إعادة تقييم أصول المصارف في السودان: هل تكشف الحقيقة أم تنقذ النظام المصرفي؟

إعادة تقييم أصول المصارف في السودان: هل تكشف الحقيقة أم تنقذ النظام المصرفي؟
قراءة في قرار بنك السودان بإعادة تقييم الأصول ودلالاته على مستقبل النظام المالي بعد الحرب
عمر سيد احمد
O.sidahmed@gmail.com
خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل
مارس 2026
بعد سنوات من الاختلالات البنيوية وصدمة الحرب التي أصابت القطاع المالي في الصميم، أصدر بنك السودان المركزي توجيهات بإعادة تقييم أصول المصارف وفق معايير مستقلة. وبينما تبدو الخطوة ضرورية لاستعادة الشفافية وكشف الواقع المالي الحقيقي للمصارف، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الخطوة بداية إصلاح حقيقي للنظام المصرفي، أم أنها مجرد تشخيص متأخر لأزمة أعمق تضرب بنية الاقتصاد السودان
أشارت صحيفة إيلاف في تقرير حديث إلى أن بنك السودان المركزي أصدر توجيهات جديدة للمصارف والمؤسسات المالية تقضي بإعادة تقييم الأصول الثابتة وفق معايير مهنية مستقلة، في خطوة تهدف إلى معالجة آثار الحرب وتعزيز الشفافية وتهيئة القطاع المصرفي لمرحلة إعادة الهيكلة والإصلاح. ووفقاً للتقرير، فإن فروقات التقييم السالبة المتوقعة قد تكشف الحاجة إلى دعم رأس المال أو إعادة هيكلة بعض المصارف، بما يمهّد الطريق لإعادة بناء الثقة في الجهاز المصرفي والانطلاق نحو مرحلة التعافي الاقتصادي.
ولا يقتصر القرار – كما يشير التقرير – على كونه إجراءً محاسبياً بحتاً، بل يحمل أبعاداً اقتصادية وإصلاحية أوسع. فقد ألزم البنك المركزي المصارف بالاستعانة ببيوت خبرة مستقلة لإجراء عمليات التقييم، مع الالتزام بالمعايير المحاسبية الدولية، وتقديم تقارير مفصلة للبنك المركزي حول منهجية التقييم ونتائجه وآثاره على القوائم المالية. كما احتفظ البنك المركزي بحق مراجعة التقييمات أو طلب إعادة التقييم عند الضرورة، في محاولة لتعزيز مستويات الإفصاح والرقابة.
غير أن هذا القرار يأتي في سياق استثنائي يواجه فيه النظام المصرفي السوداني تحديات غير مسبوقة نتيجة الحرب. فقد تضررت أصول مصرفية عديدة، وتعرضت بعض الفروع والبنى التحتية للتدمير أو التعطيل، كما تراجع النشاط الاقتصادي وتعرضت سلاسل الإمداد والعمليات التشغيلية لاضطرابات حادة. وتشير التقديرات إلى أن كثيراً من القيم الدفترية للأصول لم تعد تعكس الواقع الاقتصادي الفعلي، ما يجعل إعادة التقييم خطوة ضرورية لإعادة بناء صورة مالية أكثر دقة عن أوضاع المصارف.

