د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يقدم السجل الانقلابي السوداني منذ الاستقلال عام 1956 نموذجاً استثنائياً في تاريخ العلاقات المدنية–العسكرية في أفريقيا والعالم، إذ يمثل السودان أكثر الدول تعرضاً لمحاولات الانقلاب العسكري في افريقيا وثاني اكثر الدول تعرضاً لمحاولات الانقلاب في العالم، بعد بوليفيا، بما يعكس أزمة بنيوية مستمرة في طبيعة بناء الدولة وموقع المؤسسة العسكرية داخل النظام السياسي. ويكشف التحليل التاريخي للمحاولات الانقلابية الفاشلة بين عامي 1957 و2021 أن الظاهرة لم تكن سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل تعبيراً متكرراً عن اختلالات عميقة في العلاقة بين الجيش والسياسة، وعن فشل القوى المدنية والعسكرية معاً في تأسيس نظام ديمقراطي مستقر يحافظ على مهنية القوات المسلحة ويمنع استخدامها كأداة للصراع السياسي.
اعتمدت المحاولات الانقلابية السودانية على أنماط متعددة من الدوافع والأهداف، شملت الاحتجاج على ضعف الحكومات المدنية، والصراعات داخل الأنظمة العسكرية نفسها، والانقسامات الأيديولوجية بين التيارات السياسية داخل الجيش، والاعتراض على هيمنة حزب أو جماعة على الدولة، إضافة إلى التذمر من الفساد والتدهور الاقتصادي وتهميش قطاعات عسكرية معينة. إلا أن القاسم المشترك بين معظم هذه المحاولات كان غياب القدرة على تحويل التحرك العسكري المحدود إلى مشروع سياسي مستقر، بسبب ضعف التخطيط الأمني، وقصور بناء التحالفات، والفشل في السيطرة المستدامة على مؤسسات الدولة الرمزية والعسكرية.
بدأت سلسلة المحاولات الفاشلة بمحاولة الصاغ عبد الرحمن كبيدة في يونيو 1957، بعد فترة قصيرة من الاستقلال، وكانت تعبيراً عن التوتر المبكر بين المؤسسة العسكرية والحكومة المدنية الأولى. هدفت الحركة إلى إسقاط حكومة عبد الله خليل وإعادة ترتيب إدارة الدولة والجيش، لكنها افتقرت إلى السرية والتنظيم، مما أدى إلى كشفها قبل التنفيذ. لم تتمكن من الوصول إلى الإذاعة أو تعبئة الجماهير، وانتهت باعتقال قادتها ومحاكمتهم بالسجن والتجريد من الرتب، لكنها شكلت نقطة تحول مهمة لأنها كسرت الحاجز النفسي أمام تدخل الجيش في السياسة ومهدت الطريق للانقلاب الناجح عام 1958.
جاءت محاولة سبتمبر 1959 بقيادة محيي الدين عبد الله وعبد الرحيم شنان في سياق الصراعات داخل نظام الفريق إبراهيم عبود العسكري نفسه. لم تكن محاولة لإعادة الديمقراطية، بل كانت صراعاً على توزيع النفوذ داخل القيادة العسكرية، وسعت إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة لصالح قادة المناطق العسكرية. تحركت قوات من الشمال والشرق نحو الخرطوم، لكنها فشلت بسبب المناورة السياسية والاستخباراتية للنظام، وانتهت باعتقال القادة وإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية وفق ولاءات عبود.
أما محاولة نوفمبر 1959 بقيادة البكباشي علي حامد فكانت أول محاولة انقلابية شاملة ضد نظام عبود، إذ جمعت بين أهداف عسكرية وسياسية تمثلت في إسقاط الحكم العسكري وإعادة بناء نظام مدني انتقالي. امتلكت الحركة تنظيماً أكثر اتساعاً وشملت ضباطاً من اتجاهات سياسية مختلفة، مع وجود اتصالات مدنية مع بعض القوى السياسية، لكنها تعرضت للاختراق الأمني قبل ساعة الصفر. انتهت المحاولة بأول إعدامات عسكرية لضباط انقلابيين في تاريخ السودان المستقل، مما أدخل أسلوب الردع الدموي إلى إدارة الصراعات داخل الجيش.
شكل انقلاب هاشم العطا في يوليو 1971 أكثر المحاولات الانقلابية تعقيداً من الناحية الأيديولوجية والعسكرية. فقد جاء نتيجة الصراع داخل نظام جعفر نميري بين التيار الماركسي والحزب الشيوعي من جهة، ونميري وحلفائه الجدد من جهة أخرى. نجح الانقلاب في السيطرة على القيادة العامة والقصر الجمهوري والإذاعة والتلفزيون، وبدا لثلاثة أيام أنه أصبح واقعاً سياسياً جديداً. إلا أن فشله في تأمين القواعد العسكرية في الخرطوم، وعدم تحييد التدخلات الإقليمية، ونجاح القوات الموالية لنميري في تنظيم هجوم مضاد أدى إلى انهياره. تبع ذلك أكبر موجة تصفيات سياسية وعسكرية في عهد نميري، عُرفت بمحاكمة الشجرة، وشملت إعدام قادة الانقلاب وعدد من القيادات السياسية والنقابية.
جاءت محاولة حسن حسين في سبتمبر 1975 باعتبارها تحركاً احتجاجياً محدوداً ضد استبداد نظام نميري وتوسع جهاز الأمن وتدهور الأوضاع الاقتصادية. افتقرت إلى التنظيم السياسي والحاضنة الشعبية، واعتمدت على قوة عسكرية محدودة من دون دعم الأسلحة الرئيسية، ولذلك تم سحقها سريعاً. ورغم وصول المهاجمين إلى مبنى الإذاعة ومحاولة تسجيل بيان، فإن قطع البث حال دون نجاحها، وانتهت بإعدام القائد وعدد من المشاركين.
أما محاولة الجبهة الوطنية في يوليو 1976 فكانت أكبر تحرك عسكري–مدني عابر للحدود ضد نظام نميري. فقد جمعت بين حزب الأمة والاتحاديين والإسلاميين، وحظيت بدعم خارجي وتدريب عسكري خارج السودان. تمكنت القوات المهاجمة من دخول الخرطوم والسيطرة على مواقع مهمة وخوض معارك شوارع لعدة أيام، لكنها فشلت في تثبيت السيطرة على الإذاعة وفي تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي. انتهت العملية بقمع دموي واسع وإعدامات، لكنها أحدثت أثراً سياسياً بعيد المدى لأنها دفعت نميري إلى المصالحة الوطنية عام 1977، وهو ما سمح لاحقاً بتغلغل الإسلاميين داخل الدولة والجيش وصولاً إلى انقلاب 1989.
شهد عهد نظام الإنقاذ محاولة انقلاب رمضان عام 1990 بقيادة عبد القادر الكدرو، والتي جاءت احتجاجاً على أسلمة الجيش وإقصاء الضباط المهنيين وإنشاء قوات موازية مثل الدفاع الشعبي. كانت المحاولة منظمة داخل الأسلحة الرئيسية، لكنها تعرضت لاختراق استخباراتي قبل التنفيذ. أدى ذلك إلى اعتقال القادة وإعدام 28 ضابطاً في ما عرف بمذبحة رمضان، والتي مثلت واحدة من أكثر عمليات القمع دموية داخل المؤسسة العسكرية السودانية، ورسخت سياسة الردع الدموي داخل نظام البشير.
في مارس 1992 جاءت محاولة حزب البعث بقيادة العقيد أحمد خالد، وكانت تعبيراً عن رفض هيمنة الحركة الإسلامية على الدولة والجيش. إلا أن التنظيم المحدود للحزب وضعف قدرته على الحشد الجماهيري جعلا المحاولة تفشل قبل بدايتها. اتخذ النظام هذه المرة نهجاً مختلفاً نسبياً، إذ لجأ إلى السجن والمحاكمات العسكرية بدلاً من الإعدام، وهو ما مثل تحولاً في أسلوب التعامل مع المحاولات الانقلابية.
أما محاولتا عام 2004 فقد ارتبطتا بالصراع الداخلي داخل الحركة الإسلامية بعد مفاصلة البشير والترابي عام 1999. حاول جناح المؤتمر الشعبي استخدام عناصر عسكرية موالية لإسقاط نظام البشير وإعادة ترتيب السلطة الإسلامية، لكن الأجهزة الأمنية تمكنت من كشف المخططات واعتقال المشاركين. لم تجد هذه المحاولات دعماً شعبياً واسعاً، إذ نظر إليها كثير من السودانيين باعتبارها صراعاً داخلياً بين أجنحة النظام نفسه، وانتهت بالاعتقالات والمحاكمات دون إعدامات.
جاءت محاولة نوفمبر 2012 بقيادة صلاح قوش وود إبراهيم في سياق أزمة نظام البشير بعد انفصال الجنوب وتدهور الاقتصاد وتصاعد الانتقادات داخل الحركة الإسلامية نفسها. اعتمدت على شخصيات ذات نفوذ داخل الأجهزة العسكرية والأمنية، لكنها فشلت بسبب الاختراق الاستخباراتي المبكر. ورغم خطورتها، انتهت بالسجن والتقاعد ثم العفو الرئاسي، مما عكس استمرار التحول من العقوبات الدموية إلى العقوبات القانونية والسياسية.
وقعت محاولة يوليو 2019 بقيادة هاشم عبد المطلب خلال المرحلة الانتقالية بعد سقوط البشير، وكانت انعكاساً للصراع داخل المكون العسكري حول مستقبل السلطة وعلاقة الجيش بالقوى المدنية. استهدفت إطاحة المجلس العسكري الانتقالي ووقف مسار التفاوض مع قوى الثورة، لكنها أُحبطت قبل التنفيذ عبر الاعتقالات الاستباقية. لم تحصل على دعم شعبي، وانتهت بالمحاكمات العسكرية والتجريد من الرتب.
أما آخر المحاولات الفاشلة قبل الانقلاب الناجح في أكتوبر 2021 فكانت محاولة سلاح المدرعات بقيادة عبد الباقي بكراوي في سبتمبر 2021. جاءت في ظل تصاعد الخلاف بين المكونين المدني والعسكري داخل المرحلة الانتقالية، ورفض بعض الضباط إعادة هيكلة الجيش ودمج قوات الدعم السريع. تحركت الدبابات من معسكر الشجرة باتجاه أم درمان، لكنها افتقرت إلى الدعم السياسي والعسكري، وتم احتواؤها بالتفاوض دون معارك واسعة. لم تصل إلى الإذاعة ولم تتمكن من إعلان بيانها، وانتهت باعتقالات وأحكام بالسجن والتقاعد.
تكشف المقارنة بين جميع المحاولات أن الدوافع الانقلابية السودانية يمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنماط رئيسية. الأول هو الانقلابات الأيديولوجية التي سعت إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع، مثل انقلاب هاشم العطا ومحاولة الجبهة الوطنية ومحاولة البعث. الثاني هو الانقلابات التصحيحية داخل الأنظمة القائمة، مثل محاولات 1959 و2004 و2012 و2019، حيث كان الهدف تغيير موازين القوى داخل النظام نفسه. الثالث هو التحركات الاحتجاجية العسكرية ضد الفساد أو الاستبداد أو التهميش، مثل محاولات كبيدة وعلي حامد وحسن حسين والكدرو وبكراوي.
وتظهر الدراسة أن السيطرة على الإذاعة والتلفزيون كانت عاملاً مركزياً في نجاح أو فشل معظم المحاولات، إذ مثلت الإذاعة القومية في أم درمان مركز الشرعية الرمزية للدولة. المحاولة الوحيدة التي تمكنت من السيطرة الكاملة على الإعلام وبث بياناتها كانت محاولة هاشم العطا عام 1971، ولذلك استطاعت أن تفرض واقعاً سياسياً مؤقتاً. أما بقية المحاولات، فإن فشلها في السيطرة على الأثير أو بث البيان الأول أدى إلى فقدانها القدرة على خلق شرعية جماهيرية وتحويل التحرك العسكري إلى سلطة سياسية.
كما تؤكد المقارنة أن وجود الحاضنة السياسية والاجتماعية كان عاملاً حاسماً في التأثير التاريخي للمحاولات. فقد تمكنت المحاولات المدعومة بأحزاب وتنظيمات واسعة مثل 1971 و1976 من إحداث تغييرات سياسية طويلة الأمد رغم فشلها العسكري، بينما انتهت المحاولات المعزولة داخل الجيش إلى الإحباط السريع دون تأثير مباشر.
