محمد عبد المنعم صالح
يقول ساداتنا المتصوفة : ليس الزهد أن تترك الدنيا وهي في يدك، ولكن الزهد أن تخرج من قلبك وإن كانت بين يديك..
فالزاهد عند ساداتنا المتصوفة ليس من حُرم المال والمتاع، وإنما الزاهد من لم يملكه المال ولم تستعبده الشهوات..
فإذا أقبلت الدنيا عليه شكر، وإذا أدبرت عنه صبر، وكان قلبه متعلقًا بالله لا بما سواه..
كأنما أرادو أن يعلمونا أن من عرف حقيقة الدنيا هان عليه فراقها ، ومن أبصر سرعة زوالها لم يركن إليها .. وكيف لا فهي دار ممر لا دار مقر، وسوق يربح فيها قوم ويخسر فيها آخرون، والسعيد من اتخذها مزرعة للآخرة، ولم يجعلها أكبر همّه ولا مبلغ علمه..
عند السادة الصوفية الزهد يورث صفاء القلب، ويُذهب عنه كدَر التعلّق بالمخلوقات، فإذا صفا القلب امتلأ بمحبة الله، وإذا امتلأ بمحبة الله استغنى بالله عن كل ما سواه.
وكان علي الدوام يوصون أصحابهم قائلين: خذوا من الدنيا ما يعينكم على طاعة الله، ولا تأخذوا منها ما يشغلكم عنه، فإن القليل مع القناعة خير من الكثير مع الغفلة، وإن نعيم القرب من الله لا يعدله نعيم..
قال الله تعالى:
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
فطوبى لمن زهد فيما يفنى، ورغب فيما يبقى، وجعل همَّه الله والدار الآخرة، فنال سكينة القلب ونور البصيرة وكفي ..
