج إلى إعادة النظر في إسباغ العديد من الصفات النبيلة على شعبنا. نحن كذلك معرضون للتحول إلى "غثاء السيل". بل ربما دخلنا ذلك الطور. فعلى الرغم من إجماع غالبية الطيف السياسي على توصيف المأزق الوطني الراهن إلا أن التشظي يغالب فيما يرتبط بتحديد سكة الخروج. هذا التشظي ليس نتاج تباين في المنطلقات أو الرؤى بل وليد تغليب مصالحنا الضيقة بفعل  أنانياتنا المفرطة على المصالح العليا للشعب والوطن. مع ذلك يزعم واهمون أنهم يصنعون تاريخأ! إنها أزمة أخلاق ليس غير.

***    ***    ***


   لا خلاف على خروج الثورة عن مسارها الهش إثر حدوث إنقلاب 25 أكتوبر لكن ثمة قصور في الرؤية تجاه توصيف ما حدث. فالجدل المثار على عمّا إذا كان ما حدث هو إنقلاب ام تصحيح يعكس رؤية مبتسرة . فما قام به فريق الجنرالات ليس إنقلابا عسكريا على الدولة بل هو إنقلاب في الإتجاه المضاد تماما لقيم الثورة وتوجهاتها. فكل الإنقلابات العسكرية حدثت- أو تحدث- ضد أنظمة قائمة لكن ما فعله البرهان وزمرته يستهدف  محو ما كُنب  بدم طازج على درب بلوغ غدٍ  حافل بالعدالة، الكرامة ووفرة مقومات أساسية لحياة أفضل. إنها أزمة أخلاق. بقوة السلاح يتوحش الجنرالات المتواطئون مع قوى الماضي الفاسد من أجل قطع  الطريق أمام الجماهير المشمرة السواعد لبناء تاريخ مشرق.

***    ***    ***


  التسلح بآليات العنف ضد الثورة والشعب لا يصنع تاريخا بل يتم تصنيفه ضمن "التآمر،التواطؤ، الردة ، النكسة والإنقلاب". هو عملٌ ممنهج بغية إجهاض جهد الجماهير  الباسلة من أجل المساهمة في صناعة تاريخ مجيد. العنف يمثل ظاهرة مدمرة لأبسط ممارسات الديمقراطية وهو الحوار.إدانة الجنرالات لا يبرئ الجناح المدني من الخطايا عوضاً عن التسلح بالقوة على مواجهة التحديات إكتفى الساسة داخل أروقة سلطة الثورة بالمناجاة طلبا لإعانتهم على تجنب تلك المصاعب. من  وراء هذا الخور الكامن تسلسلت مظاهر البؤس في الأداء فتراكمت على نحو حجب أعين سلطة الثورة عن أولوياتها. بل أحدثت كذلك شروخا في الثقة بين الجماهير وتلك القيادة. الفارق بين النفوس العظيمة والضعيفة هو امتلاك الأولى إرادة الفعل بينما تكتفي الأخرى بالأحلام والأمنيات.

***    ***    ***


   الإنقلاب زاد بقعة السيولة السياسية إتساعا. الإنقلابيون أخطأوا التقدير إذ باغتهم  شباب الثورة بقوة وتصميم لم يردا في حساباتهم. هبة الثوار الأشاوس أحالت السيولة إلى حالة من الجمود والتكلس. فالعنف وقف عاجزا أزاء صمود الشباب ذلك العنف الممارس هو حصيلة لثقافة ثلاثين عاما من الإظلام الحضاري. فنهج الجنرالات إمتداد لسياسات الإنقاذ في تبني آليات القمع  في وجه الشعب مع الغطرسة في تجاهل حقوق الشباب في حياة مشرقة أسوة بأندادهم من شعوب العالم. عند المنحنى الراهن تكشف كذلك برز بؤر ظاهرة  الميلشيات المستنتجة إبان الإنقاذ على اتساع رقعة الوطن وهرم السلطة. إتفاق جوبا لم يأت وليدا لديناميكية الثورة بل إنعكاسا لتلك السياسات. هو لم يعزز جدلية الوحدة والإنصهار إذ تم بناؤه على عصبية جهوية ونزق أمراء الحرب فتهالكت أركانه حتى استقوى قادة المليشيات على الدولة ذاتها. ما من أحدٍ بين هؤلاء من عرف شيئا عن رجل سوداني قادته قناعاته الوحدوية للإنتحار إحتجاجا في منتصف خمسينيات القرن الفائت. كما لم يسمع العروبيون منهم بانتحار اللبناني سعيد عقل احتجاجا على تفتت الروح القومية على عتبة ثمانينيات القرن نفسه.

***    ***    ***


 في ظل تصدع الدولة وتداخل رقعتي السيولة والجمود تكشفت كذلك صفحات سوداء من فصول النهب الممنهج من الداخل والخارج لثروات الشعب وخيرات الوطن. كأنما أفاق الشعب على صدمة هول مخيف وكابوس يهدد مستقبله. فلا أحد في السلطة الوهمية يبدو آبها تجاه ما يحدث. بل بعضهم شريكٌ في عمليات النهب . إنها أزمة أخلاقية ماحقة. كل الخيارات التقليدية للخروج من هذا المأزق تبدو عصية بما في ذلك إرتضاء إنقلاب عسكري من منطلق الرهان على جنرال أفضل أخلاقا ! هذا أكثر الرهانات خسارة. لكنه أمسى حلما يراود قطاع غير ضيق من المواطنين القانطين  في ظل بؤس الجنرالات وعجز الساسة. في الواقع البائس يستفحل غول الغلاء،  العملة الوطنية تستأنف السقوط، شبكات الخدمات  تواصل الإهتراء فتعج الطرق بالنفايات حتى بدت المدينة مكبا للزبالة. المشافي  تفقد تنازليا مقومات التطبيب الأساسية. ما من أحدٍ من هؤلاء قرأ كيف عاقب البريطانيون تشرشل في الإنتخابات بإخراجه من 10داوننغ استريت  حينما أخفق في توفير البيض والحليب  فلم يشفع له انتصاره قي الحرب.

    ***    ***    ***


 في المقابل تواصل القوى السياسية عجزها الفاضح إذ تغرق في التشقق والتشظي دونما يبدو على المسرح رجل رشيد أو خلف الكواليس يحمل مشروع عمل وطنيا مبشرا. جميعهم ينتظرون "غودو" الأممي عله يأتي بما لم يأت باه الخيرون من الأجاويد الوطنيين. فيا لها من أمة تستغرق في السبات. وحدهم الشباب يمتشقون الثقة ،يحملون شعلة الثورة متشبثين بالأمل متسلحين بطموحاتهم في القدرة على طي عهد الظلم والعبور إلى غد يغادرون فيه التكدس على أرصفة الفاقة ملتحفين أحلامهم البائرة والتسكع على هوامش العصر هم يقبلون على ذلك رغبة في إحداث قطيعة مع قلوب مغروسة في الوطن وعيون مشدودة إلى المنافي.

***    ***    ***


  كل الجهد المكرّس من أجل رسم خارطة طريق بغية الخروج من المأزق الماثل كما الزمن المهدر في صوغ ميثاق متفقٍ عليه  للمرحلة الإنتقالية ليسا سوى مراوغة للذات. فخارطة الخروج منقوشة في أخيلة كل الفرقاء. كذلك ميثاق المرحلة موسوم في جميع الذهنيات. تلك ليست هي المسألة . إنما المعضلة في إستشراء التشظي والإهتراءعلى نحو لم يعد ثمة أمل في بروز إرادة غلّابة أو قيادة ملهمة  قادرة على تجميع ذلكم  الشتات , أزمة القيادات أنها غارقة في ذاتياتها ،منكفئة على نفسها . أبصارها لا تتجاوز مصالحها الضيقة وبصائرها لا تتسع على نطاق الوطن. كلهم يفتقدون إلى الإستقامة  الأخلاقية  والأمانة الوطنية . إنها أزمة أخلاقية محضة . لذلك اتسم غودو الأممي بالأمانة عندما حدد بناء مبادرته على حصيلة ما ينجم عن لقاءاته بالفرقاء كما اكتسى الموفد الأفريقي بالواقعية حينما قال "السودانيون يبحثون عن حل هو بين أياديهم"

***    ***    ***


aloomar@gmail.com

 

آراء