أوسلينا… ذاك المستبد الصغير فينا

د. الوليد آدم مادبو

“التعليم ليس استعدادًا للحياة، بل هو الحياة ذاتها.” — جون ديوي

لم تكن قصة المعلّم الكوز في مدرسة أوسلي، الذي يلقّن الأطفال أفكارًا داعشيةً تحت مسمى “التربية الإسلامية”، سوى شرارةٍ صغيرة في ليلٍ طويل من الانحدار الأخلاقي والتربوي الذي يعيشه السودان. هرع الناس بالأمس إلى الأسافير، وغضب بعضهم لسماع الدرس الذي كان يلقنه كادر الأمن الشعبي للتلاميذ، وهم ما بين ساخرٍ وغاضبٍ ومستنكر، كأنما فوجئوا بما جرى. غير أن ما حدث ليس استثناءً، بل هو تجسيدٌ مصغّرٌ لأزمةٍ وطنيةٍ كبرى تمتد جذورها في تربةٍ ثقافيةٍ فاسدة، نُسجت خيوطها على مهل منذ ثلاث عقودٍ أو تزيد.

المشكلة ليست في هذا المعلّم وحده، بل في البنية العميقة التي أنجبته: في “الوعي المأساوي” الذي صاغه الإخوان المسلمون في الجامعات والمساجد والمناهج، حين حوّلوا الدين من تجربةٍ روحيةٍ إلى هندسةٍ سياسيةٍ للضمير الجمعي. جعلوا من الغيب سلطةً، ومن الطاعة فضيلةً، ومن السؤال معصيةً. وحين فُرض هذا النمط من التفكير على الأجيال، ضاق أفق التعليم حتى صار يشبه السجن لا المدرسة.

هذا المعلم الذي أثار استياءنا لم يهبط من السماء، بل خرج من رحم ثقافةٍ مشبعةٍ بالغيبيات والوساطة، ثقافةٍ تتناسل فيها الخرافة من بطون “طبقات ود ضيف الله”، حيث الكرامةُ تغلب الكفاءة، والبركةُ تعلو على المعرفة، والوجدان يُربّى لا على النقد، بل على التبجيل. في مثل هذا المناخ، تتشوه الفطرة ويُخنق العقل، فتُفرخ المدارس “كوادر” لا “عقولًا”. ويغدو المعلّم أداةً في مشروعٍ أكبر لإنتاج الولاء، لا لبناء الإنسان.

لكن الكارثة، في حقيقتها، ليست في ذلك الرجل، بل في كل واحدٍ وواحدةٍ منّا. أنا على يقين أن في داخلنا جميعًا “مستبدًا صغيرًا” متخفّيًا، ينام بين ثنيات وعينا الباطني، ينتظر لحظة الانفلات من الرقابة الذاتية. مستبدٌّ يظهر حين نُقصي المختلف، حين نحتكر الحقيقة، حين نخلط بين الغيرة على الدين والاستعلاء به.

لقد صنع الإخوان المسلمون “أوسليهم الكبرى” داخلنا، قبل أن يصنعوها في المدارس. علمونا أن نفكر بخوف، وأن نحيا بتردد، وأن نرى في الآخر تهديدًا لا شريكًا. وهكذا، حين اندلعت الحرب، لم تكن غريبةً عنا، بل استمرارًا طبيعيًا لتلك التربية القديمة؛ إذ السلاح في الميدان ليس سوى امتدادٍ للمقررات في الفصول، والاقتتال بين القبائل ليس إلا النتيجة المنطقية لتعليمٍ لم يعرف معنى المواطنة.

من هنا، يصبح إصلاح التعليم المدخل الحقيقي للسلام. لا سلام بلا وعي جديد، ولا وعي بلا حرية فكرية. لقد علّمنا باولو فريري أن “التحرر لا يُمنح، بل يُكتسب حين يعي الإنسان ظلمه”. وما لم نتحرر من “مستبدّنا الداخلي”، فلن نتحرر من أي طاغيةٍ خارجي.

إن السودان لن يخرج من هذا المستنقع إلا بمشروعٍ ليبراليٍّ إنسانيٍّ جديد، لا يُعادي الدين ولا يستسلم له، بل يُعيده إلى مقامه الأخلاقي الرفيع. مشروعٍ يعيد الاعتبار للمدرسة كفضاءٍ للخيال والنقد، لا كمعملٍ لإنتاج الجنود والعقائد. نحتاج إلى ثقافةٍ كونيةٍ مفتوحةٍ على الإنسانية، تُقدّر التنوع وتحتفي بالعقل، وتعرف أن الإنسان — أي إنسان — هو القيمة العليا التي لا يُعلو فوقها شعارٌ ولا جماعة.

ختامًا، لقد أخرجت أوسلي إلى السطح معلّمًا مشوّهًا، لكنها في الحقيقة كشفت مرآتنا نحن. فإما أن نكسر مرآة الوهم ونرى أنفسنا كما نحن، أو نواصل تعليم أبنائنا كيف يعيدون إنتاج خرابنا، جيلاً بعد جيل.

‏October 22, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …