أنسانية!

 


 

 

 

(1)

لا أحب إستخدام التعابير المحفوظة اومايسميه الانجليز بال cliché ولكن الضرورات تبيح لنا مالانحب . التعبير المحفوظ الذي أعنيه هو قول الامام الشافعي :
نعيب زماننا والعيب فينا* و ما لزماننا عيب سوانا
و نهجوا ذا الزمان بغير ذنب* و لو نطق الزمان لنا هجانا .

في هذا الزمان العجيب , الذي لم أهجوه بعد, إن أنت دققت النظر ستجد أن الله - من حين لآخر - يرسل لك أناسا بسطاء يقومون بأداء عمل إنساني كبير يعيد لك ثقتك المهزوزه بالجنس البشري و خاصة ب بنو سودان . "و مايعلم جنود ربك إلا هو " .

(2)
كليمنت , شاب من منطقة الاستوائية يعمل في وظيفة مؤقتة بمسمي ساع (ساعي) بأحد أقسام البنك الدولي بواشنطون , محبوب جدا من أقرانه و ممن يرأسونه كما أخبرتني زوجتي التي تعمل معهم في نفس القسم . عندما أقترب موعد تقاعد رئيسة قسمه الامريكية طلبت الاجتماع بكلمنت , ربما تكون تلك السيدة الفاضلة قد شعرت ببعض الذنب و التقصير لكون كلمنت يعمل بهمة في قسمها لعدة سنوات ورغم ذلك لم يتم تثبيته في وظيفة دائمة .

أخبرته بأنها معجبة جدا بنشاطه و أتقانه لعمله ثم سألته "ماذا يمكنني أن أفعل لك – أو أخدمك بشنو؟ كما نقول بالسوداني – وانا بصدد التقاعد " . الاجابة المنطقية التي توقعتها الخواجية هي طلب كليمنت بزيادة راتبه أو تثبيته في وظيفه دائمة , أو كليهما معا. الا أنه فاجأها بطلب آخر تماما !

حدثها عن قريته بالاستوائية وكيف أن طلاب المدرسة الوحيدة بها يدرسون في ظل الاشجار أذ أن المدرسة لامباني لها , وكيف أنهم يعانون ويفقدون كثيرا من أيام دراستهم عند هطول الامطار التي تسقط كثيرا بالاستوائية , فحين هطول المطر يهرب الطلاب والاستاذة ويأوي كل منهم لداره التي تعصمه من الماء . قال لها بأنه يحلم ببناء مدرسة بالطوب لهم ولكنه لايملك مالا وهو يتمني أن يساعده البنك الدولي في تحقيق حلمه ببناء تلك المدرسة . هذا كل مايريد منها فعله له!

غني عن القول بأن مديرة كليمنت ذهلت تماما من طلبه , و لكنها أنهت اللقاء بأن أخبرته بأنها ستري ماذا يمكنها فعله!

بحثت المديرة شمال يمين في مايمكنها فعله و أخيرا اهتدت لاحد البنود في ميزانية قسمها و التي تسمح لها بالتصديق علي مبلغ بحد أقصي عشرة الف دولار لاأي عمل خيري . نأدت كليمنت , أخبرته بأنه ستوقع التصديق بصرف العشرة ألف دولار لحلمه رغم أن تكاليف بناء المدرسة تزيد عن ذلك بكثير .

عرفت زميلات و زملاء كليمنت بالقسم , من اميركان , أفارقة , عرب , فرنسيس و جنوب أمريكيين بما يحلم به و كيف أن تحقيق حلمه يحتاج لاضعاف المبلغ الذي نجحت المديرة في تدبيره . أجتمعوا وتشاروا وبدأوا حملة جمع تبرعات له . ثم أقاموا عدة أسواق خيرية كبيرة لجمع المال . شهدت أحد تلك الاسواق التي أقاموها في قاعة ضخمة حيث اشتملت المعروضات علي اشياء متنوعة تبرع بها الزملاء و الزميلات بغرض بيعها في ذلك السوق . باعوا هناك القهوة , الشاي , الطعمية , الباسطة , الكعك , لوحات فنية , كتب , مجوهرات غير ذهبية , تماثيل فنية وأشياء أحري كثيرة.

بدأ المال يتجمع وبدأ كليمنت في بناء المدرسة التي أكتملت بعد حوالي العامين من عرضه الفكرة لمديرته .

أحيانا أقابل كليمنت عندما أتوقف بسيارتي أمام مكان عمله وأنا في أنتظار زوجتي . أشاهده وهو يدخن أمام المبني , يهرع نحوي عندما يراني , و أهرع نحوه عندما لايراني . "كيفك يازول؟ " يقول لي . "أخبار المدرسة شنو؟ " أسأله . مرة أجاب عن سؤالي المعتاد بأن أخبرني بحزن شديد , أن الطلبة و المعلمين هربوا من القرية وتركوها بمدرستها الجديدة عندما وصلت الحرب العبثية بين فريقي سلفاكير و ريك مشار لديارهم . آخر مرة قابلته أخبرني بأنه سعيد جدا لاتفاق الخرطوم الذي أنهي الحرب الاهلية بالجنوب و أن الطلاب و المعلمين قد عادوا لمدرسته أخيرا .

(3)
هنالك تناسق عكسي غريب بين كليمنت و فعله الانساني وبين الشخصية الثانية التي سأحكي عنها و سأرمز لاسمه ب "دد" وذلك للحفاظ علي خصوصيته و خصوصية أسرته أذ أن ماسأكتبه سيلمس بعضا من أفراد أسرته لمسا أيجابيا .

بينما كليمنت ينتمي لاقصي جنوب السودان فأن دد ينتمي لمنطقة في أقصي شمال السودان , بل هي شمال الشمال السوداني اذ أن خط العرض 22 الذي يفصل بين مصر و السودان يفصل أيضا بين أفراد أسرة دد الممتدة , اذ يجعل من يسكن جنوبه و هو منهم, سودانيون ومن يسكن شماله من أهله مصريون .

بينما أثّر فعل كليمنت الأيجابي علي مئات التلاميذ و سيظل يؤثر لعدة سنوات علي الالوف منهم فأن فعل دد الايجابي لم يؤثر الا علي شقيقه و شقيقاته . أيضا عمل الخير الذي قام به كليمنت أعانه عليه قوم آخرون بينما قام دد بفعله الايجابي مثل السيف و حده .

و أخيرا و آخرا فقد أنجز كليمنت مشروعه الانساني في عامين بينما بدأ دد فعله الانساني قبل ثلاثين عاما و مازال مواصلا فيه .

(4)
بعد تخرجه من جامعة الخرطوم في الثمانينيات كان المستقبل, بمقاييس الدنيا المادية, واعدا أمام دد .فتخصصه , كمهندس مدني كان مرغوبا جدا في دول الخليج التي كانت تشهد آنذاك بداية طفرتها العمرانية . سافر كثير من أبناء دفعته الي هناك ,أغترفوا من البترودولار و تطاولوا في البنيان بأحياء الخرطوم الجديدة التي أصبح بعضها يحمل أسماء خليجية كالرياض و الطائف ...الخ.

لتميزه الشديد أثناء دراسته الجامعية و بعد عمله باحدي المصالح الحكومية بالسودان , فقد أنهالت عليه عروض العمل بالخليج الا أنه رفضها كلها و فضل استمرار العمل بالسودان . سبب ذلك كان أحساسه بالمسئولية تجاه شقيقاته الثلاث الأصغر منه و شقيقه الكبير الذي يعاني من أعاقة ذهنية , خاصة وأن والديه قد توفيا أثناء فترة دراسته الجامعية .

عند مقابلتي لأصدقاء مشتركين , أثناء أجازاتي المتباعدة بالسودان كنت دوما ماأسأل عنه دون أن أتمكن من مقابلته . علمت أنه لم يتزوج أبدا لعدم ثقته في أن زوجة المستقبل ستتحمل تصرفات أخيه المعاق . تزوجت أخواته الثلاث وغادرن منزل العائلة وبقي هو يشرف وحيدا علي أخيه المعاق .

في أجازتي الاخيرة صممت علي مقابلته . تحصلت علي رقم هاتفه من صديق مشترك . تحدثت معه طويلا ثم عاتبته علي عدم أشتراكه في قروب واتساب تضم كثير من الاصدقاء الذين نعرفهم . رد علي بأنه لايملك هاتف ذكي فجهاز تلفونه من النوع العادي القديم الذي لايصلح للواتساب , شعرت حينها بخجل شديدو وكرهت نفسي !

أتفقنا علي أن نلتقي يوم جمعة في منزله الذي وصف لي موقعه .

قابلت دد في منزله المتواضع الكائن بحي طرفي بامدرمان . رحب بي بحرارة شديدة و تجاذبنا أطراف الحديث لمدة طويلة . مالفت انتباهي هو الطمأنينة الشديدة التي كانت تغمر وجه صديقي , أيضا لاحظت تعامله باحترام شديد مع أخيه الأكبر المعاق ذهنيا . أخذني لحيث يجلس شقيقه في غرفة أخري وقدمني له ثم طلب منه الجلوس معنا و شرب الشاي .

النظرة السطحية لما فعله دد ربما تري في ذلك شيئا عاديا ولكن أرجاع البصر كرة سينبئك بغير ذلك . فأن تتنازل طوعا عن طموحاتك الشخصية المشروعة بغرض ألأهتمام باخوات و أخ معاق سنة وراء أخري ولمدة تجاوزت الثلاثين عاما وربما تمتد لمدي حياة أخيه فلعمري فأن ذلك هو قمة التضحية و نكران الذات .


(5)
من آيات القرآن الكريم التي يقشعر لها بدني , لتصريحها بعظم مانحن مشؤولون عنه , هي قوله تعالي (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم) و مثلها تماما هنالك آية بأنجيل لوقا (12:48) تقول(فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِير)ٌ

ماتعلمته من كليمنت و دد هو أن العطاء المطلوب ليس بالضرورة أن يكون نقدا- ومن جيبك , فان تعذر ذلك فهناك الكثير مما يمكننا فعله لمساعدة بعض من نعرفهم في تحمل نوائب الدهر ,أو رسم بسمة في شفاهم ,أو أقالة عثرة لهم أو جعل يومهم يوما سعيدا .


husseinabdelgalil@gmail.com
مدونتي:
http://hussein-abdelgalil.blogspot.com

 

آراء