أما في مجال العقوبات، فقد مرت التجربة السودانية بثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى اتسمت بالعقوبات العسكرية التقليدية المحدودة في عهد الديمقراطية الأولى. المرحلة الثانية شهدت استخدام الإعدامات الجماعية كأداة ردع في عهود عبود ونميري والبشير، خاصة في 1959 و1971 و1990. أما المرحلة الثالثة منذ التسعينيات وحتى 2021 فقد اتجهت نحو السجن والمحاكمات والتقاعد والعفو الرئاسي، نتيجة الضغوط الحقوقية والخوف من تعميق الانقسامات داخل المؤسسة العسكرية.
الخلاصة الأساسية التي يكشفها السجل الانقلابي السوداني هي أن تكرار فشل الانقلابات لم يكن نتيجة أخطاء تكتيكية فقط، بل نتيجة أزمة بنيوية في طبيعة الدولة والعلاقة بين الجيش والسياسة. فقد تكررت الأخطاء نفسها عبر العقود: ضعف التأمين الاستخباراتي، غياب الحاضنة الشعبية، سوء تقدير موازين القوة، الفشل في السيطرة على المؤسسات الإعلامية، وعدم القدرة على بناء مشروع سياسي شرعي بعد السيطرة العسكرية.
كما توضح التجربة أن الانقلاب الفاشل غالباً لا ينهي الصراع، بل قد يصبح مقدمة لصراعات أكبر. فقد أدى فشل حركة 1976 إلى المصالحة الوطنية التي ساهمت في صعود الإسلاميين لاحقاً، كما أن فشل محاولات 2019 و2021 لم يؤد إلى استقرار الانتقال الديمقراطي، بل سبق الانقلاب الناجح في أكتوبر 2021 الذي ساهم في تفاقم الأزمة وصولاً إلى حرب 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع.
ويثبت التاريخ السوداني أن استخدام القوة العسكرية لحسم الصراعات السياسية أدى إلى إضعاف مهنية الجيش وتحويله إلى ساحة تنافس حزبي وأيديولوجي، وأن مسؤولية هذا الانحراف تقع على عاتق القوى المدنية والعسكرية التي أدخلت السياسة إلى الثكنات واستخدمت الضباط كأدوات للصراع على السلطة.
ويتطلب الخروج من دائرة الانقلابات المتكررة إعادة تأسيس العلاقة بين الجيش والدولة على أسس جديدة، تبدأ بإعادة بناء القوات المسلحة كمنظومة وطنية مهنية موحدة ومنع أي نشاط سياسي أو حزبي داخلها، وترسيخ الرقابة المدنية والدستورية على المؤسسات العسكرية والأمنية وميزانياتها وشركاتها، وبناء عقد اجتماعي ديمقراطي يجعل الانقلاب العسكري، سواء كان ناجحاً أو فاشلاً، خارج دائرة الخيارات السياسية المقبولة والممكنة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
يمثل السجل الانقلابي السوداني منذ استقلال البلاد في 1 يناير 1956 ظاهرة استثنائية وبنيوية في تاريخ العلوم السياسية والعلاقات المدنية-العسكرية في أفريقيا والعالم النامي. فالمرصد الأكاديمي الدولي للانقلابات العسكرية، الذي أسسه الباحثان الأمريكيان جوناثان باول وكلايتون ثاين (Powell & Thyne, 2011)، يُصنف السودان بوصفه “المختبر المركزي للانقلابات” في القارة الأفريقية. ووفقاً لبيانات هذا المرصد والمراجعات الأكاديمية المترتبة عليه، شهد العالم منذ عام 1950 نحو 476 محاولة انقلابية، حازت القارة الأفريقية على النصيب الأكبر منها بنسبة تتجاوز 36% من إجمالي المحاولات العالمية (Powell & Thyne, 2011). وفي هذا السياق المقارن، يتصدر السودان دول القارة الأفريقية بلا منازع في عدد المحاولات الانقلابية بـ 16 محاولة انقلابية (ناجحة وفاشلة) حتى عام 2021، ويحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد بوليفيا التي سجلت 23 محاولة انقلابية منذ منتصف القرن العشرين (ISS Africa, 2019; Wikipedia, 2023). إن التباين الرقمي الظاهر في الأدبيات التاريخية والإعلامية حول عدد المحاولات الانقلابية الفاشلة في السودان – حيث تحصرها بعض التقارير الصحفية مثل وكالة الأناضول وقناة الجزيرة وTRT عربي في ثماني أو تسع محاولات فقط – لا يرتبط بتناقض في المادة الوقائعية، بل يعود أساساً إلى الاختلافات المنهجية في تعريف المفهوم الإجرائي لـ “الانقلاب العسكري” (Coup d’état). فالتقارير المبتسرة تكتفي غالباً بحصر التحركات العسكرية الكبرى التي وصلت إلى مرحلة السيطرة الفتية على مرافق الدولة أو بثت بياناتها عبر وسائل الإعلام القومية. في المقابل، تعتمد المنهجيات الأكاديمية الرصينة – والتي يستند إليها هذا المقال – تعريفاً وسيعاً يشمل كل تحرك عسكري منظم يستهدف الإطاحة بالقوة بالسلطة التنفيذية القائمة، سواء أكان تحركاً كلياً مكتمل البناء، أم حراكاً تصحيحياً داخلياً داخل المجلس العسكري الحاكم، أم تمصيراً وتجبيداً لسلالم السيطرة في مهدها الثكني، أم تحركاً مسلحاً عبر الحدود بقيادة تحالفات مدنية-عسكرية (Powell & Thyne, 2011; Woodward, 1990). تأسيساً على ذلك، يكشف التفكيك التحليلي لهذه المحاولات الاثنتي عشرة الفاشلة الممتدة من عام 1957 إلى عام 2021 عن أزمة بنيوية مركبة في تشكل الدولة السودانية الحديثة. إذ لم تكن المؤسسة العسكرية السودانية (التي تأسست نواة جيشها الحديث من “قوة دفاع السودان” عام 1925) مجرد أداة احتكارية لحفظ الأمن القومي والسيادة الوطنية، بل تحولت تدريجياً إلى ساحة محاصصة واستقطاب حزبي وأيديولوجي وطائفي وإثني حاد (عثمان، 1998). فقد تغلغلت القوى السياسية المدنية – بدءاً من حزب الأمة والاتحاديين، مروراً بالحزب الشيوعي وحركة البعث، وصولاً إلى الجبهة القومية الإسلامية – داخل الثكنات العسكرية عبر أجنحة تنظيمية سرية (مثل تنظيم الضباط الأحرار، والضباط البعثيين، والضباط الإسلاميين) للاستقواء بالبندقية وحسم الصراع السياسي العاجز عن التبلور عبر آليات ديمقراطية مستقرة (El-Affendi, 1991). تتوزع محددات الفشل الإستراتيجي لهذه المحاولات الاثنتي عشرة بين ستة عوامل بنيوية تتكرر عبر الحقب التاريخية المختلفة:
- القصور الأمني والتأطيني: الشديد في إدارة عمليات السرية، مما أدى إلى تسريب المخططات عبر وشايات داخلية أو اختراقات استخباراتية في المراحل الختامية قبل ساعات “الصفِر” (كما حدث في محاولات 1957، 1990، و2012).
- العزلة التنظيمية والسياسية: وغياب الحاضنة الشعبية والجماهيرية المساندة للتغيير العسكري (كما في محاولات 1975، 1992، وسلاح المدرعات في سبتمبر 2021).
- التدخلات الإقليمية والدولية المضادة: التي رجحت كفة الأنظمة القائمة وحسمت الصراع الميداني لصالحها (كما حدث في التدخل المصري-الليبي الفاصل ضد انقلاب هاشم العطا عام 1971).
- الفشل في تحييد كافة وحدات الجيش: وسوء تقدير موازين القوى مع السلاح الإستراتيجي، ولا سيما سلاح المدرعات بسلاح الشجرة وسلاح الطيران وقوات الدعم السريع لاحقاً.
- القدرة الاستباقية الفائقة لأجهزة أمن الدولة: والاستخبارات العسكرية التابعة للأنظمة القائمة على البطش السريع وتحريك القوات الموالية.
- الفشل في تحقيق السيطرة الرمزية والميدانية: المستقرة على الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون في أم درمان؛ إذ تشير الأدبيات إلى أن الإذاعة القومية كانت تُشكل “المحور السيميائي والرمزي للشرعية السياسية” في السودان، بحيث يُقاس نجاح الانقلاب أو فشله بقدرته على احتكار الأثير وبث البيان رقم (1) وتأمين الاستديوهات ضد المحاولات المضادة (Hashem al-Atta, 1971; New York Times, 1971). يعتمد هذا المقال إطاراً تفكيكياً وتركيبياً وتوليفياً يقوم على معالجة كل محاولة من المحاولات الاثنتي عشرة عبر المحاور السبعة المحددة: الدوافع، الأهداف، التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية، السيطرة على الإذاعة والتلفزيون، الحاضنة السياسية والاجتماعية، ونمط العقوبات والردع، وصولاً إلى مقارنة منظمة ختامية وخاتمة نقدية تُفكك آليات انتاج الفشل الانقلابي في السودان.
الفصل الأول: محاولة 13 يونيو 1957 – حركة الصاغ عبد الرحمن إسماعيل كبيدة ضد أول حكومة وطنية
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت أولى المحاولات الانقلابية في تاريخ السودان المستقل في 13 يونيو 1957، بعد مضي ما يقارب ثمانية عشر شهراً فقط من إعلان الاستقلال في 1 يناير 1956. جاءت هذه المحاولة كاستجابة وتعبير مباشر عن حالة التذمر والتململ البنيوي التي تسربت إلى صفوف الضباط والجنود جراء الأداء السياسي الضعيف للحكومة الوطنية الأولى برئاسة السيد عبد الله خليل، رئيس الوزراء والقيادي في حزب الأمة، والتي تشكلت في إطار ائتلاف معقد وغير مستقر بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي (الممثل لرعاية طائفة الختمية)، في ظل رئاسة إسماعيل الأزهري لمجلس السيادة (الصايغ، 2011). وتلخصت الدوافع العميقة للتحرك في الرفض العسكري الحاد لطريقة إدارة الحكومة المدنية للملفات السيادية الحساسة، وعلى رأسها التردي الميداني والأمني في أقاليم السودان الجنوبية عقب تمرد فرقة الاستوائية (Southern Corps) في توريت عام 1955، وغياب إستراتيجية دفاعية قومية لبناء وتطوير الجيش السوداني بعد الجلاء البريطاني، إلى جانب استشراء التجاذبات الحزبية والطائفية وتأثيرها المباشر على معايير الترقية والتعيينات في المناصب القيادية داخل المؤسسة العسكرية (عثمان، 1998).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت أهداف الحركة في الإطاحة بحكومة عبد الله خليل الائتلافية، وحل البرلمان السوداني، وتشكيل مجلس قيادة عسكري يمسك بزمام السلطة التنفيذية والتشريعية، لإعادة فرض الانضباط الإداري، وتحييد النفوذ الطائفي والمحاصصات الحزبية في إدارة مؤسسات الدولة، وتوجيه الموارد نحو بناء الجيش. ولم تكن للحركة أيديولوجيا معلنة أو برنامج اقتصادي واجتماعي راديكالي، بل كانت تنزع إلى فرض وصاية عسكرية إدارية على الشأن العام دون تبني مشروعات تحولية كبرى (عثمان، 1998).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد التحرك الصاغ (الرائد) عبد الرحمن إسماعيل كبيدة، وهو ضابط كان يشغل موقعاً قيادياً في مدرسة المشاة بالمنطقة العسكرية بأم درمان، بالتنسيق مع عدد من ضباط الصف والضباط الشباب الميدانيين والطلبة الحربيين بالكلية الحربية بـ “البيت أباد” (أم درمان). اعتمد التخطيط العملياتي على استغلال الانتشار الميداني لقوات المشاة للسيطرة على القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم، واعتقال رئيس الوزراء عبد الله خليل وبعض الوزراء والسيطرة على جسور العاصمة المثلثة. غير أن التحرك افتقر إلى أحدث أدوات السرية والتأمين الاستخباراتي؛ إذ جرت الاتصالات العسكرية بصورة شفهية ومفتوحة نسبياً داخل الثكنات. أدى ذلك إلى تسرب الأنباء والمعلومات التفصيلية خطة التحرك وساعة الصفر إلى قيادة الاستخبارات العسكرية ورئيس الأركان أثنائها، مما مكن السلطات من إحباط الحركة في طور التحضير والجمع الميداني وقبل تحرك الآليات القتالية خارج أسوار سلاح المشاة والكلية الحربية (الصايغ، 2011).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
فشلت المحاولة كلياً في الوصول إلى مباني الإذاعة القومية بمدينة أم درمان أو تحقيق أي شكل من أشكال السيطرة على وسائل الإعلام الرسمية. فلم يتمكن الصاغ كبيدة أو أي من رفاقه من إلقاء أي بيان انقلابي أو تسجيل خطابي للأمة السودانية، وظلت الإذاعة القومية تبث برامجها الاعتيادية تحت سيطرة وزارة الاستعلامات والعمل الحكومية، مما حرم الانقلابيين من فرصة إحداث صدمة سياسية أو تعبئة الجماهير (الصايغ، 2011).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
عانت محاولة كبيدة من عزلة سياسية وجماهيرية تامة؛ فلم تكن الحركة مغطاة برعاية حزبية علنية من الأحزاب الرئيسة (الأمة، الاتحادي الديمقراطي، الحزب الشيوعي)، رغم وجود تعاطف فردي مكتوم من بعض التيارات الموالية لحزب الأمة المعترضة على ائتلاف عبد الله خليل مع الختمية. وظلت المحاولة مجرد مبادرة عسكرية ذاتية نابعة من مجتمع الضباط دون سند اجتماعي أو نقابي يُذكر (عثمان، 1998).
العقوبات وإستراتيجية الردع
ألقي القبض على الصاغ عبد الرحمن كبيدة وثمانية من كبار الضباط والضباط المشاركين معه في المراحل النهائية لإحباط المحاولة. قُدم المتهمون إلى محاكمة عسكرية إيجازية وصدرت بحقهم أحكام بالسجن لفترات طويلة والتجريد من الرتب العسكرية والإحالة للتقاعد الإجباري. وظل الصاغ كبيدة قابعاً في السجن حتى أُطلق سراحه عقب اندلاع ثورة أكتوبر 1964 الشعبية التي أسقطت نظام الفريق إبراهيم عبود، أي بعد قضائه نحو سبع سنوات كاملة في المعتقل. ويعكس هذا النمط من العقوبات السجنية دون اللجوء للإعدام طبيعة السلطة المدنية الديمقراطية الأولى التي آثرت اعتماد الردع القضائي التقليدي وعدم سفك الدماء داخل المؤسسة العسكرية (الصايغ، 2011; عثمان، 1998).
دلالة بنيوية: مهدت هذه المحاولة الطريق وكسرت الحجز النفسي لتدخل الجيش في السياسة، مشكلة المدخل العملي للانقلاب الناجح الذي نفذه الفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر 1958، والذي جاء بالتنسيق والمباركة المباشرة من رئيس الوزراء المدني عبد الله خليل لقطع الطريق على الخصوم السياسيين (Woodward, 1990).
الفصل الثاني: محاولة سبتمبر 1959 – حركة الأميرالاي محيي الدين عبد الله والأميرالاي عبد الرحيم شنان
الدوافع البنيوية والسياسية
تندرج محاولة سبتمبر 1959 ضمن فئة “الانقلابات التصحيحية المزدوجة” أو “التمردات الداخلية” داخل البنية القيادية للأنظمة العسكرية الحاكمة. فبعد استيلاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة بقيادة الفريق إبراهيم عبود على السلطة في 17 نوفمبر 1958، ظهرت صراعات أجنحة حادة ومحتدمة داخل كادر الضباط الأحرار وكبار قادة الجيش حول توزيع الحقائب الوزارية، والعضوية في المجلس الأعلى، ومقدار السلطة الممنوحة لكبار الجنرالات. وازدادت حدة التذمر مع شعور عدد من كبار القادة الميدانيين (وعلى رأسهم قادة المناطق العسكرية الإقليمية) باستئثار مجموعة الخرطوم والمقربين من عبود بالقرار السياسي والعسكري وتهميش القوى العسكرية الضاربة في المناطق الإقليمية (Woodward, 1990).
الأهداف الإستراتيجية
لم تستهدف حركة سبتمبر 1959 إطاحة نظام الحكم العسكري أو إعادة النظام الديمقراطي والمدني للسودان، بل تمثلت أهدافها الإستراتيجية المباشرة في إعادة هيكلة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وتعديل موازين القوى داخله عبر فرض ضم قادة المناطق العسكرية (ولا سيما المنطقة الشمالية والمنطقة الشرقية)، وإعادة توزيع المناصب الوزارية، وتطهير القيادة العامة من العناصر العسكرية المتهمة بالفساد أو الانحياز لصالح طوائف سياسية بعينها (موسوعة المعرفة، بدون تاريخ).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد التحرك ضابطان رفيعا المستوى هما: الأميرالاي (العميد) محيي الدين أحمد عبد الله (قائد المنطقة العسكرية الشرقية – القضارف) والأميرالاي عبد الرحيم محمد أحمد شنان (قائد المنطقة العسكرية الشمالية – شندي). جرى التخطيط للحركة عبر تحريك وحدات وقوات عسكرية ضاربة من شندي والقضارف باتجاه الخرطوم في حراك قتالي استهدف محاصرة القيادة العامة والقصر الجمهوري وفرض شروط القيادة الإقليمية على الفريق عبود. نجحت القوات القادمة من الشمال والشرق في دخول العاصمة والتمركز في نقاط حيوية، غير أن الاستخبارات العسكرية والمجموعة الموالية لعبود تمكنت من امتصاص الصدمة الأولى عبر الدخول في مفاوضات ومناورات سياسية وعسكرية مع شنان ومحيي الدين، متزامنة مع تحريك القوات الموالية للنظام واعتقال الخلية التنفيذية للحركة وتفكيك القوات القادمة من الأقاليم قبل صدور أوامر الاقتحام النهائي (Woodward, 1990).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
لم تسع القوات المتمردة أو تنجح في فرض سيطرة ميدانية كاملة ومستمرة على مبنى الإذاعة القومية في أم درمان. فقد حال التردد القيادي للمجلس العسكري القائم والتفاوض المباشر بين عبود وقادة الحركة دون إلقاء أي بيان انقلابي مستقل عبر الأثير، وظل الإعلام الرسمي يُدار بواسطة الأجهزة الأمنية الموالية لرئاسة الأركان، والتي بث برامجها المعتادة دون إشارات إلى حركة القوات (موسوعة المعرفة، بدون تاريخ).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
اتسمت الحركة بغياب تام للحاضنة السياسية الحزبية أو الشعبية. ورغم وجود تعاطف مضمر من بعض القوى الاتحادية والأنصارية مع الضباط المتمردين نكاية بنظام عبود، إلا أن التحرك ظل مناورة صريحة داخل ممر السلطة العسكرية مغلقة القوة بين الأجنحة المتصارعة داخل المؤسسة العسكرية ذاتها دون أي امتداد نقابي أو جماهيري (Woodward, 1990).
العقوبات وإستراتيجية الردع
انتهت المحاولة باعتقال الأميرالاي محيي الدين عبد الله والأميرالاي عبد الرحيم شنان وتجريدهما من الرتب العسكرية، إضافة إلى إجراء محاكمات عسكرية طالت عدداً كبيراً من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار والضباط الميدانيين المشاركين في تحريك القوات. وشملت قائمة المحكومين بالسجن والإبعاد والإحالة للصالح العام كلاً من: البكباشي عبد الحفيظ شنان، والبكباشي محمد علي السيد، والبكباشي حسن إدريس، والصاغ أحمد محمد أحمد أبو الدهب، واليوزباشي بشير محمد علي، واليوزباشي عبد الحليم محمد خير شنان، واليوزباشي عبد الله الطاهر بكر، واليوزباشي عبد البديع علي كرار، واليوزباشي الطيار الصادق محمد سعيد عباس (موسوعة المعرفة، بدون تاريخ). أدت هذه العقوبات والسجون إلى إعادة هندسة صريحة للهرم القيادي داخل الجيش السوداني لصالح ولاءات الفريق عبود المطلقة.
الفصل الثالث: محاولة 9 نوفمبر 1959 – انقلاب البكباشي علي حامد وأول إعدامات عسكرية في تاريخ السودان المستقل
الدوافع البنيوية والسياسية
تُمثل محاولة 9 نوفمبر 1959 نقطة تحول مفصلية في تاريخ الانقلابات العسكرية السودانية؛ إذ لم تكن مجرد تمرد تصحيحي أو مناورة تنظيمية، بل أول محاولة انقلابية شاملة ومكتملة الأركان تستهدف الإطاحة الجذرية بنظام الفريق إبراهيم عبود العسكري وإعادة هيكلة السلطة السياسية في البلاد. وتعود الدوافع الأساسية للحركة إلى حالة الغضب والتذمر المتصاعد داخل كادر الضباط الأحرار والضباط الشباب جراء القمع الشديد للأنشطة السياسية والنقابية، وعسكرة مؤسسات الخدمة المدنية، والتردي المتزايد في ملف الأزمة الاقتصادية، والتهميش الواسع الذي لحق بالضباط المشاركين في انقلاب 1958 والذين جرى تجريدهم من نفوذهم لصالح الدائرة الأمنية والعسكرية المضيقة المحيطة بعبود (صالح، 2013).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف الإستراتيجية للمحاولة في الإطاحة التامة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية تضم ممثلين عن الأحزاب السياسية الوطنية والتنظيمات النقابية، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية وفق أسس القومية والمهنية. كما هدفت الحركة إلى إعادة فتح ملفات الفساد وتشكيل محاكم قومية للمتسببين في تسليم السلطة للجيش في عام 1958 (صالح، 2013).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة البكباشي (المقدم) علي حامد، وهو ضابط ذو كفاءة ميدانية عالية وتنظيم صارم، وضمت قيادة الحركة عدداً من الضباط البارزين من ذوي الميول السياسية المختلفة: الصاغ عبد البديع علي كرار، واليوزباشي (النقيب) صادق محمد حسن، والبكباشي يعقوب كبيدة، والصاغ عبد الرحمن كبيدة (قائد محاولة 1957)، واليوزباشي عبد الحميد عبد الماجد، واليوزباشي محمد محجوب عثمان (شقيق الأمين العام للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب)، وعبد المنعم محمد عثمان، واليوزباشي عبد الله الطاهر بكر، واليوزباشي بشير محمد علي، والملازم أول محمد جبارة (صالح، 2013; الصايغ، 2013). اعتمد التخطيط العملياتي على خطة محكمة تتضمن اقتحام مقر القيادة العامة وسلاح المدرعات والقصر الجمهوري بالتزامن مع التحرك للسيطرة على مبنى الإذاعة في أم درمان واعتقال عبود وقادة المجلس الأعلى. غير أن خطة الحركة أُحبطت وسُحقت قبل ساعات معدودة من ساعة الصفر؛ نتيجة تسرب تفاصيلها عبر تقارير أمنية واختراق استخباراتي لبعض الأفراد المكلفين بمهام التحريك الميداني. وألقت أجهزة أمن النظام القبض على علي حامد وجميع أعضاء الخلية القيادية والضباط المشاركين قبل خروج الآلية العسكرية الأولى من ثكناتها (صالح، 2013).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
أدى الإحباط الاستباقي الميداني للحركة إلى الحيلولة دون وصول أي قوة عسكرية موالية للبكباشي علي حامد إلى مبنى الإذاعة القومية بمدينة أم درمان. ونتيجة لذلك، لم يُبث أي بيان انقلابي، وظلت وسائل الإعلام الرسمية تعمل تحت الخضوع التام والتغطية المستمرة من نظام عبود الذي استغل الأثير لاحقاً لإعلان تفاصيل محاكمة الانقلابيين ووصفهم بـ “المخربين” (Hashem al-Atta, 1971).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
شهدت محاولة علي حامد نشوء أول تحالف عسكري-مدني عابر للأيديولوجيا ضد النظام العسكري؛ إذ جرى التنسيق بين الخلية العسكرية وبعض الفاعلين المدنيين البارزين، وعلى رأسهم الرشيد الطاهر بكر، القيادي البارز في تنظيم الإخوان المسلمين آنذاك، إلى جانب تواصل غير رسمي مع عناصر محسوبة على الحزب الشيوعي عبر اليوزباشي محمد محجوب عثمان. ورغم هذا التنوع والتنسيق، إلا أن الحركة لم تتحول إلى حراك جماهيري شارعي نظراً لطبيعتها السرية وانكشافها القبل-تنفيذي (صالح، 2013; الصايغ، 2013).
العقوبات وإستراتيجية الردع
اتخذ الفريق إبراهيم عبود ومجلسه العسكري من هذه المحاولة فرصة لتأسيس أقصى درجات الردع الدموي داخل الجيش سوداني؛ حيث أُحيل المتهمون إلى محكمة عسكرية استثنائية استمرت جلساتها لـ 41 يوماً متواصلة (وهي أطول محاكمة عسكرية لانقلاب في تاريخ البلاد حتى ذلك الحين). وأصدرت المحكمة العسكرية أحكاماً بالإعدام رمياً بالرصاص نُفذت بالفعل بحق كل من:
- البكباشي علي حامد (قائد المحاولة).
