إنتاج قياسي للذهب بلا سيادة تستثمره

نزار عثمان السمندل

يتقدّم الذهب في المشهد السوداني ككائنٍ صلدٍ لا تعبأ خطواته بحطام المدن ولا بصليل المعارك. يعلو بريقه في زمن الانكسار، ويصعد إنتاجه إلى أرقام غير مسبوقة، فيما البلاد تتآكل من الداخل، وتغرق في حربٍ لا تُبقي من الدولة سوى اسمها.

يحدث ذلك كأن المعدن الأصفر يمارس مفارقته الكبرى: يزدهر حين يتداعى كل شيء، ويصعد حيث تسقط فكرة الوطن.
بلغ إنتاج السودان من الذهب ذروة جديدة خلال العام الذي يطوي أيامه، مسجلاً أعلى رقم منذ خمس سنوات، في مفارقة تختصر التناقض العميق بين وفرة الثروة وغياب الدولة.
سبعون طناً خرجت من باطن الأديم، كما لو أن الأرض تواصل عطاياها بصمت، غير معنية بمن يتقاتل فوقها أو بمن يحصد العائد.

رقمٌ ثقيل المعنى، لا يحمل معه وعدَ الخلاص بقدر ما يفضح عطب المعادلة الوطنية.
القطاع، الذي ظل طوال سنوات أحد أعمدة الاقتصاد، واصل عمله رغم الحرب، مستنداً إلى التعدين الأهلي وانتشار شبكات الاستخراج في مناطق بعيدة عن خطوط النار.

استمر الذهب في التدفق، وتحوّل إلى شريان مالي يعوّض بعض خسائر القطاعات المنهارة، من الزراعة والمواشي إلى الصناعة والخدمات. لكن هذا التدفق، على كثافته، لا يصل إلى خزائن الدولة إلا شذرات، فيما يتسرب معظمه إلى مسارات موازية، لا ترى فيها الخزانة سوى الغبار.

الأرقام الرسمية تتحدث عن إيرادات تجاوزت ملياري دولار خلال عام واحد، وعن نسب إنجاز تفوق المستهدف، لكن الأرقام وحدها لا تحكي القصة كاملة. خلف هذه الأرقام يقف اقتصاد موازٍ، وشبكات تهريب، ومناجم تعمل خارج الرقابة، وسلطة مفككة لا تملك من أمر الذهب سوى بيانات تصدرها من مكاتب بعيدة عن مواقع الاستخراج.
في هذا المشهد، يتحول الذهب إلى شاهد صامت على مفارقة قاسية: ثروة تتكدس بينما الفقر يتسع، ومعدن يلمع فيما حياة الناس تتآكل. فالعائد الحقيقي لا يصل إلى المدارس ولا المستشفيات ولا إلى المدن التي تئن تحت ثقل الحرب، بل يتسرب عبر طرق وعرة نحو الخارج، أو يُعاد تدويره في اقتصاد الظل الذي ازدهر على أنقاض الدولة.

يتزامن هذا الصعود مع تراجع مشهود في قطاعات أخرى، وكأن الذهب يؤدي دور البديل المؤقت لدولة غائبة. غير أن هذا البديل لا يحمل مقومات الإنقاذ، إذ تغيب الإدارة الرشيدة، وتغيب الشفافية، وتُترك الموارد في مهب قوى مسلحة وشبكات تهريب عابرة للحدود. وهنا يصبح الإنتاج المرتفع رقماً أجوف، يفتقر إلى المعنى الوطني.
خبراء الاقتصاد يحذّرون من أن استمرار هذا النمط يحوّل الذهب من نعمة محتملة إلى لعنة مكتملة الشروط. فالتهريب المنظم، وتداخل المصالح العسكرية، واتساع التعدين غير المنضبط، كلها عوامل تجعل من الثروة عبئاً أكثر منها فرصة. ومع كل طن جديد يُستخرج، تتسع الفجوة بين ما يُنتج وما يعود على الناس.

تتردد في الخلفية أصوات تشير إلى أن هذه الثروة، لو وُضعت في سياق دولة مستقرة، قادرة على إعادة بناء الاقتصاد وتخفيف وطأة الانهيار. غير أن الواقع يقول إن الذهب في السودان يعمل خارج فكرة الدولة، ويغذي صراعاتها بدل أن يداوي جراحها.
هكذا يبدو المشهد: إنتاج قياسي بلا سيادة، وأرقام براقة بلا أثر اجتماعي، وثروة تسير في اتجاه معاكس لأحلام الناس. في بلدٍ تتنازعه البنادق، يصبح الذهب شاهداً على مفارقة موجعة؛ وفرة في باطن الأرض، وفراغ في حياة البشر على سطحها.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

(الأستاذ)… أُعدم الجسد وبقيت الفكرة بلا قبر

نزار عثمان السمندل تحلّ الذكرى الـ41، ويقف الاسم وحده في مواجهة الزمن: محمود محمد طه …