إعادة صلاحيات الاعتقال والتفتيش والحجز والحصانات لجهاز المخابرات العامة خطوة في سبيل دعم الأمن أم انتكاسة؟

 


 

 

في خطوة جديدة لتمكين الأجهزة الأمنية من الصلاحيات التي تدعم قدرتها على التصدي للمعارضة فقد أصدر السيد عبد الفتاح البرهان بصفته رئيساً لمجلس السيادة، أمر الطوارئ رقم (3) لسنة 2021 بتفويض سلطات والقبض على الأشخاص ومنح حصانات. ونص الأمر على منح الأجهزة الأمنية ومن بينها جهاز المخابرات العامة عدداً من الصلاحيات، تشمل القبض والحجز والتفتيش، كما حصن أعمالها بحصانات إجرائية. وهذا الأمر انتكاسة في مجال القواعد التي تنظم الحريات العامة، وتحمي من القيود على حقوق الأفراد والجماعات، ويهدد بإلغاء المكتسبات التي حققتها ثورة ديسمبر ومارسها الشعب من ناحية عملية في مجال حقوق الانسان.
تلعب المخابرات العامة دوراً أساسياً في تثبيت دعائم الأمن العام حيث تقوم على جمع وتحليل المعلومات حول التهديدات التي تواجهها الدولة وسكانها وتقديمها للحكومة، ومن ثم يتيح الفرصة لوضع سياسة أمنية لمقابلة المخاطر المحدقة بها، وقد ظلت الصلاحيات التي تمتع بها جهاز المخابرات العامة بما في ذلك صلاحيات القبض والتفتيش والحجز محل جدال، من حيث استحقاقه لها من ناحية نظرية وعملية، خاصة في ظل الانتهاكات الصادمة التي قام بها بعض منسوبيه. وأتاح التغيير السياسي بعد ثورة ديسمبر فرصة إلقاء الضوء على الممارسات التي كانت تتم بالمخالفة للقوانين ولمعايير حقوق الانسان، وكانت أكبر حزمة ضوء في هذا المضمار، إدانة ما يزيد على عشرين عضواً بتعذيب وقتل الشهيد أحمد الخير، والحكم عليهم بالإعدام، وقد حصل الحكم على التأييد في كل مراحله بما في ذلك دائرة المراجعة في المحكمة العليا.
استقر الرأي بعد ثورة ديسمبر على إصلاح التشريعات التي تحكم جهاز المخابرات العامة، ووضعه في إطاره الصحيح الذي يعبر عن المهمة الموكلة له، فتم تغيير اسمه من جهاز الأمن الوطني إلى جهاز المخابرات العامة، وحددت الوثيقة الدستورية مهامه في المادة رقم (37) فأوردت: (جهاز المخابرات العامة جهاز نظامي يختص بالأمن الوطني وتقتصر مهامه على جمع المعلومات تعديلها وتقديمها للقوات المختصة ويحدد القانون واجباته ومهامه ويخضع للسلطتين السيادية والتنفيذية)
على إثر هذا النص الدستوري تم إعادة النظر في القانون الذي يحكم صلاحيات جهاز الأمن من ناحية تشريعية، فصدر قانون التعديلات المتنوعة لسنة 2020، الذي ألغى المادة (25) من قانون الأمن الوطني لسنة 2010 والتي وردت تحت عنوان سلطات الجهاز، وتضمنت حق الجهاز في (طلب المعلومات أو البيانات أو الوثائق أو الأشياء من أي شخص والاطلاع عليها، أو الاحتفاظ بها ، أو اتخاذ ما يراه ضرورياً أو لازماً بشأنها ، و استدعاء الأشخاص واستجوابهم وأخذ أقوالهم ، والرقابة والتحري والتفتيش و حجز الأموال و قبض وحجز الأفراد)، واستعاضت عن كل هذا بنص محدد قصر سلطات جهاز الأمن في طلب المعلومات وهو (يجوز للجهاز طلب المعلومات أو البيانات أو الوثائق أو الأشياء من أي شخص والاطلاع عليها أو الاحتفاظ بها). وقد وضع هذا النص جهاز المخابرات في موضعه الصحيح، باعتباره جهة مهمتها جمع المعلومات وليس الانخراط في الأعمال التنفيذية الخاصة بالأمن.
بحجب صلاحيات القبض والحجز والتفتيش عن أعضاء جهاز المخابرات فقد استقر أنه لم تعد هناك قيمة ترجى من الحصانات الإجرائية والموضوعية التي تمتع بها أعضاء جهاز الأمن، ومن ثم فقد عمد قانون التعديلات المتنوعة (إلغاء وتعديل الأحكام المقيدة للحريات) لسنة 2020 إلى إلغاء هذه الحصانات فنص على إلغاء المادة (52) والتي تضمنت حصانات موضوعية وحصانات إجرائية، تمتع بها أعضاء الجهاز
فمن الحصانات الموضوعية التي تم إلغاؤها اعتبار الأفعال التي تصدر عن عضو الجهاز جريمة إذا صدرت بحسن نية أو بسبب أداء أعمال وظيفته أو القيام بأي واجب مفروض عليه أو عن فعل صادر منه بموجب أي سلطة مخولة أو ممنوحة له بمقتضى القانون أو أوامر بموجبه ما دام أن ذلك الفعل في حدود الأعمال أو الواجبات المفروضة عليه وفق السلطة المخولة له بموجب قانون الأمن الوطني. أما أهم الحصانات الإجرائية التي ألغيت فتشمل عدم إمكانية اتخاذ أي إجراءات جنائية أو مدنية ضد عضو في الجهاز أو متعاون معه إلا بموافقة مدير عام الجهاز.
لم يرجع أمر الطوارئ رقم (3) الحصانات الموضوعية لأعضاء الجهاز وغض النظر عنها، وإنما أعاد لهم الحصانات الإجرائية وأعلى من سقف رفعها إلى مستوى أعلى مما كانت عليه. فقد كانت ترفع بموجب قرار من رئيس الجهازـ أما بموجب أمر الطوارئ رقم (3) المذكور فلا يجوز رفعها إلا بموجب إذن من رئيس مجلس السيادة أو من يفوضه. فنصت المادة (6) من الأمر على (لا يجوز اتخاذ أية إجراءات في مواجهة أفراد الجهات النظامية التي تتولى تنفيذ قانون الطوارئ والسلامة العامة لسنة 1997 أو اللوائح أو الأوامر الصادر بموجبه إلا بإذن من رئيس مجلس السيادة أو من يفوضه وبعد مراعاة أحكام القوانين التي تحكم هذه القوات). وفي حالة عدم تفويض منح هذه الصلاحية لمنصب أقل فسيكون اتخاذ إجراءات جنائية أو مدنية ضد المتورطين في انتهاكات القانون من أعضاء جهاز المخابرات العامة أمراً معقداً جداً.
تظهر خطورة الصلاحيات الجديدة التي منحت لجهاز المخابرات العامة سواء بتمكينه من سلطات الاعتقال والحجز والتفتيش أو إضفاء الحصانات شبه المطلقة على أفراده، من أنها تأتي في ظل إلغاء المواد (51) و(52) من قانون جهاز الأمن الوطني والمخابرات والتي كانت تقرر إجراءات محددة للتفتيش وتوضح المدد الزمنية للحجز والاعتقال وتبين حقوق المقبوض عليه أو الموقوف أو المعتقل، بما في ذلك حقه في إبلاغ أسرته أو الجهة التي يتبع لها باعتقاله، وتقرر كيفية معاملة النساء المعتقلات. وقد تم إلغاء هذه المواد بموجب قانون التعديلات المتنوعة (إلغاء وتعديل الأحكام المقيدة للحريات) لسنة 2020، باعتبار أنه لم يعد لها حاجة بسبب الغاء صلاحيات الاعتقال والحجز التي كان يتمتع بها الجهاز. أما الآن وبإعادة هذه الصلاحيات للجهاز دون أن يتبعها القواعد المنظمة التي تحتم عليه الامتثال الى معايير حقوق الانسان ووضع إطار واضح للتعامل مع المقبوض عليهم، فإن ذلك يشكل مخاطر واضحة على حقوق الانسان ويهدد بإعادة الوضع السابق الذي كان سائداً قبل ديسمبر 2019.

abuzerbashir@gmail.com

 

آراء