- اليوزباشي عبد الحميد عبد الماجد.
- البكباشي يعقوب كبيدة.
- الصاغ عبد البديع علي كرار.
- الصاغ عبد الرحمن كبيدة. ت
ُمثل هذه الإعدامات أول عمليات إعدام عسكرية تُنفذ في تاريخ السودان المستقل لضباط حاولوا تنفيذ انقلاب عسكري (Wikipedia, 2025). كما حُكم على الملازم أول محمد جبارة بالسجن لمدة 14 عاماً، وحُكم على السياسي المدني الرشيد الطاهر بكر بالسجن لمدة 5 سنوات نظراً لدوره السياسي والتنسيقي. وأُطلق سراح الرشيد الطاهر بكر في عام 1963، ليشارك بفعالية في ثورة أكتوبر 1964 الشعبية ويتولى لاحقاً مناصب سياسية رفيعة كوزير للعدل ونائب لرئيس الجمهورية ورئيس للوزراء في عهد جعفر نميري (Wikipedia, n.d.).
الفصل الرابع: انقلاب هاشم العطا 19 يوليو 1971 – الانقلاب الذي نجح ليومين ثم انهار في “محاكمة الشجرة”
الدوافع البنيوية والسياسية
يُشكل انقلاب 19 يوليو 1971 المحاولة الانقلابية الأشد تعقيداً وأثراً أيديولوجياً وعسكرياً في تاريخ الشرق الأوسط وأفريقيا الحديث. وتعود جذور الدوافع البنيوية للانقلاب إلى الانقسام الأيديولوجي الحاد الذي ضرب النظام العسكري لجعفر نميري عقب انقلاب 25 مايو 1969 (والذي نفذه تنظيم الضباط الأحرار بتحالف مع الحزب الشيوعي السوداني والقوميين العرب) (سرور، 2012). فمع حلول عام 1970، بدأ نميري في الانحراف عن المظلة الاشتراكية، وأجرى عمليات إبعاد منهجية وعزل للضباط الماركسيين من مجلس قيادة الثورة والجيش في 16 نوفمبر 1970، بالتزامن مع توجيه ضربات أمنية وإغلاق المقرات التابعة للحزب الشيوعي السوداني واعتقال أمينه العام عبد الخالق محجوب. دفع هذا الواقع جناح الضباط الشيوعيين للتحرك العسكري العاجل لـ “استرداد مسار ثورة مايو” وإقامة نظام ماركسي صريح (الرفاعي، 2018; Woodward, 1990).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت أهداف الانقلاب في الإطاحة التامة بنظام جعفر نميري، وحل مجلس قيادة الثورة، وتأسيس “مجلس ثوري قيادي” جديد يتكون من قادة الحركة الماركسيين، مع إعلان دولة ديمقراطية شعبية ذات توجهات ماركسية-لينينية صريحة، ورفع الحظر فوراً عن الحزب الشيوعي السوداني والاتحادات العمالية والنقابية الموالية له، قطع العلاقات مع الأنظمة العربية المحافظة، وإبرام تحالف إستراتيجي وعسكري وثيق مع الاتحاد السوفيتي بدول الكتلة الاشتراكية (Hashem al-Atta, 1971; Woodward, 1990).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد الحركة الرائد هاشم العطا (عضو مجلس قيادة ثورة مايو المُقال)، وبمعاونة الملازم أول أحمد الحردلو، وبالتنسيق مع كبار الضباط الشيوعيين المُبعدين: المقدم بابكر النور سوار الذهب (الذي اختير رئيساً للمجلس الثوري الجديد وكان متواجداً في لندن للعلاج) والرائد فاروق عثمان حمد الله. اعتمد التخطيط العملياتي على عنصر المباغتة التامة والاستغلال الذكي لساعة القيلولة الصيفية في نهار يوم الحر 19 يوليو 1971. تحركت الدبابات والمدرعات الموالية للعطا من معسكر الشجرة جنوب الخرطوم، وتمكنت في عملية خاطفة ومتقنة من محاصرة واقتحام القصر الجمهوري، واعتقال الرئيس جعفر نميري وعدد من الضباط والوزراء، والسيطرة التامة على القيادة العامة للقوات المسلحة، ومقرات سلاح المظلات والأسلحة الرئيسية في العاصمة المثلثة خلال ساعات معدودة (سرور، 2012; Hashem al-Atta, 1971). غرفة
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
حققت حركة هاشم العطا نجاحاً مطلقاً وسيطرة ميدانية كاملة على مباني الإذاعة القومية والتلفزيون بمدينة أم درمان لقرابة ثلاثة أيام بلياليها (من ظهر الاثنين 19 يوليو حتى ظهر الخميس 22 يوليو 1971). وبث هاشم العطا عبر الإذاعة القومية بيانه الانقلابي الأول، متلوّاً بالمرسومات الثورية وإعلان تشكيل المجلس الثوري الجديد ورفع الحظر عن الحزب الشيوعي والمنظمات الديمقراطية. وغطت وسائل الإعلام الدولية والعالمية (مثل صحيفة نيويورك تايمز ووكالة رويترز وإذاعة بي بي سي) نبأ “تأسيس أول نظام حكم ماركسي شيوعي في أفريقيا والعالم العربي” (New York Times, 1971).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
حازت المحاولة على أوسع حاضنة سياسية ونقابية شهدها انقلاب عسكري في تاريخ البلاد؛ إذ أعلن الحزب الشيوعي السوداني تأييده المطلق للانقلاب، وخرجت مظاهرات هادرة ومسيرات شعبية منظمة من اتحاد العمال والاتحادات الطلابية في شوارع الخرطوم تأييداً لـ “ثورة 19 يوليو”. غير أن هذا التأييد الجماهيري عاناه استقطاب مضاد حاد من القوى الدينية والطريقة الصوفية والأنصار والإسلاميين والقوميين العرب الذين رأوا في الانقلاب تهديداً للهوية المباشرة للبلاد (El-Affendi, 1991).
أسباب الانهيار والتحول المضاد
رغم النجاح العملياتي والتكتيكي الأولي، عانت خطة هاشم العطا من ثغرات قاتلة وإخفاقات إستراتيجية جسيمة:
- الفشل في تأمين كامل القواعد العسكرية الإقليمية (ولا سيما المنطقة العسكرية ببراكوت الموالية لنميري والمنطقة العسكرية بكسلا والشجرة).
- عدم تعطيل أو إغلاق الأجواء والمطارات السودانية لمنع أي تدخُّلات خارجية.
- التقليل الجسيم من أوراق القوة والمناورة المتاحة للرئيس القومي المعتقل جعفر نميري داخل القصر.
شهد اليوم الثالث للانقلاب (22 يوليو 1971) تحولاً إستراتيجياً جيو-سياسياً دراماتيكياً ومأساوياً؛ حيث اعترضت الطائرات الحربية الليبية بكتائب معمر القذافي طائرة الخطوط الجوية البريطانية التي كانت تنقل رئيس المجلس الثوري الجديد المقدم بابكر النور ورفيقه الرائد فاروق حمد الله من لندن إلى الخرطوم، وأجبرتها على الهبوط في بنغازي واحتجزتهما (U.S. Department of State, 1976). في الوقت نفسه، نسقت القوات المصرية برئاسة أنور السادات ونقلت القوات السودانية المتواجدة في جبهة القناة (منطقة مِريد) جوياً إلى الخرطوم لشن هجوم مضاد. وبمساعدة استخباراتية ولوجستية ومالية شاملة من رجل الأعمال السوداني خليل عثمان وإدارة شركة “لونرو” البريطانية، شن الضباط الموالون لنميري بسلاح المدرعات بالخرطوم هجوماً قسرياً مضاداً على القصر الجمهوري والإذاعة. ونجح نميري في القفز من سور القصر والتواصل مع قوات المدرعات، لتنقلب الآية كلياً ويُعتقل العطا ورفاقه وتستعاد السلطة لصالح نميري وسط معارك دموية شملت وقوع مجزرة قصر الضيافة التي أودت بحياة عشرات الضباط المعتقلين (New York Times, 1971; U.S. Department of State, 1976).
شن جعفر نميري عقب استعادته للسلطة أكبر وأعنف حملة تصفية دموية وانتقامية في تاريخ المؤسسة العسكرية والسياسية السودانية؛ حيث أُقيمت محاكم عسكرية صورية وعاجلة في معسكر الشجرة جنوب الخرطوم ترأسها نميري بنفسه ورجاله العسكريون، وعُرفت تاريخياً بـ “محاكمة الشجرة”. وقضت المحكمة بـ تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص والشنق بحق قادة الحركة والانضباط العسكري والسياسي:
الضباط: الرائد هاشم العطا، المقدم بابكر النور، الرائد فاروق حمد الله، المقدم عثمان الحاج حسين “أبو شيبة”، الرائد محجوب إبراهيم “أبو القاسم”، الرائد فاروق عثمان، والملازم أول أحمد الحردلو، ونحو عشرة ضباط آخرين.
المدنيون والقيادات السياسية: جرى إعدام الأمين العام للحزب الشيوعي عبد الخالق محجوب (شنقاً بسجن كوبر بعد محاكمة إيجازية)، والقيادي النقابي البارز ورئيس الاتحاد العالمي للنقابات الشفيع أحمد الشيخ (شنقاً)، والوزير القيادي الجنوبي جوزيف قرنق (شنقاً) (Wikipedia, n.d.). دمرت هذه الإعدامات الجماعية والتصفية الميدانية البنية القتالية والتنظيمية للحزب الشيوعي السوداني نهائياً، ودعت نميري للتحول الحاد نحو اليسار القومي الموالية لمصر، وإصدار قرارات بحل النقابات، وإعادة هندسة السلطة العسكرية في نظام الحزب الواحد (الإتحاد الاشتراكي السوداني) (Woodward, 1990).
الفصل الخامس: محاولة حسن حسين سبتمبر 1975 – التمرد الذي أُخمد بالإعدام دون زخم سياسي
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت هذه المحاولة الانقلابية في 5 سبتمبر 1975، في ظل تصاعد مشاعر الغضب والاحتجاج داخل الثكنات العسكرية جراء النهج السلطوي والفردي لجعفر نميري، والتذمر المتزايد من التغول الواسع لـ “جهاز أمن الدولة” الذي أسسه نميري لرقابة الضباط والمدنيين، إضافة إلى تفاقم الأزمات المعيشية والاقتصادية وتصاعد الاحتقان السياسي الناجم عن فرض نظام الحزب الواحد الشمولي (الإذاعة القومية، 1975).
الأهداف الإستراتيجية
تمثلت أهداف المحاولة في الإطاحة بنظام جعفر نميري، وتفكيك جهاز أمن الدولة، وحل الاتحاد الاشتراكي السوداني، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي يُعيد إشراك القوى الوطنية في إدارة البلاد، ويفتح ملفات الفساد والتدهور الاقتصادي (Woodward, 1990).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة الضابط الشاب الملازم أول (أو الرائد بحسب بعض المصادر) حسن حسين عثمان، بالتنسيق مع عدد من ضباط الصف والضباط الميدانيين بسلاح الخدمات الطبية وبعض وحدات المشاة. اعتمد التخطيط على تحريك قوات محدودة لاقتحام المقرات الأمنية والعسكرية الحساسة في الخرطوم واستغلال عنصر المفاجأة. غير أن الخطة افتقرت إلى التنسيق العملياتي الواسع مع أسلحة المناورة الرئيسية (المدرعات، المظلات، الطيران)، كما افتقرت إلى التأمين الاستخباراتي الكافي؛ إذ أُبلغت قيادة أمن النظام بالتحركات فور بدء الخروج الميداني، فتصدت وحدات الحرس الجمهوري والمدرعات الموالية لنميري للقوة المهاجمة وسحقتها في مواجهة عسكرية خاطفة لم تستغرق سوى ساعات معدودة (Woodward, 1990).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
نجح الملازم أول حسن حسين ومجموعته المهاجمة في التسلل والدخول إلى مبنى الإذاعة القومية بمدينة أم درمان بضع دقائق، وقام بـ تسجيل بيان انقلابي بصوته يُعلن فيه الإطاحة بنظام نميري وتشكيل “قوات النهضة الوطنية”. غير أن القوات الحكومية الموالية لنميري حاصرت مبنى الإذاعة فوراً وقطعت التيار الكهربائي وخطوط البث قبل إذاعة البيان كاملاً أو استقرار البث، ثم اقتحمت الاستديوهات واعتقلت حسن حسين ومجموعته، وبذلك أُجهضت المحاولة سيميائياً وإعلامياً قبل أن تصل إلى أسماع الجماهير السودانية (Woodward, 1990).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
اتسمت محاولة حسن حسين بعزلة سياسية شاملة؛ إذ لم يُسجل أي موقف تأييد أو تبنٍّ من أي من الأحزاب السياسية الرئيسة (سواء اليسارية أو اليمينية أو الطائفية). وعُدت المحاولة نموذجاً صريحاً لـ “التمرد الاحتجاجي الفردي” داخل المؤسسة العسكرية دون مظلة تنظيميّة أو مشروع سياسي متماسك (Woodward, 1990).
العقوبات وإستراتيجية الردع
قُدم حسن حسين ومجموعته إلى محكمة عسكرية استثنائية عاجلة أصدرت أحكاماً بـ الإعدام رمياً بالرصاص بحق حسن حسين ونحو تسعة من الضباط وضباط الصف المشاركين معه، إضافة إلى أحكام بالسجن الطويل على عدد آخر. وسارع نظام نميري إلى تنفيذ أحكام الإعدام لفرض حالة من الردع الحاسم داخل الجيش ومنع تكرار التحركات الاحتجاجية المماثلة (Woodward, 1990).
الفصل السادس: “غزوة يوليو” 1976 – محاولة الجبهة الوطنية وتدخل “المرتزقة” عبر الحدود الليبية
الدوافع البنيوية والسياسية
تُمثل محاولة 2 يوليو 1976 (التي عُرفت رسمياً في إعلام النظام بـ “غزوة المرتزقة” وتسميها المعارضة “انتفاضة يوليو العسكرية”) أضخم عمليات العمل العسكري-المدني العابر للحدود المستهدفة لإسقاط نظام جعفر نميري. وتعود جذور التحرك إلى تكون “الجبهة الوطنية المعارضة” عام 1972 في الخارج، والتي جمعت الأحزاب التقليدية والإسلامية المقيدة والمهجرة (حزب الأمة برئاسة الصادق المهدي، الحزب الاتحادي الديمقراطي برئاسة الشريف حسين الهندي، وتنظيم الإخوان المسلمين/جبهة الميثاق الإسلامي برئاسة حسن الترابي) (El-Affendi, 1991; إبراهيم، 2024). جاءت المحاولة كرد فعل حاسم على انسداد أفق الحل السياسي، واستشراء القمع الأمني، والتحول الأحادي لنميري نحو حكم الفرد مطلق السلطة.
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف الإستراتيجية للجبهة الوطنية في الإطاحة التامة بنظام نميري، وتفكيك الاتحاد الاشتراكي وأجهزة الأمن، وإعادة الديمقراطية التعددية، وتشكيل حكومة انتقالية وطنية تُعبر عن القوى السياسية الأساسية، وتلغي كافة القوانين المقيدة للحريات (GlobalSecurity.org, n.d.).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد التحرك الميداني والعسكري العميد المتقاعد محمد نور سعد (ضابط كفء من مشود الجيش السوداني)، بالتنسيق المباشر مع الصادق المهدي والشريف حسين الهندي وحسن الترابي، وبدعم لوجستي وعسكري ومالي غير محدود من النظام الليبي برئاسة معمر القذافي. اعتمد التخطيط العملياتي على إعداد وتدريب آلاف المقاتلين المدنيين وأبناء القبائل السودانية الموالين للأنصار والإسلاميين في معسكرات خاصة داخل الأراضي الليبية (معسكرات الكفرة ومطبية). جرى تسريب وتحريك هذه القوات المسلحة بأسلحة خفيفة وثقيلة عبر الصحراء الغربية الشاسعة في دارفور وشمال كردفان نحو العاصمة الخرطوم في رحلة سير صحراوية معقدة وطويلة دون أن تكتشفها أجهزة أمن نميري. وفي فجر يوم الجمعة 2 يوليو 1976، اقتحمت القوات المهاجمة (التي قُدر عددها بنحو 1500 إلى 2000 مقاتل) العاصمة الخرطوم من محاور متعددة، وتمكنت في عملية مباغتة من الاحتلال الميداني لمقرات رئيسية: مطار الخرطوم الدولي (حيث جرى تدمير الطائرات الحربية والمدنية على الممشى)، القيادة العامة للقوات المسلحة، القصر الجمهوري، ومقر مبنى الإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان، وخاضت حرب شوارع دموية وعنيفة ضد القوات الحكومية الموالية لنميري استمرت لثلاثة أيام متواصلة (GlobalSecurity.org, n.d.; U.S. Department of State, 1976).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
سيطرت قوات العميد محمد نور سعد ميدانياً على المبنى الخارجي للإذاعة والتلفزيون بمدينة أم درمان، غير أنها فشلت تشغيليا وتكنولوجيا في بث البيان الانقلابي؛ إذ قَطع المهندسون والموظفون الموالون للنظام المولدات والوصلات الفنية الرئيسية وهرّبوا المكونات التشغيلية الحساسة قبل سيطرة المهاجمين. ونظراً لعدم وجود فنيين متخصصين برفقة القوات المهاجمة، استعادت القوات الحكومية مقيداً مركز البث وبثت بياناً بصوت نميري يؤكد السيطرة على الموقف ويدعو المواطنين لملاحقة المهاجمين ووصفهم بـ “المرتزقة الأجانب” (U.S. Department of State, 1976; إبراهيم، 2024).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
مثلت حركة 1976 أوسع تحالف وسياسي مدني مسلح في تاريخ البلاد؛ إذ حظيت بغطاء وسياسي كامل من قواعد حزب الأمة (الأنصار) والإخوان المسلمين والاتحاديين. غير أن التعبئة الشارعية الداعمة داخل الخرطوم أخفقت في التحرك الميداني الفوري نتيجة قطع الاتصالات وشراسة المواجهات العسكرية في شوارع العاصمة، إضافة إلى نجاح الإعلام الحكومي في وسَم الحركة بالطابع الخارجي والدعم الأجنبي (El-Affendi, 1991).
العقوبات وإستراتيجية الردع والمفارقة السياسية
أشرف جعفر نميري بنفسه على عملية قمع الحركة وتمشيط العاصمة؛ وأسفرت المواجهات وعمليات التصفية الميدانية عن مقتل ما يتجاوز 700 إلى 1000 شخص من المقاتلين والمدنيين والعسكريين (U.S. Department of State, 1976). وقُدم القائد الميداني العميد محمد نور سعد وعشرات من الضباط والمقاتلين إلى محاكم عسكرية استثنائية أصدرت أحكاماً بـ الإعدام رمياً بالرصاص نُفذت فوراً في حزام إعدامات واسع.
المفارقة السياسية الكبرى: رغم الفشل العسكري والدموية الشديدة التي انتهت بها حركة 1976، إلا أنها أثبتت لجعفر نميري أن المعارضة المسلحة قادرة على تهديد عرشه في قلب الخرطوم. أدى هذا الإدراك إلى تحول إستراتيجي تاريخي أثمر عن “المصالحة الوطنية” عام 1977؛ حيث عاد الصادق المهدي وحسن الترابي من المنفى وشاركا في سلطة نميري، وتولى الترابي منصب النائب العام ووزير العدل، وهو ما مكن الحركة الإسلامية السودانية من التغلغل داخل أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية تمهيداً لانقلابهم الناجح عام 1989 (El-Affendi, 1991; Woodward, 1990).
الفصل السابع: انقلاب 28 رمضان 1990 – محاولة الكدرو والإعدامات الجماعية المعروفة بـ “مذبحة رمضان”
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت هذه المحاولة الانقلابية في 28 رمضان 1410هـ (الموافق 24 أبريل 1990)، بعد أقل من عشرة أشهر فقط من استيلاء الجبهة القومية الإسلامية برئاسة حسن الترابي والعميد عمر حسن أحمد البشير على السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989 (El-Tigani, 2003). وتعود الدوافع العميقة للتحرك إلى التذمر العارم داخل القطاعات المهنية والقومية بالجيش السوداني نتاج الأخونة السريعة والصارخة لمؤسسات القوات المسلحة، وإحالة مئات الضباط المؤهلين للصالح العام، وتأسيس ميليشيات حرس موازية (“الدفاع الشعبي”)، وتوظيف الخطاب الديني في تعميق حرب الجنوب، وإلغاء المؤسسات الديمقراطية والنقابية (El-Tigani, 2003; الصايغ، 2021).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف الإستراتيجية للمحاولة في الإطاحة التامة بـ “مجلس قيادة ثورة الإنقاذ الوطني” برئاسة عمر البشير، وتفكيك الجبهة القومية الإسلامية وميليشياتها المسلحة، وإعادة الضباط التعسفيين للمناصب، وتشكيل مجلس عسكري انتقالي قومي يلتزم بتسليم السلطة لحكومة مدنية مُنتخبة، وإبرام اتفاق سلام عادل لإيقاف الحرب الأهلية في الجنوب (El-Tigani, 2003).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة العسكرية ضابطان رفيعا المستوى هما: اللواء الركن عبد القادر الكدرو (قائد الحركة) واللواء الركن محمد عثمان، بمشاركة عدد من أبرز قادة الجيش: الفتيح، الطيار محمد عاصم، العقيد محمد أحمد قاسم، والطيار كرار. اعتمد التخطيط العملياتي على تشكيل خلية سرية موسعة تضم ضباطاً في مواقع إستراتيجية بسلاح مدرعات الشجرة، القاعدة الجوية بالخرطوم، سلاح المهندسين، والمنطقة العسكرية بأم درمان. وكان المخطط ينص على السيطرة المتزامنة على القيادة العامة ومقر الرئاسة والإذاعة واعتقال البشير وأعضاء مجسلسه في ليلة 28 رمضان. غير أن الخطة تعرضت لـ اختراق أمني استخباراتي قاتل قبيل تنفيذها بساعات معدودة؛ حيث قام أحد ضباط الصف أو الجنود المشاركين (والذي أُطلق عليه لاحقاً وصف “الشاهد الملك”) بنقل تفاصيل الخطة وساعة الصفر إلى جهاز أمن الإنقاذ وبكري حسن صالح. وأدى ذلك إلى صدور أوامر استباقية باعتراض القادة والانقلابيين فور وصولهم لمواقع التجمع واعتقالهم فردياً قبل تحريك الكتائب العسكرية (الصايغ، 2008; الصايغ، 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
فشلت حركة رمضان كلياً في الوصول إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون بمدينة أم درمان أو تحقيق أي شكل من أشكال البث الإعلامي. وظلت الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون تبث التلاوات القرآنية والبرامج الرمضانية الاعتيادية تحت الخضوع التام للإنقاذ، قبل أن يقطع البشير البث صبيحة اليوم التالي لإعلان إحباط “مؤامرة خائنة” والتنديد بالضباط المشاركين (الصايغ، 2008).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
ظلت الحركة محاطة بالتكتم والسرية العسكرية؛ فلم تخرج أي مسيرات أو بيانات تأييد من الأحزاب المدنية التابعة لـ “تجمع القوى الوطنية” آنذاك نظراً للسرعة الفائقة التي حُسمت بها المحاولة أمنياً وسعة البطش والاعتقال الميداني التي فرضتها السلطة في العاصمة (El-Tigani, 2003).
العقوبات وإستراتيجية الردع (“مذبحة رمضان”)
نفذ نظام عمر البشير والجبهة القومية الإسلامية أسرع وأبشع عمليات تصفية دموية وإعدامات جماعية خارج نطاق القضاء والعرف العسكري في تاريخ القوات المسلحة السودانية؛ إذ أُقيمت محكمة عسكرية صورية ومستعجلة لم تتجاوز مدتها ساعتين فقط، حرمت الضباط من أي حق في الدفاع أو الاستئناف. وصدرت أوامر فاعلة بـ إعدام 28 ضابطاً سامياً وميدانياً رمياً بالرصاص في سحر ليلة 28 رمضان، ودفنهم في مقابر جماعية مجهولة في صحراء المويلح بـ أم درمان دون إخطار ذويهم أو تسليم جثامينهم حتى اليوم (El-Tigani, 2003; الصايغ، 2017).
كما شهدت العملية حالات قتل وتصفية بدم بارد؛ حيث وثقت شهادات تاريخية قيام العقيد محمد الأمين خليفة بطعن العقيد الطيار كرار بـ “السونكي” حتى الموت داخل المعتقل (الصايغ، 2008). ورمت هذه الإعدامات الدموية إلى غرس الردع الخالص وإرهاب أي كادر عسكري يفكر في مساس سلطة الإنقاذ.
الفصل الثامن: محاولة حزب البعث مارس 1992 – انقلاب العقيد أحمد خالد ونهاية عصر الإعدامات الانقلابية
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت هذه المحاولة الانقلابية في مارس 1992، في سياق العزلة الدولية والإقليمية الخانقة التي فرضت على نظام البشير عقب تأييده لغزو صدام حسين للكويت عام 1990، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتصاعد حدة القمع السياسي والأمني الحاد ومطاردة الكوادر الوطنية (BBC Pidgin, 2021). جاءت المحاولة كاستجابة من جناح الضباط البعثيين والقوميين العرب لمواجهة الهيمنة الأحادية للجبهة القومية الإسلامية على أجهزة الدولة والمؤسسة العسكرية.
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف في الإطاحة بنظام البشير والترابي، وإلغاء قوانين سبتمبر وحالة الطوارئ، وتأسيس سلطة انتقالية ذات توجهات قومية عربية ووطنية، وإعادة بناء العلاقات الإقليمية للسودان مع الدول العربية والمحيط الأفريقي (BBC Pidgin, 2021).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة العقيد أحمد خالد، بالتنسيق مع تنظيم الضباط البعثيين داخل الجيش وبعض القيادات المدنية بحزب البعث العربي الاشتراكي (جناح بغداد). اعتمد التخطيط العملياتي على تحريك وحدات عسكرية صفية في الخرطوم والسيطرة على مقرات حيوية. غير أن الخطة كُشفت في مراحلها التنظيمية الأخيرة بواسطة جهاز الأمن والاستخبارات العسكرية عبر اختراق الاستطلاع الداخلي لخلية التخطيط، مما أدى إلى اعتقال العقيد أحمد خالد وكافة الضباط والمدنيين المتورطين قبل بدء التحرك الميداني أو استخراج الأسلحة من المستودعات (BBC Pidgin, 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
أدى الإحباط المباشر والقبل-تنفيذي للحركة إلى منع الانقلابيين كلياً من الاقتراب من الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان، وبذلك لم يُذاع أي بيان انقلابي، وحافظ النظام على احتكاره التام للأثير (BBC Pidgin, 2021).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
حظيت الحركة برعاية وتنظيم مباشر من حزب البعث العربي الاشتراكي في السودان. غير أن الحجم الجماهيري والعددي القليل للتنظيم مقارنة بالأحزاب الكبرى (كالأنصار والختمية والحركة الإسلامية) حد من قدرته على حشد التعبئة الشارعية أو دعم الحركة بمسيرات مدنية (BBC Pidgin, 2021).
العقوبات وإستراتيجية الردع (نقطة التحول القضائي)
شكلت طريقة التعامل مع محاولة مارس 1992 نقطة تحول تاريخية في سيكولوجية وإستراتيجية العقوبات لنظام البشير؛ إذ امتنع النظام عن إصدار أو تنفيذ أحكام الإعدام بحق العقيد أحمد خالد ورفاقه، واكتفى بـ محاكمتهم عسكرياً وإصدار أحكام بالسجن لفترات تراوحت بين 10 و20 عاماً، والتجريد من الرتب العسكرية والإحالة للتقاعد (El-Tigani, 2003). وتعود أسباب هذا التحول إلى الضغوط الدولية والإقليمية الخانقة الصادرة عقب “مذبحة رمضان 1990″، ورغبة البشير والترابي في تجنب إراقة المزيد من دماء الضباط لعدم إشعال ثأر دائم داخل المؤسسة العسكرية، وبذلك تحول نمط إدارة الانقلابات لدى الإنقاذ من “التصفية الدموية” إلى “العقاب القضائي والسجني” (El-Tigani, 2003).
الفصل التاسع: محاولتا 2004 – خلاف الترابي والبشير ينتقل من الثكنات إلى ساحة القضاء السياسي
الدوافع البنيوية والسياسية
شهد عام 2004 وقوع محاولتين انقلابيتين متتابعتين (الأولى في مارس 2004 والثانية في سبتمبر 2004)، في أعقاب المفاصلة الشهيرة التي زلزلت أحشاء الحركة الإسلامية السودانية عام 1999 بين رئيس الجمهورية عمر البشير والأمين العام للمؤتمر الوطني حسن الترابي (El-Affendi, 1991). أدت المفاصلة إلى انشقاق الترابي وتأسيسه لـ “حزب المؤتمر الشعبي” وانتقاله إلى معسكر المعارضة الشرسة للبشير. وتلخصت دوافع المحاولتين في سعي جناح الترابي لاسترداد “الشرعية الإسلامية للمشروع” وإطاحة البشير وعزله عبر توظيف الخناجر والعناصر العسكرية الموالية للشعبي داخل القوات المسلحة وأجهزة الأمن (TRT Arabic, بدون تاريخ).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف في الإطاحة بعمر البشير ونائبه علي عثمان محمد طه، وحل مجلس الوزراء والبرلمان، وتشكيل حكومة انتقالية تحت إشراف حسن الترابي والمؤتمر الشعبي، وإعادة ترتيب بيت الحركة الإسلامية وتغيير إستراتيجية إدارة ملف دارفور والحرب في الجنوب (TRT Arabic, بدون تاريخ).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولتين ضباط من الرتب المتوسطة والصفية الموالين لحزب المؤتمر الشعبي، بالتنسيق مع قيادات التنظيم العسكري الخفي للحزب (وعلى رأسهم الحاج أدم يوسف والشيخ محمد الحسن الأمين). اعتمد التخطيط على تخزين كميات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة في أحياء العاصمة الخرطوم، والتحضير لاغتيال أو اعتقال البشير وقيادات نظامه أثناء مرور موكبه. غير أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للبشير (بقيادة صلاح قوش) كانت قد أعدت شبكة رقابة تقنية واستخباراتية صارمة على كادر المؤتمر الشعبي؛ فتمكنت من رصد وتحديد مخازن الأسلحة واعتقال خلايا التنفيذ في مارس 2004 ثم إحباط المحاولة الثانية المكملة في سبتمبر 2004 قبل ساعات من ساعة الصفر (International Center for Transitional Justice, 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
لم تتمكن الخلايا المنفذة في كلا المحاولتين من الاقتراب من مباني الإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان، واقتصر الإعلام على إلقاء رئيس جهاز الأمن والمخابرات صلاح قوش لبيانات صحفية يُعلن فيها “كشف مؤامرة تخريبية ودماء يستهدف بها المؤتمر الشعبي أمن الوطن” (TRT Arabic, بدون تاريخ).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
كانت الحاضنة السياسية متمثلة حكراً في حزب المؤتمر الشعبي وقواعده الطلابية والتنظيمية. غير أن الشارع السوداني المعارض آثر التفرج والحياد في صراع رأى فيه “تصفية حسابات داخلية بين شريكي الإنقاذ والاستبداد” (El-Affendi, 1991).
العقوبات وإستراتيجية الردع
جرى التعامل مع المحاولتين عبر إستراتيجية العقاب القضائي والأمني؛ إذ قُبض على الدكتور حسن الترابي وعشرات من قيادات المؤتمر الشعبي والضباط المتورطين، وأُودعوا سجن كوبر لسنوات دون إعدامات، وصدرت أحكام بالسجن والتجريد بحق الضباط. وتحول الصراع كلياً من الساحة العسكرية المباشرة إلى أروقة المحاكم العادية والدستورية والاعتقالات التحفظية (International Center for Transitional Justice, 2021).
الفصل العاشر: محاولة 22 نوفمبر 2012 – صدى احتجاجات 2011–2013 داخل الثكنات
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت هذه المحاولة الانقلابية في 22 نوفمبر 2012، في ظل حالة من الاحتقان السياسي والتدهور الاقتصادي المريع الذي أعقب انفصال جنوب السودان عام 2011 وفقدان الدولة لـ 75% من الموارد والعائدات النفطية، بالتزامن مع اندلاع موجات الاحتجاجات الشعبية (2011–2013) المناهضة لسياسات التقشف الحاد (International Center for Transitional Justice, 2021). وتعود الدوافع العميقة للتحرك إلى التذمر العالي داخل مجموعة “السائحون” (مجموعة من مجاهدي وضباط الحركة الإسلامية الجبليين) وضباط الجيش الرافضين لـ الفساد والتدهور الإداري واستئثار البشير وزوجته ودائرته الضيقة بجميع قرارات وموارد الدولة (International Center for Transitional Justice, 2021).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف في الإطاحة بعمر البشير ومجموعته الحاكمة، وتشكيل مجلس قيادة جديد يضم ضباطاً مهنيين وإسلاميين إصلاحيين، وإصلاح مؤسسات الدولة والجيش، وفتح قنوات حوار حقيقي مع المعارضة السودانية لمعالجة تداعيات انفصال الجنوب (International Center for Transitional Justice, 2021).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة شخوص رفيعو المستوى في قلب أجهزة نظام البشير الأمني والعسكري:
- الفريق أول الركن صلاح أحمد قوش (المدير السابق لجهاز الأمن والمخابرات الوطني).
- اللواء الركن محمد إبراهيم عبد الجليل “ود إبراهيم” (قائد القوات الخاصة ومن أبرز قادة حرب الجنوب).
- العقيد فتح الرحيم، بالتنسيق مع العشرات من الضباط والكوادر الأمنية والميدانية المرموقة.
اعتمد التخطيط العملياتي على استغلال النفوذ الشديد لـ “ود إبراهيم” داخل أسلحة القوات الخاصة والمدرعات والمظلات لاعتقال البشير وعلي عثمان محمد طه والسيطرة على القيادة العامة. غير أن جهاز الأمن والمخابرات الوطني (بقيادة محمد عطا) رصد التحركات والروابط الهاتفية والتنظيمية للخلية، وصدرت أوامر رئاسية سريعة بـ اعتقال صلاح قوش وود إبراهيم وكافة المخططين في ليلة 22 نوفمبر 2012 قبل البدء الفعلي للتحرك الميداني (International Center for Transitional Justice, 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
أُحبطت المحاولة استخباراتياً كلياً قبل وصول أي قوة إلى مبنى الإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان. وألقى وزير الإعلام أحمد بلال عثمان بياناً رسمياً من الاستديوهات الحكومية يُعلن فيه “تفكيك مخطط تخريبي يهدف إلى إحداث بلبلة في الدولة والمؤسسة العسكرية” (International Center for Transitional Justice, 2021).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
حظيت الحركة بتعاطف واسع مكتوم داخل قواعد الحركة الإسلامية ومجموعة “السائحون” وقطاعات واسعة من الضباط الشباب بالجيش الذين كانوا يرون في “ود إبراهيم” رمداً وقائداً شريفاً، غير أن السرية والإحباط المبكر منعا تبلور هذا التعاطف إلى حراك شارعي (International Center for Transitional Justice, 2021).
العقوبات وإستراتيجية الردع
عولجت القضايا بعيداً عن أحكام الإعدام؛ إذ قُدم صلاح قوش وود إبراهيم وضباط المحاولة إلى محاكمة عسكرية حُكم عليهم فيها بالسجن والإحالة للتقاعد والتجريد. غير أن عمر البشير أصدر لاحقاً عفواً رئاسياً خاصاً عن ود إبراهيم وصلاح قوش ورفاقهم تحت ضغوط حادة ومتواصلة من قيادات الحركة الإسلامية ومجموعة السائحون، ليُطلق سراحهم وتطوى صفحة القضايا قضائياً (International Center for Transitional Justice, 2021).
الفصل الحادي عشر: محاولة 11 يوليو 2019 – هاشم عبد المطلب ومحاولة الإطاحة بالمجلس العسكري الانتقالي
الدوافع البنيوية والسياسية
وقعت هذه المحاولة الانقلابية في 11 يوليو 2019، في ذروة المرحلة الانتقالية الشديدة الحساسية والتعقيد التي أعقبت نجاح ثورة ديسمبر 2018 وإطاحة نظام عمر البشير في 11 أبريل 2019 بواسطة القيادة العامة للجيش (International Center for Transitional Justice, 2021; TRT Arabic, 2025). وتعود الدوافع العميقة للتحرك إلى الصراع والتوتر البنيوي الحاد داخل أروقة المكون العسكري بين جناحين:
جناح رئاسة الأركان والضباط التقليديين الموالين لمؤسسة الجيش القديمة والمتخوفين من تسليم السلطة للمدنيين وقوى إعلان الحرية والتغيير وفق الوثيقة الدستورية.
