أيدولوجيا العرق في السودان والاسقاط العنصري المضاد علي الهوية

 


 

 

 

 

*ايدولوجبا العرق هي التي تسقط مفاهيم لون البشرة علي السودانيين*

*اي حوار خارج الأبعاد الثقافية يعتبر ارتدادا عن الوعي الأنساني و الحضاري*

*أحمد محمود أحمد*

*مدخل* : لقد برز بعض المثقفين السودانيين عبر المرحلة الراهنة بأطروحة غير علمية تتماهي مع المنظور العرقي في الرؤية لمسألة الهوية السودانية، هذا الأتجاه يشتغل علي الاقلال من شأن السودانيين والذين يقولون بأنهم عرب، وهذا يعتبر تداعيا نفسيا و شوفينيا راكمته تداعيات الواقع السياسي من جهة، و من جهة أخري هي حالة الانحياز للمنطق غير العقلاني في التفكير من أجل ابراز خطاب سياسي يحمل عنفا مبطنا ضد بعض قطاعات المجتمع، و يحاول في نفس الوقت استرضاء بعض المجموعات التي تضررت من قمع السلطة، لكنه أسترضاء كسيح يؤسس لخطاب عنصري يتساوي و خطاب السلطة في نظرتها للذين هم خارج اطارها. وهذه الأيديولوجية ذات اتجاه تفكيكي لا يتناسب مع التقدم العلمي و الحضارة الانسانية، و التماهي معها من شانه ان يفكك كل مجتمعات الدنيا حيث لا يوجد مجتع منسجم عرقيا: أذن ما هي الأطروحة المشتركة لأيدويوجبا العرق، و الذي يمثله بعض المثقفين الشماليين ومن دون ذكر أسماء، الأطروحة هي:
1-السودانيون (قوم سود) وأدعاءهم بكونهم عربا يؤشر لخلل نفسي في العقلية السودانية
2-السودان دولة أفريقية وليست لديه علاقة بالعرب و أذا وجدت هذه العلاقة فهي علاقة تبعية
3-ينظر العرب للسودانيين كمجرد (عبيد) وهذا مدعاة أن يعو السودانيين الي وعيهم الأفريقي وقطع العلاقة مع العرب.
4-كل المشاكل التي حدثت في السودان و منذ الأستقلال تعود الي هذا الأنتماء العربي.
5-المرأة السودانية تعيش حالة أنفصام لأنها لا تستطيع النظر الي نفسها السوداء ولهذا تلجأ الي المساحيق بحثا عن بشرة بيضاء تيمنا بالعرب. هذه هي الأطروحة الأساسية لأصحاب أيدولوجيا العرق، ولكن يمكن أن تتبعها مقولات أخري لا نريد التطرق لها هنا نتيجة لتهافتها الموغل في العدمية. من المؤسف أن هذه الأطروحة تصدر من مثقفين يحمل غالبيتهم شهادة الدكتوراة، و ما يطرحونه هو الجانب العنصري في التفكير الأنساني، وهو ماتسعي هذه الدراسة من أجل تفكيكه وفق قراءة غير منفعلة، تتجنب الأساءة الي أي أحد بالرغم من حالة السقوط المريع والتي باتت تشمل مثقفين سودانيين بارزين يخوضون في وحل التفكير القبلي والعرقي وينزعون نحو التفكير المظلم في شأن الهوية.

*أسئلة وفرضيات*

1-عند النظر للهوية سودانيا ووفقا للأطروحة السابقة ، فهل يوجد جامع شكلي(لون البشرة) واحد يوحد بين السودانيين؟
2-اذا كان لون البشرة حاسما في مسألة الهوية أو الأنتماء كما يري منظرو أيدولوجية العرق، فهل يمكن أن نتحدث اليوم عن شعب أوروبي واحد يتأسس علي (لون البشرة) كما يري هؤلاء.
4- لماذا يطالب الأكراد اليوم بالأنفصال عن بقية العراق وقد لا يختلف الأكراد عن بقية العراقيين من حيث(لون البشرة) أو لماذا لا يكون الأتراك عربا أو الأيرانين عربا؟او حتي اليهود لماذا لم يكونوا عربا وهم لا يختلفون عن العرب شكليا في أي شيء؟

