إدارة الانتخابات وإعادة بناء الدولة في السودان: نحو نموذج توافقي قائم على التمثيل النسبي في الدول الهشة (الجزء الثامن)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
توصيات دولية
دعم فني لا وصاية سياسية.
تشير خبرات الدول الخارجة من النزاعات إلى أن الدعم الدولي قد يسهم في التحول الديمقراطي وبناء المؤسسات الانتخابية، لكنه قد يتحول إلى مصدر لإضعاف السيادة وفقدان الشرعية إذا تجاوز الدعم الفني إلى الوصاية السياسية أو فرض ترتيبات انتقالية غير متوافق عليها داخلياً (Paris, 2004).
في السودان ظل العامل الدولي والإقليمي حاضراً بكثافة منذ اتفاقية السلام الشامل 2005، مروراً بانفصال جنوب السودان 2011، ثم ما بعد 2019، وصولاً إلى حرب أبريل 2023. ولعبت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي و”إيقاد” ودول إقليمية وغربية أدواراً متنوعة في الوساطة ودعم السلام والانتقال.
غير أن التجربة السودانية أظهرت إشكالات متعددة:
تعدد الوسطاء الدوليين والإقليميين.
تضارب المصالح الخارجية.
ضعف التنسيق بين المبادرات.
الاعتماد المفرط على الضغوط الخارجية.
تراجع الثقة الشعبية في بعض المبادرات.
تصوير العملية السياسية كأنها مفروضة من الخارج.
كما استخدمت بعض القوى السياسية والعسكرية الدعم الخارجي لتعزيز مواقعها الداخلية، مما عمّق الأزمة وأضعف فرص التوافق الوطني.
لذلك يجب أن يقوم أي دور دولي مستقبلي على:
احترام السيادة الوطنية.
دعم الحلول السودانية التوافقية.
التركيز على الدعم الفني والمؤسسي.
تجنب فرض ترتيبات جاهزة.
دعم بناء القدرات المحلية.
تعزيز الملكية الوطنية للعملية السياسية.
ويشمل الدعم الفني:
دعم السجل المدني والإحصائي.
تطوير الإدارة الانتخابية.
تدريب الكوادر الفنية والقضائية.
دعم الشفافية والمراقبة.
دعم الإصلاح القانوني والدستوري.
المساعدة في نزع السلاح وإعادة الدمج.
وتبين خبرات تيمور الشرقية وليبيريا وسيراليون أن نجاح الدعم يرتبط بالملكية الوطنية وبناء مؤسسات مستدامة بدل الاعتماد على الخارج (Chesterman, 2004).
رقابة دولية متوازنة.
أصبحت الرقابة الدولية على الانتخابات جزءاً أساسياً من الانتقال الديمقراطي في الدول الخارجة من النزاعات أو ضعيفة المؤسسات (Hyde, 2011). وتسهم في:
تعزيز الثقة في العملية الانتخابية.
ردع التزوير والانتهاكات.
دعم الشفافية.
توفير تقييم مستقل.
تخفيف العنف السياسي.
في السودان شاركت بعثات دولية وإقليمية في انتخابات 2010، كما لعبت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي أدواراً رقابية خلال الانتقال.
لكن الرقابة الدولية تواجه تحديات:
محدودية الوصول لمناطق النزاع.
الضغوط السياسية.
تفاوت معايير التقييم.
تسييس الاعتراف الدولي.
ضعف التنسيق بين البعثات.
كما استخدمت بعض الأنظمة الرقابة شكلياً لإضفاء شرعية على انتخابات غير تنافسية، وهو ما يُعرف بـ”الاستبداد الانتخابي” (Schedler, 2006).
لذلك يجب أن تقوم الرقابة على:
الحياد والاستقلال.
التنسيق مع المراقبين المحليين.
الشفافية الكاملة.
تغطية جميع مراحل العملية.
احترام الخصوصية الوطنية.
الالتزام بالمعايير الدولية.
كما لا تقتصر على يوم الاقتراع، بل تشمل:
السجل الانتخابي.
الحملات الإعلامية.
التمويل السياسي.
استخدام موارد الدولة.
البيئة الأمنية.
حرية التنظيم والتعبير.
دعم السلام والتنمية المتوازنة.
تؤكد أدبيات بناء السلام أن الانتخابات وحدها غير كافية دون معالجة جذور الصراع والتنمية (Call and Cousens, 2008).
في السودان ترتبط النزاعات بعوامل بنيوية:
التهميش الإقليمي.
اختلال توزيع الموارد.
ضعف التنمية.
الصراع على الأرض والمياه.
الفقر والبطالة.
ضعف الخدمات.
وأظهرت الحرب الأخيرة عمق الاختلال التنموي وتزايد الدمار والنزوح.
وتشير تقديرات UNDP إلى تراجع التنمية البشرية بسبب الصراع والانهيار الاقتصادي (UNDP, 2024).
لذلك يجب ألا يقتصر الدعم على الانتخابات بل يشمل:
إعادة الإعمار.
دعم الخدمات الأساسية.
التنمية الريفية.
البنية التحتية.
الصحة والتعليم.
خلق فرص العمل.
المصالحة المجتمعية.
مع التركيز على الأقاليم المتأثرة لتجنب إعادة إنتاج النزاع.
تعزيز التعاون الإقليمي لمنع التدخلات السلبية.
يشكل السودان جزءاً من بيئة إقليمية معقدة في القرن الأفريقي والساحل حيث تتداخل الأزمات عبر الحدود (de Waal, 2015).
وترتبط الأزمة بـ:
النزاعات الحدودية.
تدفقات السلاح.
الحركات المسلحة العابرة.
التنافس على الموارد.
التدخلات السياسية والاقتصادية.
صراعات النفوذ.
كما دعمت قوى إقليمية أطرافاً مختلفة مما أطال الحرب.
لذلك يتطلب الاستقرار:
تنسيقاً إقليمياً للسلام.
ضبط السلاح.
منع التمويل للمسلحين.
تعزيز التعاون الحدودي.
دعم الاستقرار الاقتصادي.
آليات وساطة مشتركة.
وتعزيز دور الاتحاد الأفريقي و”إيقاد” مع تقليل تعدد المبادرات.
تنسيق الدعم الدولي بما يعزز السيادة.
تشير الأدبيات إلى أن الاعتماد المفرط على الخارج يضعف الدولة ويرفع الارتهان للمانحين (Chandler, 2006).
في السودان أدى تعدد المانحين إلى:
تشتت الأولويات.
ضعف التنسيق.
الاعتماد على التمويل الخارجي.
تضارب الأجندات.
ضعف القدرات.
كما ارتبطت بعض المساعدات بشروط سياسية أثرت على الاستقرار.
لذلك يجب أن يقوم التنسيق على:
الأولويات الوطنية.
الشفافية.
بناء القدرات.
تقوية المؤسسات.
التنمية طويلة الأمد.
تقليل الاعتماد على المساعدات.
ويهدف الدعم إلى بناء مؤسسات مستقلة لإدارة الدولة.
توصيات اقتصادية
إعادة توزيع الموارد بصورة عادلة بين الأقاليم.
تشير الأدبيات إلى أن اختلال توزيع الموارد سبب رئيسي للنزاعات في الدول الهشة (Stewart, 2008) ويقوض شرعية الدولة.
في السودان ارتبط الصراع بتفاوت المركز والأطراف حيث تركزت التنمية في الخرطوم والوسط النيلي مقابل تهميش دارفور وكردفان والشرق (Johnson, 2016).
كما أن النفط لم يحقق تنمية متوازنة بل عمّق الصراع (World Bank, 2013).
وقد أدى ذلك إلى:
تصاعد الحركات المسلحة.
تنامي الانفصال.
ضعف الهوية الوطنية.
صراعات الأرض والموارد.
تآكل الثقة.
لذلك يتطلب الاستقرار:
إصلاح توزيع الموارد.
العدالة المالية.
تعزيز الحكم المحلي.
توزيع الإيرادات بعدالة.
تنمية المناطق المهمشة.
تحسين البنية التحتية.
ويرتبط ذلك بإصلاح اقتصادي يمنع إعادة إنتاج المركزية.
إعادة إعمار المناطق المتأثرة بالحرب.
أدت الحروب خاصة منذ 2023 إلى دمار واسع للبنية التحتية.
وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى:
نزوح ولجوء أكثر من 10 ملايين.
انهيار الصحة.
تدمير التعليم.
تراجع الاقتصاد.
تدهور الإنتاج.
انهيار الخدمات (UN OCHA, 2024).
وتعرضت الخرطوم لدمار في:
الكهرباء والمياه.
المستشفيات.
المؤسسات الحكومية.
البنوك.
الطرق والجسور.
الجامعات.
لذلك تتطلب المرحلة:
إعادة بناء البنية التحتية.
تأهيل التعليم والصحة.
تشغيل الخدمات.
دعم المتضررين.
إعادة دمج النازحين.
تنشيط الاقتصاد.
وتعد الإعمار أساساً لبناء الثقة ومنع العنف.
وتؤكد تجارب رواندا والبوسنة وسيراليون ارتباط الإعمار بالمصالحة (Collier, 2009).
تقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي.
توضح أدبيات “لعنة الموارد” أن الاقتصاد الريعي يضعف الديمقراطية ويعزز الفساد (Ross, 2012).
في السودان ارتبط الاقتصاد بـ:
النفط.
الذهب.
المساعدات.
الامتيازات.
الاقتصاد العسكري.
وأدى إلى:
ضعف التنوع.
تراجع الزراعة والصناعة.
انتشار الفساد.
ضعف الضرائب.
تركز الثروة.
اتساع غير الرسمي.
كما أدى التعدين إلى:
تمويل جماعات مسلحة.
نزاعات محلية.
تهريب الموارد.
ضعف الرقابة.
لذلك يتطلب الاستقرار:
تنويع الاقتصاد.
تطوير الزراعة والصناعة.
إصلاح الضرائب.
تنظيم التعدين.
دمج الاقتصاد غير الرسمي.
تقليل المساعدات.
تعزيز الشفافية.
كما يدعم ذلك:
خفض الفقر.
تعزيز الاستقرار.
توسيع الطبقة الوسطى.
تقليل العنف.
دعم التشغيل.
وتشير الدراسات إلى ارتباط البطالة بالعنف (World Bank, 2011).
في السودان أدى الانهيار إلى:
بطالة مرتفعة.
ضعف فرص العمل.
هجرة ونزوح.
توسع غير الرسمي.
تدهور المعيشة.
وزادت الحرب التضخم وانعدام الأمن الغذائي.
لذلك يتطلب الاستقرار:
دعم المشاريع الصغيرة.
التنمية الريفية.
خلق وظائف.
تمكين النساء.
تطوير الزراعة.
تعزيز الصناعة.
دعم الاقتصاد المجتمعي.
وتسهم التنمية في:
تقليل التفاوت.
خفض النزاعات.
تعزيز المشاركة.
تقوية الدولة.
والانتخابات دون عدالة اقتصادية لا تحقق الاستقرار (Acemoglu and Robinson, 2012).
توصيات اجتماعية وثقافية
تعزيز برامج المصالحة الوطنية.
تشير الدراسات إلى أن الاستقرار لا يتحقق دون معالجة آثار الحروب (Lederach, 1997).
في السودان تعمقت الانقسامات في:
جنوب السودان قبل الانفصال.
دارفور.
جنوب كردفان.
النيل الأزرق.
شرق السودان.
ومناطق النزوح.
وأدت حرب 2023 إلى تصاعد خطاب الكراهية.
وتشير IOM إلى نزوح واسع وتفكك اجتماعي (IOM, 2024).
لذلك يجب:
الحوار المجتمعي.
العدالة الانتقالية.
جبر الضرر.
الاعتراف.
إعادة الدمج.
دعم التعايش.
إعادة الثقة.
ويشمل ذلك:
القيادات التقليدية.
النساء.
الشباب.
النازحين.
المجتمع المدني.
الحركات المسلحة.
المؤسسات الدينية.
وتحتاج المصالحة لتوازن بين العدالة والاستقرار (Bloomfield, 2003).
إصلاح المناهج التعليمية لترسيخ قيم المواطنة.
يمثل التعليم أداة لبناء الهوية الوطنية (Anderson, 1983).
في السودان تأثرت المناهج بـ:
الحروب.
ضعف التمويل.
التفاوت.
تدهور البنية.
النزوح.
ضعف المعلمين.
كما واجهت انتقادات:
ضعف التنوع.
المركزية.
التسييس.
ضعف التربية المدنية.
وأدت الحرب إلى إغلاق مدارس وتعطيل التعليم (UNICEF, 2024).
لذلك يجب:
إصلاح المناهج.
تعزيز المواطنة.
حقوق الإنسان.
احترام التنوع.
التسامح.
تطوير التعليم بالمناطق المهمشة.
تقليل الفجوات.
كما يجب أن تقوم الجامعات بـ:
نشر الديمقراطية.
دعم الحوار.
تدريب الكوادر.
إنتاج المعرفة.
دعم حل النزاعات.
وتظهر التجارب أهمية المبادرات المحلية (Richmond, 2005).
في السودان ترتبط النزاعات بـ:
الأرض والمياه.
الموارد.
ضعف الإدارة.
انتشار السلاح.
التغير المناخي.
التهميش.
التدخلات.
ولعبت الإدارة الأهلية أدواراً في:
الوساطة.
إدارة النزاع.
تنظيم الرعي والزراعة.
حل النزاعات.
لكن تسييسها أضعف حيادها.
لذلك يتطلب الاستقرار:
المصالحات المحلية.
الوساطات.
تعزيز الإدارة.
تنظيم الموارد.
إشراك النساء والشباب.
ربط المحلي بالدولة.
دمج الهياكل التقليدية دون إضعاف القانون.
تمكين النساء والشباب سياسياً واقتصادياً.
تشير الدراسات إلى ضعف تمثيل النساء والشباب رغم كثافتهم (UN Women, 2022).
في السودان شاركوا في ثورة 2018 عبر:
المظاهرات.
لجان المقاومة.
المبادرات.
الحقوق.
الإغاثة.
لكن التمثيل ظل محدوداً بسبب:
التقاليد.
ضعف الأحزاب.
التهميش.
العنف.
القيود.
كما أثرت الحرب عليهم عبر:
النزوح.
فقدان التعليم والعمل.
العنف الجنسي.
التجنيد.
تدهور المعيشة.
لذلك يتطلب الاستقرار:
كوتا.
تمكين سياسي.
تدريب.
تمكين اقتصادي.
فرص عمل.
حماية من العنف.
دعم قيادات جديدة.
ويسهم ذلك في:
تجديد النخب.
تقليل العنف.
تعزيز المشاركة.
دعم الاستقرار.
وتؤكد تجارب رواندا وتونس وجنوب أفريقيا ذلك (Tripp, 2015).
بناء ثقافة سياسية تقوم على المواطنة بدلاً من الهويات الفرعية.
تُعد أزمة الهوية من أبرز تحديات السودان (Deng, 1995).
وقد تعمقت بسبب:
السياسات المركزية.
التفاوت.
الحروب.
التهميش.
ضعف المؤسسات.
تسييس الهوية.
كما ارتبطت الأحزاب بالطائفية والقبلية أكثر من البرامج.
لذلك يتطلب الاستقرار:
المواطنة.
التنوع.
مؤسسات قومية.
إعلام مستقل.
ثقافة ديمقراطية.
أحزاب برامجية.
عدالة اجتماعية.
كما يجب أن تقوم الهوية على دولة عادلة.
وتشير تجارب الدول إلى أن بناء المواطنة يحتاج إصلاحات طويلة المدى (Habermas, 1996).