جناح المجلس العسكري الانتقالي برئاسة الفريق أول عبد الفتاح البرهان ونائبه محمد حمدان دقلو “حميدتي” (قائد قوات الدعم السريع) المتمسك بإدارة المفاوضات والهيمنة المشتركة (TRT Arabic, 2025).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف في الإطاحة بالمجلس العسكري الانتقالي (البرهان وحميدتي)، وإلغاء المفاوضات والاتفاقات الجارية مع قوى إعلان الحرية والتغيير، وتشكيل مجلس عسكري حتامي جديد يفرض سيطرته المطلقة على الدولة، ويُعيد ترتيب البيت العسكري ويمحو نفوذ قوات الدعم السريع المتصاعد (TRT Arabic, 2025).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد المحاولة الفريق أول ركن هاشم عبد المطلب أحمد (رئيس أركان القوات المسلحة السودانية الذي عينه المجلس العسكري نفسه عقب عزل البشير)، بالتنسيق مع ضباط كبار في الجيش والجهاز، من بينهم: اللواء الركن بحر أحمد بحر، وعدد من قيادات الإسلاميين والنظام السابق في الاستخبارات (TRT Arabic, 2025). اعتمد التخطيط العملياتي على استخدام الصلاحيات الإدارية والعسكرية لرئيس الأركان لإعادة توجيه الكتائب بسلاح المدرعات والمظلات والسيطرة على مقرات القيادة العامة واعتقال البرهان وحميدتي. غير أن الاستخبارات العسكرية وقوات الدعم السريع كشفت الاتصالات والمخطط؛ وصدرت أوامر سريعة من البرهان بـ اعتقال رئيس الأركان هاشم عبد المطلب من مكتبه وتفكيك الخلايا الموالية له في 11 يوليو 2019 (International Center for Transitional Justice, 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
أُحبطت الحركة كلياً قبل الميدان؛ ونشر المجلس العسكري مقطع فيديو مسجلاً يتضمن اعترافات رئيس الأركان هاشم عبد المطلب بالتخطيط للانقلاب، وبث التلفزيون الرسمي بيانات المجلس العسكري المؤكدة لإحباط المحاولة وتأمين الانتقال (TRT Arabic, 2025).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
اتُهمت الحركة بوجود حاضنة وتنسيق مع قيادات المؤتمر الوطني المخلوع والحركة الإسلامية الراغبة في تعطيل الانتقال الديمقراطي والمفاوضات مع قوى الثورة، غير أن الشارع الثوري وقوى الحرية والتغيير قابلت المحاولة برفض قاطع ومسيرات مؤكدة على ضرورة نقل السلطة للمدنيين (International Center for Transitional Justice, 2021).
العقوبات وإستراتيجية الردع
أُودع الفريق أول هاشم عبد المطلب والضباط المشاركون السجن العسكري، وأُحيلوا إلى محاكمة عسكرية بتهم المزاولة والتخطيط لتقويض النظام الدستوري وشق صف القوات المسلحة، مع التجريد من الرتب والإحالة للتقاعد دون إعدامات (International Center for Transitional Justice, 2021).
الفصل الثاني عشر: محاولة 21 سبتمبر 2021 – سلاح المدرعات ومعسكر الشجرة و”العملية شبه الانتحارية”
الدوافع البنيوية والسياسية
وقع هذا التحرك الانقلابي البارز في فجر يوم الثلاثاء 21 سبتمبر 2021، قبل نحو شهر واحد فقط من الانقلاب الناجح الذي نفذه الفريق أول عبد الفتاح البرهان على الحكومة المدنية لدكتور عبد الله حمدوك في 25 أكتوبر 2021 (Future Center, 2021; BBC Pidgin, 2021). وتعود الدوافع العميقة للتحرك إلى وصول الشراكة المدنية-العسكرية إلى انسداد وشلل تام، وتصاعد الاحتقان داخل الثكنات العسكرية بسلاح المدرعات نتيجة التهميش المستمر للضباط المهنيين، والتخوف من هيكلة الجيش ودمج قوات الدعم السريع، ورفض التنازل الوشيك عن رئاسة مجلس السيادة للشق المدني المزمع في نوفمبر 2021 (Future Center, 2021; الجزيرة نت، 2021).
الأهداف الإستراتيجية
تحددت الأهداف في الإطاحة الشاملة بـ الحكومة المدنية برئاسة عبد الله حمدوك والمجلس السيادي الانتقالي، وإغلاق ملف الشراكة مع قوى الحرية والتغيير، وتشكيل حكومة طوارئ عسكرية قومية تمسك بزمام السلطة وتنظم انتخابات مبكرة (Future Center, 2021).
التخطيط والتنفيذ والعمليات العسكرية
قاد التحرك الضابط الميداني البارز اللواء الركن عبد الباقي الحسن بكراوي (القائد الثاني لسلاح المدرعات بـ معسكر الشجرة)، وبمشاركة اللواء الركن نصر الدين عبد الفتاح (قائد سلاح المدرعات)، بالتنسيق مع ضباط من منطقتي وادي سيدنا العسكرية بالحيشان وأم درمان (Future Center, 2021). اعتمد التخطيط العملياتي على تحريك كتيبة دبابات ومدرعات ثقيلة من معسكر الشجرة جنوب الخرطوم، والتوجه المباشر عبر الجسور للسيطرة على مبنى الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان واعتقال أعضاء السيادة والحكومة. تحركت الدبابات بالفعل وإغلقت جسر أبوروف وبعض المقارب الحيوية في أم درمان في ساعة الصفر. غير أن الحركة عانت قصوراً فادحاً في الغطاء السياسي والتأمين الأمني؛ إذ تحركت الدبابات دون إسناد من أسلحة المشاة أو المظلات، وسارعت القوات الحكومية الموالية للبرهان وقوات الدعم السريع إلى تطويق معسكر الشجرة وجسر أم درمان بمدرعات مضادة وطائرات استطلاع، ودخل المستشار العسكري لرئاسة الأركان في تفاوض ميداني مباشر مع اللواء بكراوي أفضى إلى استسلام الانقلابيين وتسليم أسلحتهم دون إراقة دماء واسعة (Future Center, 2021; الجزيرة نت، 2021).
السيطرة على الإذاعة والتلفزيون
وصلت الدبابات الموالية للب بكراوي إلى المقارب القريبة من مبنى الإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان، غير أنها لم تمكن من اقتحام الاستديوهات أو بث البيان رقم (1)؛ حيث قطعت السلطات البث الإذاعي احترازياً، وأخرج العميد الطاهر أبو هاجة بياناً متلفزاً يُعلن فيه “سيطرة القوات المسلحة التامة على الموقف وإحباط المحاولة الانقلابية واعتقال جميع المتورطين” (Future Center, 2021).
الحاضنة السياسية والاجتماعية
عانت المحاولة من غطاء وسياسي مكشوف؛ فلم يخرج أي حزب سياسي أو تنظيم نقابي لدعم الحركة، مما جعلها تُوصف في الأدبيات السياسية والعسكرية بـ “العملية شبه الانتحارية”؛ تحرك عسكري هائل بالدبابات في قلب العاصمة دون أي شبكة أمان سياسية أو اجتماعية (الجزيرة نت، 2021).
العقوبات وإستراتيجية الردع
أُلقي القبض على اللواء عبد الباقي بكراوي واللواء نصر الدين عبد الفتاح و21 ضابطاً متورطاً ونحو 91 جندياً من سلاح المدرعات (الجزيرة نت، 2021). أُحيلوا جميعاً إلى المحاكمة العسكرية، وصدرت أحكام بـ السجن لفترات تراوحت بين 3 و5 سنوات والإحالة للتقاعد والتجريد من الرتب العسكرية بحق بكراوي ورفاقه، قبل أن يُعاد إطلاق سراح بعضهم أو اعتقالهم تحفظياً لاحقاً عقب اندلاع حرب 15 أبريل 2023 (Nabd Sudan, 2025).
مقارنات منظمة بين المحاولات الانقلابية وأوجه الشبه والاختلاف
تُقدم الجدولية المنهجية التالية تركيباً ومقارنة شاملة وموثقة بين المحاولات الانقلابية الاثنتي عشرة الفاشلة في تاريخ السودان عبر المحاور الستة الأساسية:
المحاولة الانقلابية
الدوافع البنيوية
الأهداف الرئيسية
التخطيط والعمليات
السيطرة على الإذاعة
الحاضنة السياسية
العقوبات والردع
13 يونيو 1957
(عبد الرحمن كبيدة)
التذمر من إدارة ملف الجنوب والتعيينات الطائفية.
تغيير الحكومة المدنية وإشراك الجيش.
ضباط المشاة والكلية الحربية؛ إحباط استخباراتي قبل التنفيذ.
لم تبث أي بيان؛ إحباط في المهد.
معدومة حزبيئاً؛ تعاطف فردي محدود.
السجن لسنوات والإطلاق بعد ثورة 1964.
سبتمبر 1959
(شنان ومحيي الدين)
الصراع على توزيع السلطة داخل المجلس العسكري.
إعادة تشكيل المجلس الأعلى والقيادات.
تحريك قوات من الشمال والشرق؛ تفاوض ثم تفكيك أمني.
لم تتم؛ السيطرة بقيت بيد عبود.
معدومة حزبيئاً؛ مناورة داخل الجيش.
السجن، التجريد، وإبعاد القادة والإصلاح العسكري.
9 نوفمبر 1959
(علي حامد)
الرفض الشديد لقمع عبود وعسكرة السياسة.
إطاحة عبود وتشكيل حكومة انتقالية.
تنظيم سري متعدد الأسلحة؛ اختراق قبل ساعة الصفر.
لم تتم؛ الإعلام ظل مع عبود.
تحالف عسكري-مدني (إسلاميون ويساريون).
أول إعدامات عسكرية (5 ضباط) والسجن للمدنيين.
19 يوليو 1971
(هاشم العطا)
الانحراف عن اليسار وإقصاء الشيوعيين.
إقامة نظام ماركسي ورابط بالاشتراكية.
اقتحام خاطف للقصر واعتقال نميري؛ التدخل الإقليمي دمر الحركة.
نجاح تام لـ 3 أيام وبث جميع البيانات.
واسعة جداً (الحزب الشيوعي والنقابات).
محاكمة الشجرة؛ إعدامات واسعة قادة وضباط ومدنيين.
سبتمبر 1975
(حسن حسين)
التذمر من جهاز الأمن والتدهور الاقتصادي.
إطاحة نميري وتفكيك جهاز الأمن.
تحرك محدود بـ أسلحة الخدمات؛ حسم أمني خاطف.
تسجيل بيان دون بثه لقطع الكهرباء.
معدومة كلياً؛ تمرد عسكري فردي.
الإعدام رمياً بالرصاص للقائد ورفاقه.
2 يوليو 1976
(محمد نور سعد)
رفض ديكتاتورية نميري الاستبدادية.
إطاحة النظام وإعادة الديمقراطية.
تسلل آلاف المقاتلين من ليبيا؛ حرب شوارع لـ 3 أيام.
سيطرة ميدانية دون بث لتكتيك الفنيين.
واسعة جداً (الجبهة الوطنية: أنصار، إسلاميون).
إعدام المئات؛ ثم المصالحة الوطنية 1977.
28 رمضان 1990
(عبد القادر الكدرو)
الرفض الشديد لأخونة الجيش والدفاع الشعبي.
إطاحة البشير وإقامة حكم قومي.
خلية بالأسلحة الرئيسية؛ اختراق عبر “شاهد ملك”.
لم تتم؛ الإعلام ظل بيد الإنقاذ.
محدودة حزبيئاً؛ تعاطف معارض مكتوم.
مذبحة رمضان (إعدام 28 ضابطاً صورياً).
مارس 1992
(أحمد خالد)
مناهضة تغول الإسلاميين والعزلة الدولية.
إقامة حكم قومي بعثي.
كادر الضباط البعثيين؛ اكتشاف وتنظيم استخباراتي قبل التنفيذ.
لم تتم؛ إحباط في طور الجمع.
حصرية لحزب البعث العربي الاشتراكي.
تحول قضائي: السجن والتجريد دون إعدام.
مارس/سبتمبر 2004
(المؤتمر الشعبي)
انشقاق الترابي والمفاصلة عام 1999.
إقصاء البشير وإعادة الترابي للسلطة.
تخزين أسلحة بالخرطوم؛ رصد وتقني استخباراتي.
لم تتم؛ كشف المخازن أمنياً.
حصرية لحزب المؤتمر الشعبي.
الاعتقال، المحاكمات القضائية والسجن.
22 نوفمبر 2012
(صلاح قوش وود إبراهيم)
تدهور الاقتصاد بعد انفصال الجنوب والفساد.
إقصاء البشير وتشكيل قيادة إصلاحية.
تحالف قادة القوات الخاصة والأمن؛ اختراق واستباق راسي.
لم تتم؛ إعلان إحباط عبر الإعلام.
تعاطف واسع داخل الحركة الإسلامية والسائحون.
السجن ثم عفو رئاسي خاص وإطلاق السراح.
11 يوليو 2019
(هاشم عبد المطلب)
رفض تسليم السلطة للمدنيين وتخوف الهيكلة.
إطاحة البرهان وحميدتي وقطع المفاوضات.
استغلال صلاحيات رئيس الأركان؛ اعتقال استباقي ومباشر.
لم تتم؛ بث فيديو الاعترافات.
تنسيق مع كوادر النظام السابق والإسلاميين.
