“طَقتْ طلَعتْ….طَقتْ طَلعتْ !” .. بقلم: مجدي إبراهيم محجوب/قاضٍ سابق
كان ذلك في أو حوالي الربع الثالث من العام 1988 ؛ وفجاءة ، وبدون أية مقدمات أو إرهصات أو إشارات أو تنبيهات بحدوث أمرٍ جلل ، وقبل نهاية يوم عمل قضائي مضنٍ وشاق بمحكمة القاضي المقيم بمدينة الأُبيض ، والذي إنقضى جُله في تصريف إجراءات قانونية لمحاكم كبرى فإذا بي أسمعُ همساً يدور بين أفراد شرطة قاعة المحكمة بأنَ .. ” طقت طلعت..طقت طلعت ! “. لم أنتبه كثيراً لهذه العبارات أو معناها بأن طقت قد طلعت ، وواصلت عملي منكباً على ألأوراق و المستندات التي أمامي ، ولكن الهمس الذي كان يدور تحول إلى أصواتٍ عالية، ومن ثم إلى صراخ ، وحالة من التحفز بين أفراد شرطة المحكمة وجمهرة المتاقضين خارج المحكمة ، وعندما رفعت رأسي للإستفسار عما يدور حولنا كان السيد/ قاضي مديرية شمال كردفان يقف أمامي مباشرة ، وبشحمه وعظمه ولحمه وطوله الفارع ، ووجه حديثة لي مباشرةً وبلهجة آمره : طقت طلعت..طقت طلعت..تحرك الآن والشرطة في إنتظارك بالخارج..والله يكون في عونك.. جميع القضاة إعتذروا فقد إستشعروا حرجا لأنهم من مدينة الأُبيض..عليك أن تذهب الآن مع الشرطة لتفرقة المظاهرات .. تحرك الآن ..وأترك أي إجراءات أمامك.. !” ؛ ثم إنسرب مهرولاً خارج قاعة المحكمة ، وخرجت أيضا مهرولاً خلفه ، وهرول خلفنا رجال شرطة المحكمة وشرطة البلاغات وشرطة الحراسات وبعض جنود سجن مدينة الأبيض وجمهرة المتاقضين ، وعند نهاية الممر المؤدي للبوابة الخارجية لمجمع محاكم الأُبيض شاهدت القمندان عميد الشرطة ومدير شرطة مدينة الأبيض يقف عند البوابة ، وما أن وصلناه حتى ردد لنا العبارة الغريبة لهذا اليوم الغريب ، وبصوتٍ كالصاعقة …” طقت طلعت..طقت طلعت..!”.
كانت تلك أول مرة أُكلف فيها بالخروج مع رجال الشرطة للإشراف على تفرقة مظاهرات وتجمعات غير مشروعة تُهدد السلم والأمن والطمأنينة العامة ، ولم تكن سنوات خبراتي في العمل القضائي قد تجاوزت الستُ سنوات وكنت قد أنفقت معظمها في العمل بالمحاكم المدنية. وهكذا وجدت نفسي محشوراً بين القمندان والسائق ، وخلفنا يقف رتل من سيارات وكوامر الشرطة ، وكانت حوالي السبعُ أو ثماني سيارات كبيرة ، وبها المئات من رجال الشرطة بكامل عدتهم وعتادهم وسلاحهم ، وقبل أن يتحرك الموكب بادرت القمندان بسؤالٍ بدأ متأخراً بعض الشيء :
تجاوز موكب سيارات الشرطة مدينة الأبيض منطلقا نحو مدرسة خور طقت الثانوية العليا للبنين، في الشمال الشرقي للمدينة ، وتبلغ المسافة ما بين المدينة والمدرسة حوالي العشرة كيلومترات ، وسط هدوء وسكون يلف السهل الأخضر المنبسط ، وتُشاهد فيه أشجار التبلدي الضخمة الشامخة والهشاب المخضرة متناثرة في فوضى بديعة ؛ أين هي المظاهرات ؟ كان هذا سؤالي وألقى القمندان بقنبلةٍ ، وبمكر ، وبإبتسامة أكثر مُكراً :
ولم أنتظره ليُعقب أو يرد ؛ وذهبت وحدي نحو البوابة الرئيسية للمدرسة ، وكلما إقتربت أصبحت الهتافات مسموعة وأكثر وضوحاً..أصوات هتافات وصياح مجموعة من الطلاب المتجمهرين خلف البوابة..هتافات على شاكلة ” الدم .. الدم .. لكلاب الأمن” ..” مدرسة حرة أو لا مدرسة”….”يا بوليس ماهيتك كم ؟”..الخ.
ومرت بضع ثوانٍ كأنها الدهر كله ، وتنفس خلالها حضرة الناظر الصُعداء. وقام بسحب كرسي من خلفه وجلس عليه. ولم يقل لي حتى تفضل. وقمت بسحب كرسيٍ آخر وجلست عليه ، ووجهت كلامي له :
وجالت بذهني خاطرة من معطيات السؤال والرد الصامت عليه أنه لربما كان هذا الثلاثي المكون من الحاكم وقمندان الشرطة وحضرة الناظر من ضمن طلاب هذه المدرسة العريقة ..ومن ضمن طلاب داخلياتها في سنة ما وفي يوم ما..وكان أحدهم ” سنيورأً ” والثاني أو الثالث ، أو الإثنان معا ” جنيورز” ربما حدثت بينهما خلافات ما في السياسة ربما ولسبب ما.. ولربما كان من بينهم احد ” الإيواكسات “- الطلاب الوشاه للإدارة – ربما كانت بينهم منافسات ما ..في دراسة أو رياضة..أو رياضيات أو علوم وقررت أن أمضي أكثر ولما لا فقد ذاب الجليد بيننا تماماً وأشعرني حضرة الناظر بثقته في ، فسألته :
غرق كلانا في أفكاره ، وتحليلاته ، وكان يقطع صمتنا الرهيب أصوات وصراخ الطلاب وهتافاتهم وذلك بعد أن تسلل بعض أفراد الشرطة عبر فتحة أحدثوها في سور الأسلاك الشائكة من الجانب اليمين للبوابة.. يا إلهي هذا ما كنت أخشاه تماماً.. أن تحدث مجزرة..مذبحة داخل حرم المدرسة.. فالطلابُ أيضا كانوا مسلحين بالعصي والسيخ والسكاكين.. لا لن أسمح بحدوث ذلك وأنا على قيد الحياة ، وهرعت نحو البوابة وإستخدمت المايكرفون الداخلي للإذاعة المدرسية وخاطبت القمندان وأفراد قوته :
والآن ؛ إلى جميع طلاب مدرسة خور طقت الثانونية العليا للبنين ، دفعات الأعوام 87/88/89 ؛ أنتم مدينون لي بألفين من الجنيهات السودانية القديمة ، مجتمعين ومنفردين ، وأرجو سداد هذا المبلغ لي فوراً، وبسعر صرف هذه الأيام !
مجدي إبراهيم محجوب
مجدي إبراهيم محجوب
لا توجد تعليقات
