عبدالغني بريش فيوف
في ظل المأساة السودانية التي تتسع يوما بعد يوم، وبينما تتزايد أعداد الضحايا ويتضاعف حجم الدمار والنزوح، تطل بين الحين والآخر تصريحات دولية تقدم نفسها بوصفها مبادرات لإنهاء الحرب، لكنها في كثير من الأحيان لا تتجاوز كونها خطابا دبلوماسيا مصقولا يخفي خلفه تعقيدات المصالح الدولية والإقليمية.
ومن بين هذه التصريحات ما أدلى به مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا والعالم العربي، بشأن اجتماع برلين الخاص بالسودان، والذي تحدث فيه عن التزام دولي واسع بدعم الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب.
في ظاهر الأمر تبدو هذه التصريحات وكأنها رسالة طمأنة لشعب أنهكته الحرب، ورسالة تؤكد أن المجتمع الدولي يقف أخيرا على قلب رجل واحد لوقف النزيف السوداني، غير أن قراءة أكثر عمقا لما قيل تكشف مفارقة يصعب تجاهلها، فالقائمة الطويلة من الدول التي أشار إليها بولس باعتبارها جزءا من هذا الإجماع الدولي تضم أطرافا ارتبط اسمها، بدرجات متفاوتة، بالصراع الدائر في السودان، سواء عبر الدعم المباشر لبعض الأطراف، أو عبر تسهيلات لوجستية وسياسية سمحت بتدفق السلاح واستمرار الحرب.
وهنا تتكشف الإشكالية الحقيقية، إذ كيف يمكن لدول لعبت أدوارا في بيئة الصراع أن تقدم نفسها فجأة باعتبارها راعية للسلام، وكيف يمكن لمن ساهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في استمرار الحرب أن يتحول إلى وسيط محايد لإنهائها؟
التصريح الذي تحدث عن رسالة برلين، قدم صورة تبدو متماسكة عن توافق دولي يدعو إلى وقف القتال في السودان ويدعم هدنة إنسانية عاجلة تمهد لوقف إطلاق النار، كما أشار إلى ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية والاعتراف بعدم وجود حل عسكري للأزمة، إضافة إلى إنهاء أي دعم خارجي للأطراف المتحاربة والدفع نحو عملية سياسية شاملة تقود إلى انتقال مدني.
هذه العبارات، من حيث المبدأ، لا يختلف عليها اثنان، فهي تمثل الخطاب التقليدي الذي يصاحب معظم المبادرات الدولية في مناطق النزاع، لكن المشكلة لا تكمن في الكلمات نفسها، بل في السياق الذي تقال فيه وفي الجهات التي ترددها، فالسودانيون الذين يعيشون تحت وطأة الحرب يدركون جيداً أن الكثير من هذه العبارات تكررت مراراً خلال السنوات الماضية دون أن تترجم إلى خطوات عملية توقف القتال أو تخفف معاناة المدنيين.
إن الحديث عن وقف الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، يحمل في طياته اعترافا ضمنيا بأن الحرب في السودان لم تعد شأنا داخليا خالصا، بل أصبحت جزءاً من شبكة معقدة من التداخلات الإقليمية والدولية، فالسلاح الذي يغذي المعارك لا يأتي من فراغ، والتمويل الذي يحرك الصراع لا يولد داخل الحدود السودانية وحدها، ومع ذلك، فإن الدول التي يفترض بها أن تضغط لوقف هذا التدخل الخارجي هي نفسها أطراف في معادلة المصالح التي سمحت بحدوثه أو غضت الطرف عنه.
لهذا تبدو الدعوات الدولية أحيانا وكأنها محاولة لإدارة الأزمة أكثر من كونها سعيا حقيقيا لإنهائها، فالبيانات تصدر، والاجتماعات تعقد، والتصريحات تتكرر، لكن الوقائع على الأرض تبقى على حالها أو تزداد سوءاً.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الشك العميق الذي يستقبل به كثير من السودانيين مثل هذه التصريحات، فالتجربة علمتهم أن الخطاب الدولي حول السودان كثيرا ما يتسم بالفجوة بين القول والفعل، ففي الوقت الذي تعلن فيه بعض العواصم دعمها لمسار السلام، تستمر حسابات النفوذ والمصالح الاقتصادية والسياسية في لعب دورها خلف الكواليس.
السودان ليس مجرد دولة تعاني نزاعا داخليا، بل بلد يتمتع بموقع استراتيجي مهم في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيا، فضلا عن موارده الطبيعية الكبيرة.
هذه العوامل جعلت منه ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية ودولية متعددة، وهو ما ساهم في تعقيد مسار الأزمة وإطالة أمدها.