الاعتقال، التجريد والمحاكمة العسكرية.
21 سبتمبر 2021
(عبد الباقي بكراوي)
الاحتقان الميداني ورفض دمج الدعم السريع.
إطاحة حكومة حمدوك والمجلس الانتقالي.
تحريك دبابات المدرعات لـ أم درمان؛ تطويق وتفاوض بدون قتال.
الوصول للمحيط دون بث لقطع الأثير.
معدومة كلياً؛ عملية شبه انتحارية.
السجن لسنوات والتجريد والإحالة للتقاعد.
التفكيك والتوليف المقارن
- أنماط الدوافع والأهداف
تتوزع المحاولات بين ثلاثة أنماط رئيسية:
الانقلابات الأيديولوجية الراديكالية: المستهدفة للهيكلة الشاملة والمجتمع (1971 الشيوعي، 1976 الجبهة الوطنية، 1992 البعثي).
الانقلابات التصحيحية من داخل النظام الحاكم: الساعية لإعادة توزيع السلطة بين الأجنحة العسكرية (سبتمبر 1959، 2004 المؤتمر الشعبي، 2012 صلاح قوش، يوليوز 2019 هاشم عبد المطلب).
التحركات الاحتجاجية ضد العسكرة والفساد: (1957 كبيدة، 9 نوفمبر 1959 علي حامد، 1975 حسن حسين، 28 رمضان 1990، سبتمبر 2021 بكراوي).
- معادلة السيطرة السيميائية والإعلامية
تُثبت الدراسة المقارنة أن الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بـ أم درمان كانت “قلب المعركة الرمزية”. فالمحاولة الوحيدة التي نجحت في فرض سلطة فعلية واستلام الحكم لثلاثة أيام (انقلاب هاشم العطا 1971) هي المحاولة الوحيدة التي أحكمت السيطرة التشغيلية والبث الكامل على الإذاعة القومية. في حين أدى الفشل في بث البيان الأول في بقية المحاولات (إما للإحباط المسبق أو لتكتيك الفنيين كما في 1976 وحسن حسين 1975 وبكراوي 2021) إلى تحويل التحرك الميداني إلى حدث أمني محاصر سهُل على النظام القائم امتصاصه ووسمه بالتخريب.
- الحاضنة السياسية والغطاء الشارعي
توضح المقارنة أن المحاولات المزودة بـ حاضنة حزبية وجماهيرية تنظيمية قوية (كحركة 1976 مع الجبهة الوطنية وانقلاب 1971 مع الشيوعيين) استطاعت ترك آثار سياسية تاريخية زلزلت الأنظمة وغيرت مسار البلاد حتى بعد فشلها العسكري (حيث أدت حركة 1976 إلى المصالحة الوطنية 1977، وأدى انقلاب 1971 إلى تحول نميري للتحالفات اليمينية). في المقابل، ظلت المحاولات المفتقرة للحاضنة السياسية (كحركة حسن حسين 1975 ومحاولة بكراوي 2021) مجرد “عمليات شبه انتحارية” انتهت بقمع ميكانيكي سريع وتجريد لضباطها دون مكاسب تفاوضية.
- ديناميكية العقوبات والردع السلطوي
تكشف المقارنة التاريخية عن ثلاث موجات دموية كبرى للاعدامات العسكرية الجماعية:
الموجة الأولى: عهد عبود في 1959 (إعدام علي حامد ورفاقه).
الموجة الثانية: عهد نميري في 1971 (محاكمة الشجرة) و1975 و1976 (إعدام نور سعد والمئات).
الموجة الثالثة: عهد البشير في 1990 (مذبحة 28 رمضان). في المقابل، شهدت الفترة الممتدة من 1992 إلى 2021 تحولاً بنيوياً واضحاً نحو “العقاب القضائي والسجني” والإحالة للتقاعد أو العفو الرئاسي الخاص (كما في محاولات 1992، 2004، 2012، 2019، و2021)، نظراً لتصاعد الضغوط الحقوقية الدولية وتخوف الأنظمة من تأسيس ثارات دموية لا تنتهي داخل المؤسسة العسكرية.
خاتمة نقدية
تُقدم دراسة وتفكيك السجل المترابط للمحاولات الانقلابية الاثنتي عشرة الفاشلة في السودان بين عامي 1957 و2021 برهاناً ساطعاً على أن “الفشل الانقلابي المتكرر” في الفضاء السياسي السوداني ليس مجرد مجريات عارضة أو مصادفات أمنية معزولة، بل هو العَرَض الظاهري والأبرز لأزمة بنيوية عميقة في هيكل الدولة السودانية وعلاقاتها المدنية-العسكرية المأزومة منذ الاستقلال. أولاً، يكشف هذا التحليل المستفيض عن غياب تام وآلية مؤسسية لتراكم وتوريث “دروس الفشل الانقلابي” داخل مجتمع الضباط والمؤسسة العسكرية؛ إذ تتكرر الأخطاء التكتيكية والعملياتية ذاتها عبر ستة عقود متتالية. فالضعف الفادح في التأمين الاستخباراتي، وتخزين الأسلحة دون حماية تقنية، والاعتماد على الاتصالات المكشوفة، والاتكال على الضباط الصفوف دون تأمين أسلحة المناورة الإستراتيجية (كالمدرعات والطيران)، والفشل في تعطيل الموانئ والمطارات لمنع التدخلات الإقليمية المضادة، كلها ثغرات قاتلة تكررت بالنص والحرف بين انقلاب هاشم العطا 1971، وانقلاب رمضان 1990، ومحاولة بكراوي 2021. ويبين هذا التكرار أن التنظيمات السرية داخل الجيش السوداني ظلت تُكرر أسباب الإخفاق الذاتي دون مقدرة على قراءة التاريخ الأرشيفي العسكري للبلاد. ثانياً، برهنت الدراسة على أن الانقلاب الفاشل في السياق السوداني لا يُمثل بحال من الأحوال نقطة نهاية أو ختاماً للصراع، بل يتحول في غالب الأحيان إلى “بروفة أولية ومقدمة تمهيدية” لصراعات وانفجارات أشد دموية وتدميراً. ففشل حركة الجبهة الوطنية عام 1976 أفضى إلى المصالحة الوطنية 1977 وتغلغل الإسلاميين الذي أثمر لاحقاً عن انقلاب 1989. والفشل المتكرر لمحاولات الانتقال الديمقراطي بين 2019 و2021 (محاولة هاشم عبد المطلب ومحاولة بكراوي) لم يؤدِ إلى استقرار الدولة، بل كان التمهيد الميداني المباشر للانقلاب الناجح للبرهان في 25 أكتوبر 2021، والذي قاد بدوره إلى الانفجار الأمني العارم والدمار الشامل المتمثل في حرب 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. ثالثاً، تُثبت الظاهرة الانقلابية السودانية أن محاولات حسم الصراع السياسي عبر التوسل بـ “الرشاش العسكري” والخلايا الأيديولوجية السرية داخل الثكنات لم ينتج سوى تقويض المهنية القتالية للقوات المسلحة، وتحويل المؤسسة الوطنية إلى مجرد أداة محاصصة وتصفية حسابات بين الأحزاب المدنية العاجزة. فالأحزاب السياسية السودانية (يمينية ويسارية وطائفية) تحمل مسؤولة أخلاقية وتاريخية مباشرة عن إفساد الحياة العسكرية وتأطير الضباط ودفعهم نحو ساحات الإعدام والمحاكم الصورية. ختاماً، إن الخروج من “دائرة الفشل الانقلابي الجهنمية” وبناء نظام سياسي ديمقراطي ومستقر في السودان يتطلب أثراً حاسماً وتطبيقاً صارماً لثلاث مهام إستراتيجية متلازمة:
- إعادة بناء وتفكيك وهيكلة القوات المسلحة السودانية وفق عقيدة قتالية وطنية ومهنية موحدة، وحظر وتجريم أي نشاط سياسي أو حزبي أو تنظيمي سرّي داخل الثكنات كجريمة خيانة عظمى.
- تأسيس سيادة مدنية دستورية وقضائية مؤسسية تفرض رقابة صارمة وشاملة على الميزانيات والأسلحة والشركات التابعة للمؤسسات العسكرية والأمنية.
- صياغة عقد اجتماعي ودستوري جديد يخرج مفهوم الانقلاب العسكري (ناجحاً كان أم فاشلاً) من منطق الأدوات التفاوضية والسياسية المتاحة، ويجعل من صيانة التحول الديمقراطي خطاً أحمر تحميه إرادة شعبية ووعي مجتمعي ومؤسسات ديمقراطية راسخة.
References (English)
- El-Affendi, Abdelwahab (1991). Turabi’s Revolution: Islam and Power in Sudan. London: Grey Seal. Accessed 24 July 2026.
- GlobalSecurity.org (n.d.). Sudan – 1976 Coup Attempt. Accessed 24 July 2026.
- International Center for Transitional Justice (2021). Sudan: Transitional Justice and Accountability. Accessed 24 July 2026.
- ISS Africa (2019). Sudan, a coup laboratory. Accessed 24 July 2026.
- New York Times (1971). “Sudanese Report Execution of 4 Who Helped Coup”; “The Coup Was a Three-Day Wonder: Sudan.” Accessed 24 July 2026.
- Powell, Jonathan M., & Thyne, Clayton L. (2011). Global Instances of Coups from 1950 to 2010: A New Dataset. Journal of Peace Research, 48(2), 249–259. Accessed 24 July 2026.
- Sudan Tribune (El-Tigani, Mahgoub) (2003). The Salvation Military/Shura Accountability for the Executions of Ramadan, 1990. Accessed 24 July 2026.
- U.S. Department of State, Office of the Historian (1976). Telegram 1988 from the Embassy in Sudan to the Department of State: Continuing Stability of Nimeiri Regime. Accessed 24 July 2026.
- BBC News Pidgin (2021). Sudan military coup: History of successful and failed coup attempts since independence. Accessed 24 July 2026.
- Wikipedia (2019). محاولة انقلاب 1976 في السودان. Accessed 24 July 2026.
- Wikipedia (2023). Coups d’état in Sudan. Accessed 24 July 2026.
- Wikipedia (2025). انقلاب علي حامد 1959؛ Hashem al-Atta؛ 1971 Sudanese coup d’état. Accessed 24 July 2026.
- Woodward, Peter (1990). Sudan, 1898–1989: The Unstable State. Boulder: Lynne Rienner Publishers. Accessed 24 July 2026.
المراجع العربية
- الأفندي، عبد الوهاب (1991). Turabi’s Revolution: Islam and Power in Sudan. لندن: Grey Seal.
- إبراهيم، عبد الله علي (2024). “غزوة المرتزقة” (يوليو 1976): حين هزم بونا ملوال أحزاب المركز وحده. الأحداث نيوز. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- باول، جوناثان وثاين، كلايتون (2011). Global Instances of Coups from 1950 to 2010: A New Dataset. Journal of Peace Research. مذكور نقلاً عن: معهد الدراسات الأمنية الأفريقي (ISS Africa)، 2019. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- الجزولي، حسن (2007). عنف البادية: وقائع اللحظات الأخيرة في حياة عبد الخالق محجوب.
- الرفاعي، عبد القادر (2018). الرائد الشهيد هاشم العطا. مركز عبد الكريم ميرغني.
- الصايغ، بكري (2008). 24 ابريل 1990: فشل الانقلاب العسكري ومحمد الأمين الخليفة يقتل كرار بطعنة سونكي. سودانيز أونلاين. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- الصايغ، بكري (2011). غدآ الاثنين: الذكري الرابعة والخمسين علي محاولة اول انقلاب. صحيفة الراكوبة. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- الصايغ، بكري (2013). 9 نوفمبر 1959: انقلاب علي حامد وأول إعدامات بالقوات المسلحة. صحيفة الراكوبة. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- الصايغ، بكري (2017). في الذكري السابعة والعشرين: يا سيادتك وقّع. صحيفة الراكوبة. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- الصايغ، بكري (2021). والتقيا في هذا الشهر: 19 يوليو..وانقلاب رمضان 1990. صحيفة الراكوبة. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- سرور، عبد العظيم عوض (2012). حركة 19 يوليو 1971 – التحضير – التنفيذ – الهزيمة. القاهرة: دار عزة للنشر والتوزيع.
- صالح، محمد علي (2013). وثائق أمريكية عن عبود: انقلاب علي حامد وإعدامه وزملاؤه. سودانايل. تاريخ الوصول: 24 يوليو 2026.
- عثمان، تاج السر (2009). تقييم نقدي لتجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946–1975. دار عزة للنشر.
- عثمان، محمد محجوب (1998). الجيش والسياسة في السودان. مركز الدراسات السودانية.
- مطر، فؤاد (1971). الحزب الشيوعي السوداني: نحروه أم انتحر؟
