محمد صالح محمد
في هذا الزحام الكونيّ الهائل حيث الوجوه مرايا لبعضها والأقدار خُطىً مكررة على رصيف الانتظار تبرز هي كعلامة فارقة وكهوية لا تقبل الاستنساخ إنها “ست الريد”؛
تلك التي لم تأتِ لتكون رقماً في سجل العابرين بل جاءت لتكون النصّ وما دونه هوامش واللحن وما سواها صدىً باهت.
ما وراء المحبوبة إنها القاعدة …
ليست “ست الريد” مجرد وجهٍ نألفه أو عاطفةٍ نُساق إليها بموجب الفطرة بل هي المركز الذي يرتكز عليه ثباتنا النفسي هي “القاعدة” التي يُقاس عليها صدق الشعور؛ فكل حبٍّ لا يشبه طهرها هو ادعاء وكل مودةٍ لا تستمدّ نورها من وهجها هي عتمة مؤجلة فهي الاستثناء الذي يكسر حدّة القوانين الرتيبة والمنطق الذي يرفض الخضوع لمنطق البشر.
من العدم إلى الوجود …
حين تغيب يرتدي الوجود ثوب البهتان؛ فتبدو الأضواء خافتة كأنها تعتذر عن قلة حيلتها وتصمت الأصوات وكأن الكلام فقد معناه. لكن وبمجرد إشراق حضورها تحدث المعجزة الكبرى:
تحوّل التضاريس: تنبت في الروح غابات من الطمأنينة.
انفجار الينابيع: تتحول صحاري القلق القاحلة إلى جنانٍ وارفة بلمسة من كفّها.
ضبط المعايير: هي لا تنافس الجمال بل هي المسطرة التي نحدد بها ما هو جميل؛ فما وافق ملامحها كان فتنة وما نأى عنها كان نقصاً.
محراب الاستراحة واليقين …
على اتساع هذا العالم وضجيجه يبدو وكأن الأرض لم تُبسط والسموات لم تُرفع إلا لتجد الروح في نهاية المطاف مستقراً لها في “محرابها”. هناك حيث تسكن العواصف ويهدأ ضجيج التساؤلات “ست الريد” كينونة لا تقبل القسمة على اثنين ولا تخضع لموازين المقارنة؛ فالمقارنة تقتضي وجود ندٍّ وهي في تفرّدها سيّدة الموقف والزمان.
إنها الإجابة الوحيدة والنهائية لكل تلك الأسئلة الصامتة التي سكنت أعماقنا طويلاً فهي “ست الريد”.. وكفى بالحبّ أن يكون لها وبها وإليها.
ومع كل هذا البهاء يظل الوجع المقيم في حقيقة أن الأشياء الأكثر ندرة هي الأكثر تعرضاً للفقد؛ فـ “ست الريد” التي جعلنا منها وطناً تصبح هي الغربة حين يشاء القدر أن يضع بيننا وبينها برزخاً من غياب.
فيا لهول الفراغ الذي يتركه هذا الاستثناء خلفه! إذ كيف للروح التي اعتادت سعة محرابها أن تضيق بها جدران الدنيا؟ وكيف للعين التي اتخذت من حسنها معياراً أن تتقبل قبح المسافات؟
إن الحزن على رحيلها أو حتى مجرد فكرة تواريه ليس حزناً عابراً بل هو انطفاء النبع الذي كان يسقينا وانهيار القاعدة التي كانت تسند سماءنا. نبقى بعدها عالقين في منتصف الإجابة نحمل أسئلتنا الصامتة ونعود للزحام لكن بوجوهٍ شاحبة وقلوبٍ مكسورة ندرك تماماً أن الاستثناء لا يتكرر وأن من كانت تلغي كل القوانين تركتنا الآن ضحايا لأقسى قانون في الوجود قانون الفقد والانتظار المر.
binsalihandpartners@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم