إلهام مجذوب رباح – “طيف جميل” سرعان ما رحل

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
الموت عندي وجود وحقيقة
الموت عندي ساعة الصفر ولحظة خروج الروح من الجسد
الموت عندي خروج الإنسان النهائي من دنيانا التي نفسها لها ساعة ولحظة صفر ستموت فيها..
الموت إنتهاء رحلة الحياة على قطار الزمن المحدود
الموت صيرورة الكائن الحي طيفاً من ذكريات وتاريخ يحكى عند اللزوم
صدق الله العظيم “كل نفس ذائقة الموت”
كم من وجوه عاصرتها بحكم مهنتي ، صحبتها وذويها ساعات معاناتها في المستشفيات. الأمل والرجاء بالتحسن والشفاء كثيرا ما كان يحدوهم. وإن كنت ألاطفهم لأخفف عنهم أذكر أن الحزن كان يكدر صفوي وأنا أغادر المستشفى لأن عند عودتي في اليوم التالي كنت أتوقع رحيل هذا وذاك ، كنت أعرف قرب الوداع وإن بقوا ليلتهم أحياء . فمنهم من كانت تطفوا على شفاههم إبتسامة ما هي إلا علامة الصبر على الألم أو علامة الشكر لما نقدم لهم من عناية والبعض منهم يعلم أن لحظات الرحيل قد دنت فيمسك أيدينا ويضغط عليها مودعاً. كثيراً ما نتأثر ، نغالب عواطفنا فنحن بشر، فالعواطف تأخذ مجراها غصبا عنا وإن نخفيها أمام مرضانا فالكثير منهم وذويهم الذين يتحلقون حولهم خلال تلك اللحظات الصعبة يحسون بذلك ويقدرون إنسانيتنا ومشاعرنا. وإن كنا لا نشبههم في كل شيء قد أتيناهم عبر المسافات والقارات فهدفنا وعملنا يعلمونه أنه إنساني ويحترموننا ويشكرون.
تلك المعاناة التي نعيشها في معالجة الحالات الصعبة وحرجة بمرور الزمن نعيش تجاربها في بيوتنا وأنفسنا ونحن نفاجأ بالرحيل المفاجئ السريع لأحد أفراد أسرتنا الأحباء أو الجيران والصحب الطيب الذي أفاض الله به علينا “فاكهة” يحلوا بها طعم الحياة رغم تعكر مياهها و تعكر صفو خاطر الزمن الغادر. اليوم نحزن والأسرة تودع في غربتها القسرية أعز الناس عندنا، فاكهتنا وريحانة حديقتنا التي كانت مزدهرة بوجودها، “السيدة أم محمد وصفاء وزينب” أبناء شقيقنا الراحل الدكتور علي عبدالمحمود العربي الذي خطفته الكورونا خطفة جائحة لم تمهل. صبرت على فراقه ثم فراق الوطن بسبب النزوح . رحلت عنا كلمح البرق الخاطف السيدة الفاضلة العفيفة اللطيفة الورعة والأم الرءوم إلهام مجذوب رباح ظهر الأمس الأربعاء في العناية المركزة لأحد مراكز العلاج بالقاهرة إثر علة جدا سريعة لم تمهلها أكثر من ستة وثلاثين ساعة. هي مثل كثيرين غيرها كان الأمل يحدوهم بالعودة إلى الوطن، وما كانوا يعلمون ولو حتى في الحلم أنهم سيموتون ويقبرون أثناء نزوحهم بعيدين عن تراب الوطن والبيوت التي آوتهم وعرفتهم والأهل الذين يحبونهم ويقفون معهم وقت الضيق والحاجة . إلهام من بيت راقي بكل المقاييس ، فوالدها الأستاذ التشكيلي مجذوب رباح كان قدوة في الرقي واللطف والمظهر والكرم والشجاعة ونكران الذات . إلهام وشقيقاتها تربين هكذا وعندما رحل والدهم عن دنيانا كانت من ورائه زوجته السيدة الفاضلة فاطمة بنت و دأحمد، أطال الله في عمرها ، حملت الراية وبكل صبر وشجاعة أكملت مسيرته التي خطها لأبنائه ليتخرجوا من الجامعات وقد تم ذلك بنجاح. إلهام وزوجها الراحل د. علي كانا زاهدين في الدنيا عندما كانا يعيشان في إنجلترا أثناء تدريب الأخ علي في تخصصه “الولادة أمراض النساء”، كان بيتهما محطة راحة كثيرين من السودانيين وغيرهم. لنا معهما ذكريات جميلة في لندن وفي الأبيض وأخيرا في الخرطوم. رحلا من دنيانا الفانية ولا يملكان دارا ولا عقارات ولا طوف سيارات ليتباهى بها الأبناء ، رحلا يحملان القناعة والرضا بما قسمه الله لهما ، وكان جل دخل المرحوم وزوجته يذهب إلى أيدي ذوي الحاجات. كانت تعلم أن زوجها كان يقوم بعمل العمليات الجراحية لبعض الضعفاء بدون مقابل فيسرها ذلك. أمس روحها الطاهرة عطرت السماء وتركت هي من ورائها سيرة عطرة وستظل ابتسامتها المشرقة التي تستقبل بها الصغار والكبار نوراً مشرقاً ينير ظلام أنفسنا التي أرهقها مثل غيرنا الحزن والأسى والنزوح. و الله فقدنا لعظيم، ولا نقول سوى الحمد لله و ما يرضيه ، إنا لله وإنا إليه راجعون . اللهم أغفر لها وأرحمها وأعف عنها وأكرم نزلها ووسع في قبرها واجعله روضة من رياض الجنة وأسكنها الفردوس الأعلى .لا حول ولاقوة إلا بالله العليّ العظيم. ربنا يجعل البركة في أبنائها وشقيقها الدكتور رباح بمكة المكرمة، و آمال ومولانا سامية والشقيقات ووالدتها.
شكرا لكل من إتصل بنا هاتفيا أو راسلنا معزياً ، نسأل الله السلامة والعافية وحسن الخاتمة للجميع ، وأن لا يريهم مكروها في عزيز لديهم. ويارب تجمع شمل كل السودانيين النازحين بسبب هذه الحرب اللعينة المنبوذة “فكثير منهم في أواخر العمر “في وطننا السودان فيه يسعد الجميع باللقيا وفيه يارب يتم حسن الخاتمة
عبدالمنعم
drabdelmoneim@yahoo.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذا العنوان، مع الاعتذار و”الإجلال”، هو “استيحاء “من عنوان …