إلى بعض ساكني الضفة الأخرى

 


 

عمر العمر
24 يناير, 2023

 

عدد من الإسلاميين ذوي الميول الإصلاحية يضخمون سلبيات المرحلة الانتقالية حد التخذيل بل يكاد بعضهم يرجح جمالية عهد الإنقاذ على المرحلة الراهنة. هم بذلك يتوغلون في الخطيئة مرتين. أُخراهما تتجسم في هذه المقاربة الظالمة. فالمرحلة الانتقالية لاتزال تقاوم في هشاشة تروس الإنقاذ ورزاياها السياسية، الإقتصادية والمجتمعية. بعضٌ من تلك التروس لا تزال عصية على الاقتلاع بحكم الزمن والتجذر ،بعضٌ له القدرة على فل الجهد المبذول بغية تجاوزه أو على الأقل تحييده. فميزان القوى لم يستقم بعد لقوى الثورة في ظل تمكن آليات الانقاذ بالإضافة إلى افتقاد هذه القوة إلى وحدة الخطاب والإرادة.
*****

أما أّولاهما فيتمظهر في محاولات هؤلاء الاصلاحيين التبرؤ من نكد الإنقاذ على الشعب إبان الثلاثين الطوال فلو امتطى دعاة الإصلاح من الإسلاميين صهوة الجدية في النضال وامتشقوا سيف الإرادة لكفوا الشعب والوطن شرور زمرة البشير ومن ثم تيسير عبور هذه المرحلة الدبغة. لكن تقاعس أولئك الدعاة و غلبة الوجل عليهم افسح الأفق أمام الجلاوزة غلاظ القلب والطبع ،مستبيحي المال العام ،مهدري خيرات الارض، مدمري بُنى الدولة، دولابها و ممزقي وحدة الشعب والوطن وسيادتهما.
*****

فعملية الإصلاح من الداخل أيسر من مهام إعادة البناء خاصة اذا تطلب الأمر تجديد التأسيس على قواعد وأعمدة خربة صدئة. فقوى الثورة لا تتصدى فقط لعناصر ثورة مضادة بل هي تواجه دولة متمكنة ذات جيش،اجهزة امن وخدمة مدنية متماسكة داخل شبكة مصالح واسعة متشعبة يغلب عيها الطابع الشخصي. كما ترث اجهزة دولة ينخرها الفساد حد العظم مترهلة بانعدام الكفاءة. لدعاة الإصلاح الإسلاميين مسؤولية في استفحال ذلك العجز و الفساد. صحيح دأبنا على سماع أصوات ناقدة من بعض الاسلاميين من حينٍ إلى آخر.لكنها ظلت أصواتًا حيية خافتة متناثرة لذلك لم يكن لها صدى. كما أنها لم تكن كلها نزيهة مبرأة من التلوث .
***

لكن أكثر ما يدمغ أولئك الدعاة بالخطيئة الرذيلة هو العجز عن تشكيل تيار دؤوب له القدرة على التأثير في المشهد الانقاذي. فحتى الأصوات المبرأة او المبعدة من أروقة صنع القرار لم تسطع تخليق كوابح للقوى المتوغلة في الخطايا الوطنية أو بناء مصد أمامها . الخياران ممكنان فيما لو نهض إصلاحيون بمبادرة من شأنها فرز تيار سياسي اصلاحي حقيقي له القول وله الصدى تحت ظلال إسلامي جوهري نظيف. تابعنا بشغف مساهمات الراحل الطيب زين العابدين ، كذلك كتابات التيجاني عبد القادر ، خالد التيجاني النور ،وباهتمام نقد حسن مكي ،وعبد الوهاب الافندي. لفتتنا مواقف غازي صلاح الدين المتباعدة المترددة ومحاولات أمين حسن عمر الوجلة كما انشغلنا بمتابعة تشكل حركات شبابية تشهق روحا شيقة للتغيير من نسيج سائحون. لكن كل ذلك الجهد تحول إلى فقاعات هوائية .مرد ذلك الإخفاق قبضة الاستبداد. لكن اصحاب تلك النزعات يتحملون قسطًا وافرًا من مسؤولية الفشل.
*****

ربما وحده الطيب زين العابدين أشاد جسرا للتواصل مع المعارضة على الضفة الأخرى بينما حرص الآخرون على التخندق في مواقعهم . حتى في نقدهم للسلطة حرصوا كذلك على التمسك ب(أنا وابن عمي على الغريب.) بل تعمدوا في كل الحالات والأحوال التقيّد ب(أنصر أخاك ظالمًا )لهذا ولتمكن التوجس منهم لم يجنح دعاة الإصلاح حتى بعد ثورة ديسمبر وتحت ظلالها إلى البروز في صيغة تيار سياسي ينزع لجهة التجديد في الممارسة الإسلامية . ربما دفعتهم طبيعتهم إلى تفادي أمواج الثورة .مثلما تجنبوا مصادمة جهابذة الاستبداد فبل الثورة. لكهم يميلون لجهة تضخيم اخطاء سلطة المرحلة الانتقالية على نقيض ما فعلوا تجاه خطايا الانقاذ . اكثر من ذلك بينهم من يراهن على عودة الانقاذ من تحت الرماد .بعض المساهمات ترى في المرحلة الانتقالية امتدادًا للإنقاذ في طبعة مغايرة ليس أكثر .ربما يجد المرء في أمثال المحبوب عبد السلام بعض العزاء.
*****

لعل الحلقة المفقودة وسط أولئك تتجسد في قيادات تجادل بالحسنى والمنطق تنزع إلى تأصيل الاستقامة الوطنية على الواقع اكثر من الانشغال بشأن تجذير الدين . هي في الوقت نفسه منزهة عن شهوة السلطة ، الافتنان بالجاه ، الامتيازات ، استباحة المال العام و رفع السلطان فوق الأخطاء والخطايا . احكام هذه الحلقة وحده يحقق للاصلاحيين من الاسلاميين الرجوع المؤثر على المسرح السياسي. هذا الضرب من الرؤى كفيل باسترداد المشروع الإسلامي من الطغاة المستبدين أولا ومن رعاة وشركاء الطبقة الطفيلية.هو في الوقت نفسه احد سبل كسب الجماهير خارج الولاءات الجهوية ، القبلية الطائفية.
*****

لابد من نقد فشل مشروع الانقاذ بجرأة تجرح عظم تحول التجربة في أبهى صورها إلى نسخة طائفية ونظام فاشي في أحط اشكاله. حتما يستدعي ذلك استقصاء ما طرأ على الحركة الإسلامية منذ نشأتها جماعة دعوة تنويرية تبث الهداية والتناصح حتى تحولها إلى قوة سياسية انقلابية شرسة لا تستحي من ممارسة الاحتكار ، الاضطهاد. هي فعلت ذلك في مجتمع يمارس السواد العظيم في صفوفه المعروف ويأمر به ويمتنع عن المكروه وينهى عنه كما ذكر الراحل حسن الترابي. كما لابد من الاعتراف بتحمل ذلك المشروع مسؤولية التردي الاقتصادي، الانحطاط الثقافي، تدني الوعي الاجتماعي ، وموات الروح الوطنية . ذلك هو السبيل لجهة الخروج من زمن الفتنة كما اسماه الترابي ،غمر الله قبره بالنور والمغفرة.

omar_khrtm@icloud.com
aloomar@gmail.com

 

آراء