اتفاق تطوير ميناء “أبو عمامة” بين الخرطوم وتحالف إماراتي.. ما فائدته للسودان وهل يتجاوز عتبة الاعتراضات المحلية؟

 


 

 

الخرطوم- الجزيرة نت:
جرى، أول أمس الثلاثاء، توقيع اتفاق بين الحكومة السودانية، وتحالف إماراتي -يضم شركتي "موانئ أبوظبي" و"إنفيكتوس للاستثمار" التي يديرها رجل الأعمال السوداني أسامة داود- ويقضي بتطوير ميناء "أبو عمامة" على ساحل البحر الأحمر باستثمارات تصل إلى 6 مليارات دولار.

وجاء هذا التطور بعد النفي المتكرر لدخول الحكومة السودانية في أية صفقات من هذا النوع، لتؤكد مراسم التوقيع الذي احتضنه القصر الرئاسي بالخرطوم التفاصيل المسربة سابقا حول المشروع، والذي من المرشّح أن يواجه اعتراضات أهلية واسعة شرق البلاد.

وتنبع هذه الاعتراضات من كون ميناء "أبو عمامة" المنوي تطويره ينافس الميناء الرئيس في بورتسودان، كما أنه يثير مخاوف جماعات مهتمة بالبيئة من تأثيراته السلبية لوقوعه في منطقة محمية تم تسجيلها لدى منظمة اليونسكو ضمن التراث الطبيعي العالمي.

أين يقع الميناء الجديد وما أهميته؟
على بعد 200 كيلومتر شمال بورتسودان على ساحل البحر الأحمر، يقع ميناء "أبو عمامة" وهو حاليا قاعدة للقوات البحرية التي تقرر نقلها لمنطقة "شنعاب" على بعد 5 كيلومترات توطئة ليتحول المكان للاستثمار الإماراتي. كما أن المنطقة المراد تطويرها قريبة من محمية "دونقاب" الطبيعية ذائعة الصيت.



ما تفاصيل الصفقة وماذا سيجني السودان؟
بموجب الاتفاق الموقع في الخرطوم، فإن الإمارات ستبني الميناء في إطار حزمة استثمارية تبلغ قيمتها 6 مليارات دولار، وتشمل منطقة تجارة حرة، ومشروعاً زراعياً كبيراً، ووديعة بقيمة 300 مليون دولار لبنك السودان المركزي، حسبما صرّح داود (الشريك الرئيس بالاتفاق) لوكالة رويترز أواخر يونيو/حزيران الماضي.

وخلال التفاصيل التي أُعلنت بعد انتهاء مراسم التوقيع، الثلاثاء، لم يأتي ذكر الوديعة للبنك المركزي، في حين تأكد أن المشروع سيتكون من منطقة صناعية كبرى وأخرى سياحية ومطار دولي ومجمع سكني وطرق داخلية ومحطة كهرباء.

وطبقا لبيانات رسمية من مجلس السيادة ووزارة المالية، فإن المشروع سيعود بفوائد للسودان عموماً ولولايتي البحر الأحمر ونهر النيل خصوصا: بإتاحة فرص التوظيف، زيادة الفرص الاستثمارية، تسهيل حركة الصادر والوارد، جذب الاستثمارات التي تتخذ من السودان منطلقاً لتصدير منتجاتها إلى دول الجوار. ويربط الميناء بين دول الشرق الأوسط وشرق وغرب أفريقيا.

وبحسب تفاصيل حصلت عليها الجزيرة نت، فإن الاتفاق يشمل كذلك توسعة وتطوير مشروع زراعي مملوك لداود بمنطقة "أبو حمد" شمال البلاد بمساحة 400 ألف فدان بقيمة 1.6 مليار دولار كشراكة بين مجموعة "دال" وشركة أبوظبي للخدمات المتكاملة.

ويتضمن الاتفاق بناء طريق بطول 500 كيلومتر يربط المشروع بالميناء، بتمويل من صندوق أبوظبي للتنمية، ويُفترض أن يودع الصندوق بموجبه 300 مليون دولار في بنك السودان المركزي.

ويحتوي الميناء الموعود على أرصفة وأنظمة مناولة بمواصفات عالمية وحديثة لاستقبال السفن الكبيرة ذات السعات العالية، وعلى منطقة حرة ومدن صناعية تجارية وسكنية، بالإضافة لمنتجعات سياحية.

كما يهدف المشروع إلى توفير أكثر من 300 ألف وظيفة لمختلف الفئات الشابة بالسودان، وخاصة أبناء المنطقة، الأمر الذي سيقلل من معدلات البطالة.

هل سيؤثر الاتفاق على ميناء بورتسودان؟
يقول وزير المالية السوداني جبريل ابراهيم إن الاتفاق لن يكون له أي تأثير على ميناء بورتسودان الرئيسي، بل سيعطي دفعة قوية للاقتصاد ويعود بفوائد لا حصر ولا عد لها على البلاد.

وأضاف ابراهيم -في كلمة له خلال مراسم التوقيع على صفقة ميناء "أبوعمامة"- أن الأخير سيتم تزويده بأحدث ما توصلت إليه التقنية الحديثة، علاوة على إسهامه في حل مشكلة العطش بمدينة بورتسودان ومناطق التعدين عبر توصيل المياه من نهر النيل. إلى جانب توفير آلاف الوظائف وزيادة الفرص الاستثمارية، وتسهيل حركة الصادر والوارد وجذب الاستثمارات.

ومن وجهة نظر مخالفة، يرى الباحث أمير بابكر، المهتم بقضايا شرق السودان، أن الميناء الجديد سيفقد ميزة وجود خطوط السكك الحديدية التي تربط ميناء بورتسودان ببقية أنحاء البلاد.

ويشير بابكر -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن ربط الميناء الجديد بمشروع "أبو حمد" الزراعي، رغم أنه محدود الإنتاج، يمثل نقطة سلبية.

ومع ذلك، يتوقع بابكر أن يكون "أبوعمامة" محاولة لتجاوز تعقيدات علاقات الإنتاج التي تحكم طبيعة ميناء بورتسودان، وخاصة إذا استخدمت فيه تكنولوجيا شحن وتفريغ ورافعات متطورة تقلل من استخدام الأيدي العاملة.

لماذا يواجه المشروع اعتراضات؟
وعام 2019، رفض عمال ميناء بورتسودان قرارا -أصدرته حكومة الرئيس المعزول عمر البشير- بمنح شركة فلبينية امتياز تشغيل الميناء الجنوبي الذي يُعد أكبر وأهم موانئ البلاد، لتخوفهم من إلغاء وظائفهم، إلى جانب رفض تولّي شركة أجنبية إدارته باعتباره شريانا اقتصاديا حيويا.

وعلّق المجلس العسكري -الذي تولي الحكم بعد عزل البشير في 11 أبريل/نيسان 2019- عقد شركة الخدمات الدولية لمحطات الحاويات الفلبينية، إلى حين استكمال الإجراءات القانونية لإلغاء العقد.

واليوم، يعارض عمال الموانئ منح الإمارات فرصة تطوير وتشغيل "أبو عمامة". ويقول رئيس نقابتهم عبود الشربيني إن صفقة هذا الميناء ستواجه مصير الشركة الفلبينية، وإنهم لن يقبلوا أبدا بإكمالها من واقع عدم اعترافهم بالحكومة الانتقالية التي تتولى السلطة حاليا -كما يقول- علاوة على أنهم يرون فيه مساسا بسيادة الدولة التي لن يكون بيدها أي قرار يخص هذا الميناء.

ويصف الشربيني، في حديث للجزيرة نت، التوقيع على الاتفاق بأنه غير قانوني في ظل عدم وجود حكومة ولا برلمان يجيزه، مردفا "حين كانت هناك حكومة في عهد البشير نجحنا في إيقاف صفقة الشركة الفلبينية وإرجاع مبلغ 450 مليون يورو، وكانت الإمارات أيضا وقتها تقف وراء هذه التحركات".

ويرى أن "أبو عمامة" حال تشغيله سيمثّل نهاية للميناء الرئيسي في بورتسودان، كما سيؤثر على كل البلاد "حيث ستكون إدارته بالكامل لجهات خارجية وهو ما لا يمكن السماح به".

 

ما أهمية الميناء للإمارات؟
من وجهة نظر محمد جمعة الشامسي الرئيس التنفيذي لائتلاف مجموعة موانئ أبوظبي، فإن توقيع الاتفاقية المبدئية بشأن ميناء "أبو عمامة" يعتبر أحد الشراكات الإستراتيجية بين بلاده والسودان، وسيمثّل دفعة للعلاقات الاقتصادية من أجل مصلحة الشعبين.

وتحدث الشامسي -خلال احتفال التوقيع- مؤكداً أن المجموعة ستوظف كل خبراتها لإنجاح المشروع الذي سيعمل على توفير فرص عمل مقدّرة للسودانيين، ويرفع من حجم الصادرات السودانية إلى الخارج.

وستشيّد الإمارات طريقا قوميا سريعا -بنظام "البوت" على مدى 25 عاما- ليربط بين مناطق الإنتاج الزراعي في "أبو حمد" وميناء "أبو عمامة" مارا بمناطق التعدين، لتستفيد منه ولايتا نهر النيل والشمالية وصولا إلى ولاية البحر الأحمر شرقاً.

لماذا تحذر جمعيات حماية البيئة من بناء الميناء؟
بعد تسريب أنباء الصفقة الخاصة بتشييد الميناء الجديد قبل عدة أشهر، أبدت الجمعية السودانية لحماية البيئة قلقها قائلة إن الميناء المزمع بناؤه يقع في منطقة محمية حساسة تم تسجيلها لدى منظمة اليونسكو ضمن التراث الطبيعي العالمي.

ووفق بيان للجمعية نشرته في 4 يوليو/تموز الماضي، فإنه يقع في منطقة خليج جزيرة دنقناب وجزيرة مكوار، وفيهما مجموعة متنوّعة من الشعاب المرجانيّة ونباتات أيكة ساحلية وأعشاب بحريّة وشواطئ وجزر.

ويقطن هاتين المنطقتين مجموعة من الطيور والثدييات البحرية بالإضافة إلى أسماك القرش والشفنين (شيطان البحر) والسلاحف البحرية. كما يُعد خليج جزيرة دنقناب موطناً مهمّاً لحيوان الأطوم البحري (ناقة البحر) ومحار أم اللؤلؤ، حسب هذه الجمعية البيئية.

ورأت أن إقامة أي مشروع تجاري بهذا الحجم في المنطقة، مع بنياته التحتية وحركة السفن في البحر وحركة المركبات والعمران في البر، يهدد المحمية الطبيعية والتراث الوطني والعالمي بتنوعه البيولوجي، إضافة إلى إيوائه لكائنات برية وبحرية مهدّدة بالانقراض مثل الأطوم والسلاحف البحرية والطيور النادرة.

هل هي صفقة اقتصادية أم أمنية؟
ويعكس الاتفاق على تطوير وتشغيل ميناء "أبو عمامة" أبعاد الصراع الدولي المحموم للسيطرة على منافذ البحر الأحمر، وفقا لتحليل الخبير الاقتصادي سنهوري عيسى.

ويقول عيسى -للجزيرة نت- إن المشروع بأبعاده الاقتصادية الضخمة يمثل مكسبا للسودان "لكنه في الوقت ذاته سيشعل الصراع بين أطراف دولية تتسابق للسيطرة على منافذ البحر الأحمر، وبالتالي يبرز الميناء كمشروع أمني إستراتيجي واقتصادي من شأنه وضع السودان تحت دائرة استقطاب واسع من القوى الكبرى".

ويرى الخبير الاقتصادي أن الإمارات -التي دفعت بمشروع التسوية السياسية بالسودان مع الآلية الرباعية التي تضمها إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية، ستنحاز بطبيعة الحال لحلفائها التي يهمهم أمن البحر الأحمر، وفي مقدمتهم واشنطن وتل أبيب.

وسيثير هذا، وفقا لسنهوري، تحفظات الدول الرافضة للوجود الإسرائيلي في البحر الأحمر بنحو يضع شرق السودان في دائرة الصراع واستقطاب مكوناته القبلية على يد قوى إقليمية ومحلية ودولية، بما ينعكس سلبا على الاستقرار في الإقليم.

المصدر : الجزيرة

 

آراء