*فرضيات اولية*

1-الهويات الكبري لا يحكمها العنصر أو العرق، انما الثقافة و الانتماء الأنساني و الحضاري
2-كلما تنامي الأحباط السياسي، كلما نزع البعض الي أدانة نفسه في صورة أدانته للاخرين.
3-العنصر-اللون-السلالة-الدم-الخصائص الوراثية ليست ضمن العوامل التي تحدد الانتماء الوطني أو القومي لأن النقاء العنصري لا وجود له في العصر الحديث، ولأن قيمة الفرد كأنسان أو هويته الجماعية لا تتأثران بأصله السلالي(1).
4-الدين سواء كان سماويا أو غير ذلك، لا يدخل في التكوين الوطني او القومي وفي الجانب الخاص بكونه علاقة روحية بين الانسان وخالقه، لكنه يدخل في الجانب الخاص بكونه ثقافة و قيما و مثلا(2)

*الهوية السودانية -الأسئلة و الفرضيات*

كمدخل أساسي لهذا النقاش يجب أن نشير الي أن المنهج الذي أتبعه بعض المثقفين السودانيين والذي أطلقت عليه ايدولوجيا العرق، قد قام بأستخدامه بعض المنظرين الغربيين منذ القرن التاسع عشر والذين أستندوا فيه لنظرية التطور المعروفة، حيث وظفوا هذه النظرية و بشكل عنصري في مقايسة الرجل الأبيض بالآخرين. حيث تم التأسيس الي فكرة أن الأنسان الأبيض قد وصل الي قمة التطور السلالي بيولوجيا و بالتالي فهو الأرقي من حيث الصفات الوراثية، ووفقا لهذا التنظير فأن الآخرين و من غير البيض لم يصلوا الي هذه المرحلة من التطور و بالتالي فهم الأدني بيولوجيا و بالتالي أنسانيا، وقد أدي هذا الي استعباد الآخرين وفق هذا المنظور المتعالي، كما برز ذلك من خلال الأيدولوجية النازية و التي أستندت الي صفاء العرق الآري والتي حسب منظريها فأن الألمان هم الأرقي، وشهد العالم بعد ذلك نتائج هذا التفكير المسنود بالعرق و العنصر والذي تمخض عن حرب مدمرة راح ضحيتها ملايين البشر. ويمكن أن نقرن ذلك بالفكر الأستشراقي و الذي سبق الأستعمار العسكري الأوروبي والذي مفاده بان الذين هم أدني من حيث الأرتقاء لا يستطيعون تمثيل أنفسهم فيجب ان نمثلهم نحن،أي الأوربيون. هذه النظريات كانت كارثية علي مستوي تجربة البشرية اذ تم من خلالها أستعباد الافارقة، و تم من خلالها كذلك أستعمار الشعوب و التي أعتقد الرجل الأبيض بكونها غير قادرة علي صنع الحضارة و بالتالي يجب تحضيرها. طبعا المسكوت عنه هنا بأن الغرب سعي و ضمن رؤية أقتصادية لتجريد هذه الشعوب من امكانياتها مستندا الي هذا التنظير البيولوجي او الأستشراقي. لكن وان كان هنالك منظرين قد أشتغلوا بهذا الأتجاه، الا أن هنالك مدرسة مهمة برزت في الغرب وهي المدرسة التي لا تعتقد في الجانب البيولوجي او السلالي، بل تعتقد بأن الثقافة و البئة هما المسؤلان عن تشكل الأنسان وتطوير وعيه، وبالتالي فالحضارة ليست حكرا علي الرجل الأبيض، اذ هي ظاهرة أنسانية بالدرجة الأساسية وان الأنسان هو ابن الثقافة و بالتالي فأن البئة و الظروف التي ينشأ فيها هذا الأنسان هي التي تحدد ميوله و قابليته للحضارة، ولا وجود للعرق أو السلالة أي دور في تحديد مصائر الشعوب أو دور الأنسان. هذه النظرية قد تم أثباتها وعكسا للنظرية البيولوجية، وفق تطبيقات سليمة و علمية، وكان يقف علي رأس هذه النظرية الأنثروبولوجي الشهير فرانز
بواس (1858-1942). والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا يحاول بعض المثقفين السودانيين أستعادة نظرية العرق والعنصر حين يتم النقاش حول الهوية السودانية او انتماء السودانيين؟ و ما هو الدافع وراء ذلك؟ وكيف يستقيم التفكير في هذا الأتجاه؟ و كيف يتم تقييم حركة الشعوب عبر هذا العصر استنادا لمفهوم العرق؟ اذن ونحن نناقش هذه الأيدولوجية في مسار الهوية سنحاول الأجابة علي هذه الأسئلة و الأسئلة المطروحة في مقدمة هذه الدراسة. و لنبدأ بتفكيك تنظير أصحاب الأيدولوجية العرقية و في أطار الهوية السودانية بسؤال جوهري، وهو: ما الذي يجمعنا كسودانيين هل هو (السواد) كما يقول هؤلاء- هل يوجد لون للبشرة موحدا في السودان يجمع بين شماله و غربه وشرقه ووسطه؟ و ما هي المقاييس لذلك؟ مثل هذا النقاش يقود الي التردي في التفكير الانساني و يساوي بين الأنسان القبلي والمثقف الذي يفكر بهذا الأتجاه. فحركة الشعوب سواء كان ذلك عبر التاريخ او في الحاضر يجب أن لا تقاس بهذه الكيفيات، لأنه لم يذكر لنا التاريخ بأن هنالك حضارات قد سادت نتيجة لتميز شعوبها في لون بشرتها و علي الاطلاق، بل كل ما عرفناه عن الحضارات الكبري بأنه قد كان لديها ثقافات و طرق تفكير وأساليب في الحياة متقدمة. ولهذا و في حاضرنا الراهن فاننا لا نستطيع تفسير الصراعات التي تحدث في عالمنا أستنادا لهذه النظرية العرقية، فأوروبا تتساوي عرقيا (من حيث لون البشرة) و لكنها تختلف ثقافيا و تقع الحروب بين أقطارها بالرغم من كونها غير متمايزة عرقيا، و تطالب أقاليم داخل أسبانيا بالأنفصال (كاتاولينا) مثالا، وهي لا تختلف عن بقية الأسبان عرقيا، و هكذا حال الأكراد. اذن تركيز الهويات علي الأسس العرقية لا يخدم الا قضية التخلف ويعمل علي أستبعاد الجوانب الثقافية والحضارية في الأنتماءات بين الشعوب. الأختلاف حول الهوية وأيا كانت يبدو مطلوبا من أجل النقاش حول الأنتماء ودوره في حركة الشعوب، ولكن أن نتحاور حول بشرة السودانيين فهو السقوط في يئر العدم.

*الأبعاد الحضارية و الثقافية في الهوية*

تري هذه الدراسة ان النقاش حول الهوية السودانية يتطلب اولا أستبعاد العرق و ما يترشح عنه في نقاش أية هوية من الهويات، و هذا علي أقل تقدير يساعدنا علي النظر للهوية من منظور ثقافي حضاري ويفتح الأسئلة بأتجاه التكوينات الكبري التي تسطيع بناء نهضتها أستنادا الي هذه الأبعاد المذكورة ، ولهذا سأبدا بتعريف الثقافة أولا و من ثم الحديث عن الهوية السودانية ضمن أبعادها العربية و الأفريقية أستنادا الي هذه الأبعاد الثقافية. وسأختار ثلاثة تعريفات للثقافة تساعدنا علي فهم الهوية علي هذه الأسس الثقافية و من أجل خدمة موضوع الدراسة: أولا: يري *تايلور* ان الثقافة هي( ذلك الكل المركب المعقد الذي يشمل المعلومات و المعتقدات و الفن والأخلاق و العرف و التقاليد و العادات و جميع القدرات الأخري التي يستطيع الأنسان أن يكتسبها بوصفه عضوا في المجتمع(3). ثانيا: يري *تالكوت بارسونز* أن ( الثقافة مركب الأنظمة الرمزية التي عن طريقها يتكيف الناس في المجتمع مع بيئاتهم و يحددون علاقاتهم مع الآخرين في حدود الوضع الأنساني. و تتكون الثقافة من و سائل للتعبير و الاتصال مثل اللغات و أيضا مضمون الأفكار أو المعرفة في أشكالها المتعددة و المختلفة و كذلك رموز أساسية معبرة كوسيلة لاظهار المواقف و مفاهيم اخلاقية(4). ثالثا: يري *فوزي منصور* الآتي( الثقافة مفهوم مركب تجتمع فيه المعتقدات و القيم و العادات و التقاليد و أساليب التفكير العلمي و الخرافي و الخيال و الأساطير التي بكل تفاعلاتها و علاقاتها المتبادلة تسهم في صياغة فكر أمة أو شعب(5). استنادا الي هذه التعريفات يمكن ان نعرف الهوية كالاتي: الهوية هي الشعور المشترك لدي جماعة بأنها تتقاسم مصلحة مشتركة و مصيرا موحدا ، أو هي جزء من مفهوم الذات لدي الفرد ، يشتق من معرفته بعضويته في الجماعة و اكتسابه القيمة و الوجدانية المتعلقة بهذه الجماعة(6). أذن تعتبر الثقافة عنصرا مهما في مسألة الهوية وهي التي تحدد درجة الأنتماء و تؤدي للوحدة الذهنية بين الشعوب، والثقافة أساسها اللغة ، فأذا أفتقدت الشعوب عنصر اللغة فأنها تفتقد التواصل. و عندما نتحدث عن الهوية يجب أن ننظر الي هذه الجوانب و ليس الي الجوانب العرقية أو السلالية. فالهوية مرتبطة بالتطور التاريخي و الحضاري، و في ظل عالم اليوم و تطوره الحضاري، لا مكان للثقافات المنغلقة علي ذاتها والتي تدور حول مفاهيم العرق و السلالة . ولهذا فان الأخطر في قضية الهوية هو التمايز علي اسس عرقية أو دينية أذ يؤدي عادة الي نشوب الحروب و الصراعات ، و هذا ما تقف ضده هذه الدراسة.

