إخلاص النية للوطن هو مفتاح تفكيك كل أزماته

عبد القادر محمد أحمد / المحامي
معلوم أن السياسة مزيج بين العلم الذي يتطلب الدراسة، وبين الفن الذي يقوم على مهارات خاصة. ومع ذلك، فإنها، كعلم نظري، تظل مخرجاتها قابلة للخطأ والصواب، نظرًا لتداخل العوامل، وتغيّر الوقائع، واعتمادها على التقديرات البشرية. ولذلك كان من السهل على الحزبيين وكل المهتمين بالشأن العام من غير المتخصصين، ممارسة السياسة، دون حرج في أن يخطئوا أو يصيبوا.
أما الحالة السودانية فقد وصلت إلى مرحلة فرضت على جميع السودانيين ممارسة السياسة، رجالًا ونساء، شيوخًا وشبابًا، في مجموعات التواصل المهنية، والاجتماعية، والطلابية. والملاحظ أن من تطأهم نار المعاناة الحقيقية، يمارسون السياسة بصورة أكثر فهمًا وتعقّلًا وواقعية، فما عادوا يهتمون كثيرًا للمساجلات التلفزيونية أو المقالات العنترية بين غرماء السياسة، ومن هو البطل المنتصر، فالجميع في نظرهم فاشلون وبعيدون عن حقيقة المعاناة والمأساة التي يعيشها الناس.
ملايين السودانيين في حاجة إلى المأوى والطعام والشراب والعلاج، وملايين الطلاب حرمتهم الحرب من حقهم في مواصلة تعليمهم. الناس يريدون أن يعرفوا: متى تنتهي الحرب ويتحقق السلام والاستقرار؟ متى يعودون إلى منازلهم ليستردوا أنفاسهم وكرامتهم المهدرة؟ متى يجتمع شمل الأسر؟ متى يدخل المرضى المستشفيات؟ متى يعود الأبناء إلى المدارس والجامعات؟ متى تفتح رياض ومدارس الأطفال؟ ووو؟
أما فرقاءُ السياسة، فلا يزالون في معارك المنتصر والمهزوم، ثم وصل بهم الحال إلى مرحلة من الفشل، فأصبحوا في انتظار أن يأتي الحل من الخارج، وكلٌّ يُمنّي النفس بأن تأتي النتائج لصالحه ليواصل رحلة الشماتة والتحدي. بينما أبسط الناس فهمًا للسياسة يدركون أن الحل الذي يحقق السلام والاستقرار لن يأتي من الخارج.
يدرك الجميع أن أي حل خارجي ينحاز لطرف على حساب آخر لن يُفضي إلى السلام والاستقرار المنشودين، بل سيزيد الأوضاع تعقيدًا. أما إذا أتى حريصًا على وحدة السودان واستقراره، فسيكمن في إفساح المجال لجميعِ السودانيين ليقرروا مصيرهم بأنفسهم، عبر حوار وطني شامل.
فهل نحن في انتظار الخارج ليُذكّرنا بما نعرفه حق المعرفة؟ فيكون حالنا كحال رجلٍ يجلس في بيتٍ يحترق، وبيده الماء والمطفأة، لكنه يظل يحدق من النافذة في انتظار من يأتي لإنقاذه؟!
مهما كان نوع أو حجم الخلافات أو الاختلافات بين السودانيين، فإن ما وصل إليه حال البلد والمواطن، يَحتِّم على الجميع التواضع ونكران الذات وإخلاص النية للوطن، بالوصول إلى توافق يستجيب لواقع الحال الذي لا يمكن تجاوزه، والانتصار لسودان موحد يعيش فيه الجميع في سلام، بعيدًا عن الفرقة والكراهية.
على الإسلاميين أن يُدركوا أن أي فكر إقصائي لا يمكن أن يُطبَّق في واقع السودان المتنوع من حيث التركيبة السكانية، والتعدد الثقافي والديني والعرقي.
على الإسلاميين أن يُدركوا أن بوادر تقسيم البلاد نتيجة مباشرة لمغامراتهم وإصرارهم على حربٍ يعلمون أنها بلا منتصر. وعليهم أن يفهموا أن ذلك لن يُثمر سوى أشلاء دويلةٍ ممزقة تنهشها الصراعات والخصومات في داخلها وجوارها، وأنهم لن يحصدوا إلا المزيد من الكراهية واللعنات، وأن مشروعهم مصيره الحتمي العزلة والفشل.
على الإسلاميين أن يتذكروا أن هناك مظالم لحقت بالناس ينبغي جبرها، وأن ما يعتبرونه مكاسب خاصة، أياً كانت، إنما تحقق من أموال الدولة وعلى حساب حياد مؤسساتها، وإن التمسك بها لن يكون مقبولًا.
على الإسلاميين أن يُدركوا أن زمن حكم الناس بالبندقية قد ولّى، وأن البندقية، بأفعالهم وتصريحاتهم، أصبحت في حيازة معظم الناس، أفرادًا وقوى متعددة. وعليهم أن يُدركوا أن القوات المشتركة لن يكون مشروعها الدفاع عنهم، وأن وضعها الآن أقوى من ميليشياتهم.
على الإسلاميين أن يُدركوا أن قرار مصير البلد لم يعد بأيديهم كما يتوهمون.
على الإسلاميين أن يُدركوا أن التحدي اليوم لا يكمن في تكتيكات وخطط الانفراد بالسلطة، سواء تشبثًا بها أو تنفيذًا لمشروعهم، فهذا رهان محكوم عليه بالفشل. التحدي الحقيقي في الحفاظ على وطن كان اسمه السودان، وأن ضياعه سببه مغامراتهم.
في المقابل، على القوى المدنية الاعتراف بأن الإسلاميين لهم وجودهم، وأنه لا مجال للعزل والإقصاء، وأنه لا بد من إشراكهم في الحوار الوطني الذي يهدف إلى الوصول لعقد اجتماعي جديد، يضع أسس النظام السياسي الذي يُنهي الصراعات، ويعترف بالتنوع الثقافي والديني والعرقي، ويُوزّع السلطة والثروة بعدالة، ليكون هذا العقد هو الدستورَ الدائمَ الملزمَ للجميع. فإذا تجاوزنا هذه العقبة، فلن يكون مهمًا من يفوز في الانتخابات.
إن الوصول إلى عقد اجتماعي جديد ليس بالأمر العسير، وإنما يتطلب صدق النوايا من الجميع تجاه الوطن، والإقرار بواقع المجتمع السوداني، ومراعاة تطلعاته المشروعة.
إن الحوار بين القوى السياسية يجب أن يسبقه حوار مجتمعي واسع، يشمل مختلف مكونات المجتمع القبلية والجهوية وغيرها، وهو أمر على درجة من الأهمية، يستحق أن نُفرد له مقالًا آخر. ونأمل أن لا يكون الوقت قد فات.
aabdoaadvo2019@gmail.com

عن عبد القادر محمد أحمد/المحامي

عبد القادر محمد أحمد/المحامي

شاهد أيضاً

القوى المدنية: غياب سببه الخلط بين الاندماج السياسي ووحدة الصف الوطني والتنسيق

عبد القادر محمد أحمد / المحاميaabdoaadvo2019@gmail.com في تصريح لوسائل إعلام عالمية، قال د. حمدوك إن …