مع ذلك، فإن أهمية القرار لا تكمن فقط في نتائجه المحاسبية، بل في الأسئلة التي يثيرها حول مستقبل النظام المصرفي السوداني نفسه. فإذا كانت إعادة تقييم الأصول ستكشف الحجم الحقيقي للخسائر والفجوات الرأسمالية في بعض المصارف، فإن السؤال الأساسي يصبح: هل تكفي هذه الخطوة وحدها لإنقاذ نظام مصرفي تعرض لصدمة هيكلية عميقة بفعل الحرب وتراكمات عقود من الاختلالات المؤسسية؟
ينطلق هذا المقال من هذا السؤال، محاولاً تحليل ما إذا كانت عملية إعادة تقييم الأصول تمثل بداية إصلاح حقيقي للجهاز المصرفي، أم أنها مجرد خطوة تقنية تكشف عمق الأزمة دون أن تعالج جذورها.
أولاً: خلفية الأزمة — كيف وصل النظام المصرفي السوداني إلى حافة الانهيار؟
لفهم دلالات القرار الأخير، لا بد من وضعه في سياق الأزمة البنيوية التي يعاني منها النظام المصرفي السوداني منذ سنوات طويلة. فالمشكلة لا ترتبط فقط بتراجع قيمة بعض الأصول نتيجة الدمار المادي أو تعطل النشاط الاقتصادي، بل تعود جذورها إلى اختلالات هيكلية تراكمت عبر عقود داخل بنية الاقتصاد السياسي للدولة.
خلال العقود الثلاثة الماضية، نشأ جزء كبير من الجهاز المصرفي في بيئة اقتصادية اتسمت بدرجة عالية من التداخل بين السلطة السياسية والمؤسسات المالية. فقد أدى نمط اقتصاد التمكين الذي ساد خلال سنوات حكم الإنقاذ إلى توسع عدد المصارف دون أن يقابله تطور مماثل في معايير الحوكمة وإدارة المخاطر. وبدلاً من أن يقوم القطاع المصرفي بدوره الطبيعي في تخصيص الموارد بكفاءة، أصبح في كثير من الأحيان أداة لإعادة توزيع الريع الاقتصادي داخل شبكات السلطة والنفوذ.
ومع مرور الوقت انعكس هذا الواقع في ضعف رسملة عدد من المصارف وارتفاع درجة التركّز في محافظ التمويل، إضافة إلى اعتماد بعض المؤسسات المصرفية على علاقات سياسية أكثر من اعتمادها على أسس مصرفية سليمة. كما واجه القطاع المصرفي السوداني تحديات أخرى تمثلت في العزلة النسبية عن النظام المالي العالمي نتيجة العقوبات الطويلة، وما ترتب عليها من تراجع العلاقات مع البنوك المراسلة وارتفاع تكاليف الامتثال المالي.
وعندما اندلعت الحرب، وجدت هذه البنية الهشة نفسها أمام صدمة مزدوجة. فقد تعرضت أصول مادية مهمة للتدمير أو التعطيل، بما في ذلك الفروع المصرفية والبنى التحتية المرتبطة بالنظام المالي. وفي الوقت نفسه تراجع النشاط الاقتصادي بصورة حادة وتعطلت العمليات المصرفية اليومية في مناطق واسعة من البلاد.
كما تعرضت الثقة العامة في النظام المصرفي لاهتزاز كبير، حيث واجه المودعون صعوبات في الوصول إلى مدخراتهم، وتوسع الاقتصاد النقدي خارج القنوات الرسمية، وهو ما أدى إلى تقلص دور المصارف في الوساطة المالية.

ثانياً: ماذا ستكشف إعادة تقييم الأصول فعلياً؟
عندما تبدأ المصارف في إعادة تقييم أصولها وفق معايير مهنية مستقلة، فمن المرجح أن تظهر فروقات تقييم سالبة في ميزانيات عدد من المؤسسات المصرفية. وهذه الفروقات قد تعكس تراجع القيمة السوقية للعقارات والمقار التشغيلية أو المعدات التي تضررت خلال الحرب أو فقدت جزءاً من قيمتها الاقتصادية.
لكن الأثر الحقيقي لهذه العملية يتجاوز مجرد تعديل الأرقام في القوائم المالية. فقد يؤدي انخفاض قيمة الأصول إلى تآكل حقوق الملكية في ميزانيات بعض المصارف، وربما يكشف عن فجوات رأسمالية كبيرة كانت مخفية خلف القيم الدفترية القديمة.
وفي الحالات الأكثر حدة، قد تظهر بعض المصارف في وضع ملاءة سالب، أي أن قيمة التزاماتها تتجاوز قيمة أصولها. وفي مثل هذه الحالات يصبح استمرار المصرف في العمل دون إعادة رسملة أو إعادة هيكلة أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن إعادة التقييم قد تكشف عن مبالغة في تقدير بعض الضمانات العقارية المستخدمة مقابل التمويل، وهو ما يرفع من حجم المخاطر الائتمانية في النظام المصرفي.
وبذلك فإن إعادة التقييم تمثل في جوهرها عملية تشخيص مالي قد تكشف الحجم الحقيقي للخسائر التي تكبدها القطاع المصرفي خلال سنوات الأزمة والحرب.
ثالثاً: لماذا لن تنقذ إعادة التقييم وحدها النظام المصرفي؟
على الرغم من أهمية هذه الخطوة، فإنها لا تكفي بمفردها لإنقاذ النظام المصرفي السوداني. فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في القيم الدفترية للأصول، بل في أزمة الثقة والبنية الاقتصادية التي يعمل داخلها القطاع المالي.
فالحرب أدت إلى توسع الاقتصاد النقدي خارج النظام المصرفي، حيث أصبحت التعاملات المباشرة بالسيولة أكثر شيوعاً نتيجة تعطل الخدمات المصرفية في كثير من المناطق. كما أن قطاعات اقتصادية مهمة، مثل تجارة الذهب وبعض الأنشطة التجارية غير المنظمة، تعمل إلى حد كبير خارج الإطار المؤسسي للنظام المالي.
وفي ظل هذه الظروف تضعف قدرة المصارف على أداء دورها التقليدي في الوساطة المالية بين المدخرين والمستثمرين.
كما أن إعادة بناء العلاقات مع النظام المالي العالمي تمثل تحدياً إضافياً، إذ تتطلب مستويات عالية من الشفافية والامتثال للمعايير الدولية، وهو ما يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية أعمق من مجرد إعادة تقييم الأصول.

رابعاً: ما الذي يجب أن يحدث فعلاً لإعادة بناء النظام المصرفي؟
إذا كانت إعادة تقييم الأصول تمثل خطوة أولى في تشخيص أوضاع المصارف بعد الحرب، فإن المرحلة التالية يجب أن تشمل برنامجاً شاملاً لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
أول هذه الخطوات يتمثل في إعادة رسملة المصارف القابلة للاستمرار، سواء عبر مساهمات الملاك أو إدخال مستثمرين جدد أو من خلال دعم حكومي أو دولي في إطار برامج إعادة الإعمار.
كما قد يصبح دمج بعض المصارف خياراً ضرورياً لتعزيز الكفاءة وتقليل التكاليف التشغيلية، وربما تصفية المؤسسات التي يتعذر إنقاذها دون تحميل النظام المالي أعباء إضافية.
ويظل إصلاح الحوكمة والرقابة المصرفية شرطاً أساسياً لنجاح هذه العملية، إذ لا يمكن إعادة بناء الثقة في النظام المالي دون تعزيز الشفافية واستقلالية القرارات الائتمانية.
إلى جانب ذلك، سيكون من الضروري إعادة بناء البنية التحتية المالية وتحديث أنظمة الدفع والخدمات المصرفية الرقمية، إضافة إلى إعادة دمج المصارف السودانية في النظام المالي العالمي عبر الالتزام بالمعايير الدولية للامتثال والشفافية.
ومع ذلك، فإن نجاح أي برنامج لإعادة هيكلة القطاع المصرفي لن يعتمد فقط على وضوح السياسات أو توفر الإرادة الإصلاحية، بل أيضاً على القدرة العملية لتنفيذ الخطوات الفنية المطلوبة في بيئة ما تزال تعيش حالة حرب وعدم استقرار.
إشكالية التقييم في ظل حرب مستمرة
لكن ثمة سؤال عملي لا يقل أهمية عن الجوانب الفنية للقرار: كيف يمكن تنفيذ عملية تقييم شاملة للأصول المصرفية في ظل حرب ما تزال مستمرة للعام الثالث؟
فإعادة تقييم الأصول وفق المعايير المهنية الدولية تتطلب في العادة شروطاً أساسية مثل الاستقرار النسبي للأسواق، وإمكانية الوصول الميداني إلى الأصول، وتوفر بيانات سوقية يمكن الاستناد إليها في تحديد القيمة العادلة. غير أن كثيراً من هذه الشروط تبدو غائبة في الحالة السودانية الحالية.
فجزء من الأصول المصرفية يقع في مناطق شهدت دماراً واسعاً أو ما تزال تشهد اشتباكات متقطعة، ما يجعل الوصول إليها أو تقييم حالتها الفعلية أمراً بالغ الصعوبة. كما أن الأسواق العقارية والتجارية التي يعتمد عليها المقيمون في تحديد القيم السوقية تعاني من حالة ركود واضطراب شديدين، الأمر الذي يجعل تقدير الأسعار الحقيقية مسألة تقديرية أكثر منها قياساً دقيقاً.

يضاف إلى ذلك أن إعادة التقييم في اقتصاد يعيش حالة عدم يقين عميقة قد تعكس قيماً مؤقتة مرتبطة بظروف الحرب أكثر مما تعكس القيمة الاقتصادية طويلة الأجل للأصول. ففي مثل هذه الحالات قد تتغير القيم السوقية بصورة كبيرة بمجرد تحسن الأوضاع الأمنية وعودة النشاط الاقتصادي.
لذلك فإن عملية إعادة التقييم، على أهميتها، ستظل في جانب منها تقديراً أولياً لأوضاع غير مستقرة، وهو ما يفرض على السلطات النقدية التعامل مع نتائجها بحذر، وربما اعتبارها مرحلة انتقالية تمهّد لتقييمات أكثر دقة في مرحلة ما بعد توقف الحرب واستقرار الأسواق.
خاتمة
في نهاية المطاف، قد تكشف عملية إعادة تقييم الأصول أكثر مما كان يتوقعه صناع القرار. فهي لن تكتفي بإعادة ترتيب الأرقام في القوائم المالية، بل قد تضع النظام المصرفي السوداني كله أمام لحظة مواجهة مع حقيقته الاقتصادية والمؤسسية. وإذا كانت هذه العملية ستظهر الحجم الحقيقي للفجوات الرأسمالية والخسائر المتراكمة، فإن قيمتها الحقيقية تكمن في ما سيأتي بعدها: القرارات الصعبة التي لا يمكن تجنبها.
فإما أن تتحول هذه الخطوة إلى نقطة انطلاق لإعادة بناء نظام مصرفي أكثر صلابة وشفافية، قائم على قواعد الحوكمة والكفاءة الاقتصادية، وقادر على دعم إعادة إعمار الاقتصاد السوداني؛ أو أن تظل مجرد إجراء تقني يكشف الأزمة دون أن يعالج جذورها.
إن ما يواجه السودان اليوم ليس مجرد أزمة مصرفية، بل أزمة نظام اقتصادي كامل تشكل عبر عقود من التشوهات البنيوية والاعتماد على اقتصاد الريع والسلطة. ولذلك فإن إصلاح القطاع المصرفي لا ينبغي أن يُفهم كإصلاح مالي محدود، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة الاقتصادية نفسها.
وفي هذا السياق، قد تكون إعادة تقييم الأصول خطوة صغيرة في ظاهرها، لكنها قد تصبح – إذا أُتبعت بالإصلاحات الضرورية – بداية التحول الحقيقي نحو نظام مالي جديد يواكب مرحلة ما بعد الحرب ويعيد الثقة في مؤسسات الاقتصاد السوداني

عن عمر سيد احمد

شاهد أيضاً

السودان: من الدولة الريعية إلى اقتصاد الحرب .. رحلة سبعين عامًا من التآكل المؤسسي

عمر سيد احمدخبير مصرفي وتمويل وماليEmail: o.sidahmed09@gmail.com 2026 فبرايرفي قلب أزمة السودان المعاصرة، تكمن قصة …