*الأفريقية مقابل العربية*

عندما يقول مثقف ما بان السودانيين افارقة لأننا قوم سود، فما هو المقصود بالأفريقية؟ فداخل أفريقيا توجدذ أقطار عربية عديدة ، و توجد أقلية بيضاء في جنوب أفريقيا، كما توجد مجموعات هندية، و يوجد طوارق و بربر و مجموعات متبايتة تماما ،و في ذات الاتجاه فهنالك شرق أفريقيا و الذي يري سكانه أنهم متميزون و لديهم حضارتهم المختلفة عن بقية أفريقيا. في ظل هذه الاختلافات كيف يصرح شخص ما و دون تفكير أو روية بكون السودان أفريقي لأننا قوم (سود) هكذا دون أن يحدد أبعاد هذه الأفريقية، و محتواها الثقافي و الحضاري؟ في واقع الأمر ان ننتمي لأفريقيا هذا لا يتم كمقابل لأنتماءنا للعرب، ولا يتطلب الأنتماء لأفريقيا ان نتنكر نهائيا بكوننا عربا، لأنني أتكلم هنا عن الأنتماء بشكله الثقافي و ليس العرقي. فالجانب الموضوعي في التفكير يقول بان السودان هو محتوي تاريخي تشكل عبر التداخل العربي و الافريقي والذي انتج هذه الخصوصية السودانية والتي هي تعبير عن تزاوج الحضارات و الثقافات وهذا يتطلب الانتماء لهذين الاطارين وفق اسس ثقافية و ليست عرقية. فالأفريقية ليست قومية أو دائرة ثقافية موحدة، فأفريقيا تضم شعوبا عديدة و متباينة ثقافيا و حضاريا و لا توجد ثقافة واحدة تتفق عليها أفريقيا ، و الرابط بين شعويها سواء كانت العربية أو الافريقية رابط جغرافي و قاري، و يحمل السودان بعض الأبعاد الثقافية الافريقية لكن يغيب الجامع اللغوي ، فاللغة تعتبر جوهرية في تشكيل الهويات يضاف اليها التجربة و التاريخ المشترك، ولهذا عندما يقول بعض السودانيين بانتماءهم العربي فلا يتعلق هذا الانتماء بلون بشرتهم انما لهذه الأبعاد الثقافية واللغوية، و الأهم من ذلك فعندما وعي بعض السودانيين بانتماءهم العربي، حينها لم يكن يدركوا بأن هنالك عربا مختلفون عن تصورهم لذواتهم، ولهذا عندما يقول بعض المثقفين بأن السودانيين يعيشون متاهة حضورهم الخارجي و الداخلي عندما يقيسون أنفسهم بالعرب الآخرين، فهذه مقولة سطحية و غير متعمقة في الظواهر، فالهوية هي قبل كل شي شعور ذاتي غير خاضع تماما للأملاء الخارجي، وحتي لو اثر هذا الاملاء الخارجي فيه، لكن لا يلغيه. و الأهم ان يكون هذا الانتماء السوداني الداخلي للعروبة غير مفروض علي آخرين من ليس لديهم هذا الاحساس، و بنفس المستوي فلا يجب أن نعيب علي من يقول أنه عربي ونقلل من درجة هذا الأنتماء بمقولة اننا قوم سود فيجب ان نكون ضمن هذه الدائرة او تلك.هذا النقاش بدرجة او اخري لا يفيد مضامين الهوية،اذ المطلوب ان نخرج من متاهة حوار هؤلاء المثقفين الي رحاب الهوية بمضمانيها الحضارية و حتي لو أختلفنا في هكذا نقاش فسيكون مفيدا للطرفين. تحويل نقاش الهوية الي العرق و لون البشرة يجرنا الي البعد القبائلي في التفكير و هذا ارتداد في الوعي الأنساني بشكل لا ادراكي.لأن السؤال المركزي هنا، ماذا لو تخلي السودان عن العرب و خرج من جامعة الدول العربية و قال بأفريقته المطلقة، اذن ماذا يحدث؟ هل ستحل مشاكل السودان تلقائيا؟ لماذا تدور الدول الأفريقية منذ عقود في دائرة الحروب والتخلف وهي لا ترتبط بالعرب و لا تقول بالعروبة؟ لماذا لم يستطع جنوب السودان بناء تجربته و لا يوجد داخله من يقولون بأنهم عربا وليست لديهم علاقة بالعرب؟ اذن و بدلا من تحميل الأنتماء للعروبة كل هذا الشطط اللا معرفي، فيجب أن نفكر عميقا في أسباب التطور و عوائق التخلف ضمن منظمومة تتعلق بمفهوم النهضة، فلو أشتغلنا علي مشروع النهضة فان أنتماءنا للعرب سيقوي من مشروع هذه النهضة، فهي ليست علاقة تاتي خصما علي مشروع التطور الوطني بل داعما له في طل ظروف عربية صحية، كما أن تماسكنا الداخلي مرهون بالاتفاق حول سمات كبري مشتركة تساهم في الاندماج الوطني و في تقديري فالثقافة العربية في السودان يمكن أن تكون أساسا للدور التوحيدي الوطني لكن دون فرض أية رؤية أحادية تقلل من الآخرين. اذن الأفريقية التي يتحدث عنها مثقف العرق ليست بهذا التصور العرقي لكنها هي تشابك جغرافي و سياسي يرتب اقامة علاقات متوازنة مع الدول الأفريقية و توظيفها لمصلحة السودان، و ليس للون البشرة اي دور جوهري في أنتماءنا سواء كان بأتجاه أفريقيا او تجاه العرب، فقط تبقي هذه الأطر الثقافية و الحضارية كمحدد للأنتماء.أستنادا الي هذه المفاهيم فان الأطروحة التي يقدمها بعض المثقفين و التي تحمل أدانة ضد اي تمظهر بالثقافة العربية تؤشر الي غياب الرؤية المتوازنة و التي لا تحترم خيارات الناس و تقلل من و عيهم التاريخي بذواتهم، و بذات المستوي و عندما يتهكم البعض من البنت السودانية لأستخدامها للمساحيق و ذلك بكونها تهرب من السواد الي البياض كراهية في نفسها و لتشبثها بالعرب، هذا المنظور لا يستوعب الأبعاد الجمالية و حسب مراحلها و تطورها. فالمرأة السودانية قد لجأت من قبل الي ما يعرف (بالشلوخ) كنوع من التجميل بالرغم من المعاناة التي تعيشها في ممارسة هذه الظاهرة، ولم يقل احد بأنتهاكها لجسدها او كانت تسعي لتغيير شكلها بشكل كلي، و لا أحد ينتقد بيوتات التجميل المنتشرة في كل انحاء العالم و صالونات الشعر التي تغير من طبيعة شعر المرأة و غيرها. هذه الظواهر ترتبط بتغيرات الموضة و ليست لديها علاقة برفض الشكل أو التنكر للأفريقية، و قد تكون البنت السودانية غير واعية بكل هذا الجدل، فالسوق وحده أحيانا يحدد اتجاهات الموضة و كذلك نظرة الرجل للمرأة، كلها عوامل تسهم في حركة الموضة، و البنت السودانية تبحث عن حضورها الخارجي بعد ان قتل الاسلاميون الجوهر في الانسان السوداني وتم تمزيق المضامين الانسانية، اذ اصبحت حالة التوهان الانساني تصدر نفسها عبر كافة المظاهر والتي ليست لديها علاقة بالتنكر الي اي انتماء سواء كان لافريقيا او غيرها، فالانسان لا ينتمي بجسده، انما بوعيه و ثقافته و مضامينه الانسانية.
*خاتمة*
الأسئلة المطروحة في مقدمة هذه الدراسة يمكن الأجابة عليها بتتبع التاريخ البشري و من خلال ذلك فاننا لن نجد بأن هنالك امم سادت لأن توصيف شعوبها بلون بشرتها كان بكيفية أو أخري. كل كتب التاريخ تخبرنا بأن الأمم التي سادت تيسر لها ذلك العمق الثقافي و الحضاري، فقضية اللون قضية يجب ان لا تقاس من خلالها حركة الشعوب ، ردود الفعل تجاه بعض الممارسات المتخلفة في الواقع العربي يجب أن لا تجعلنا كسودانيين نتعامل بعنصرية مضادة تشتغل موضوعيا علي نفس أسس المفاهيم و الممارسات و التي تجعلنا نقسم العالم حسب نوع البشرة. يجب ان نقف جميعا ضد التعالي الثقافي الذي تمارسه السلطة او الصادر من اية مجموعات متخلفة داخل السودان و ضد كافة الأشكال التي تقلل من قيمة الأنسان . فايدولوجيا العرق قد
تولدت سواء كان من خلال وعي او من غير وعي نتيجة للقهر السياسي و التسلط و غياب المشروع النهضوي و التنمية المتوازنة، وهذا يتطلب الاشتغال علي قضية المشروع الوطني الشامل و ضبط العلاقة بين الوحدة و التنوع و بكيفية صحيحة، من خلال رفع السلب المتبادل بين الوحدة و التنوع، و ذلك بتحدبد دوائر التنوع بحيث تنسجم في علاقات مع الروابط العامة و الخصائص الوطنية (7). الفرضيات المطروحة مسبقا يمكن ضحدها فقط ضمن رؤية ثقافية ثاقبة اذ هي لا تدعي الصحة المطلقة لكنها تتصل بالرؤية العلمية حسب المنظور الذي أقدمه، لكن من ضمن ادوات الضحد يجب ان لا يكون العرق و لون البشرة كما يصدره البعض داخل السودان.

هوامش
1-ادبيات حزب البعث في السودان-الهوية القومية
2-المصدر السايق
3-أحمد محمود أحمد-الجذور التاريخسة للثقافة العربية في السودان- رسالة ماجستير-القاهرة-1997
4-المصدر السابق
5-المصدر السايق
6-آدم بمبا-صراع الهوية في افريقيا-التأرجح بين القبيلة و الدولة-قروبات واتساب2017
7-بكري محمد خليل- دراسة عن الهوية السودانية

ahmedvi09@gmail.com

 

آراء