وعندما يصدر تصريح يتحدث عن توافق دولي واسع لوقف الحرب، دون أن يترافق ذلك مع إجراءات ملموسة توقف تدفق السلاح أو تضبط التدخلات الخارجية، فإن كثيرين يرونه أقرب إلى خطاب سياسي موجه للاستهلاك الإعلامي منه إلى خطة حقيقية لإنهاء الصراع.
ولا يقتصر الأمر على البيانات السياسية، فقد أشار التصريح أيضا إلى أن السفارة الأمريكية نظمت جلسة نقاش حول دور التفاوض في تعزيز السلم والأمن في السودان، بمشاركة خبيرة في حل النزاعات وأعضاء من شبكة الشباب السودانية.
مثل هذه المبادرات قد تكون مفيدة على المستوى النظري، لكنها تبقى محدودة التأثير إذا لم تتزامن مع تحرك دولي جاد لمعالجة جذور الأزمة، فالتفاوض، في نهاية المطاف، لا يمكن أن ينجح في بيئة يستمر فيها تدفق السلاح وتتصاعد فيها المصالح المتضاربة، كما أن الحديث عن السلام يفقد الكثير من مصداقيته عندما لا تقترن الكلمات بخطوات عملية تغير موازين الواقع على الأرض.
لقد سمع السودانيون خلال هذه الحرب الكثير من الوعود الدولية، سمعوا عن مبادرات، ومؤتمرات، واتفاقات هدنة، ومسارات سياسية يفترض أن تقود إلى الاستقرار، لكن الواقع كان في معظم الأحيان مختلفا، فكلما أعلن عن مبادرة جديدة، سرعان ما تتبدد الآمال مع تجدد القتال أو تعثر المسارات السياسية، لهذا لم يعد من السهل إقناع الشارع السوداني بأن بيانا دوليا جديدا سيغير المعادلة، فالثقة التي تآكلت عبر سنوات من الوعود غير المنجزة لا يمكن استعادتها بالكلمات وحدها.
إن المأساة الإنسانية التي يعيشها السودان اليوم، ليست مجرد أرقام في تقارير الأمم المتحدة أو عناوين في نشرات الأخبار، إنها واقع يومي يعيشه ملايين السودانيين الذين فقدوا بيوتهم أو مصادر رزقهم أو أفراداً من عائلاتهم. هؤلاء لا تعنيهم كثيراً البيانات الدبلوماسية، بقدر ما يعنيهم أن تتوقف الحرب فعلاً وأن يعود الأمان إلى مدنهم وقراهم، ومن هنا فإن الخطاب الذي يتحدث عن السلام بينما تتواصل أسباب الحرب يبدو بالنسبة لكثيرين نوعاً من بيع الوهم لشعب يعيش في قلب المأساة.
إن إنهاء الحرب في السودان لن يتحقق عبر بيانات الاجتماعات الدولية وحدها، بل عبر إرادة سياسية حقيقية تترجم إلى أفعال واضحة، وهذه الأفعال تبدأ أولاً بوقف أي شكل من أشكال الدعم الخارجي الذي يغذي الصراع، وبممارسة ضغط دولي فعلي على الأطراف المتحاربة للانخراط في عملية سياسية جادة.
كما تتطلب أيضا قدرا أكبر من الصراحة في التعامل مع تعقيدات الأزمة، بدلا من الاكتفاء بالصياغات الدبلوماسية التي تبدو جميلة على الورق لكنها تظل بعيدة عن واقع الميدان.
إن الشعب السوداني لا يحتاج إلى المزيد من الخطابات التي تعد بالسلام، بل إلى خطوات حقيقية تجعل هذا السلام ممكنا، فالكلمات، مهما كانت بليغة، لا توقف رصاصة ولا تعيد نازحا إلى منزله، وحتى يحدث تحول حقيقي في طريقة تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السودانية، سيظل كثير من السودانيين ينظرون إلى مثل هذه التصريحات بعين الشك والحذر، ليس لأنهم يرفضون السلام، بل لأنهم تعبوا من الوعود التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
وفي نهاية المطاف يبقى السؤال معلقا، وهو، هل يريد المجتمع الدولي فعلا إنهاء الحرب في السودان، أم أنه يكتفي بإدارة الأزمة وإبقائها ضمن حدود يمكن التحكم بها؟
الإجابة لن تأتي من التصريحات ولا من الاجتماعات، بل من الأفعال الملموسة على الأرض، وحتى تظهر هذه الأفعال، سيبقى الحديث عن المبادرات الدولية بالنسبة لكثير من السودانيين مجرد صدى جديد لوعد قديم لم يتحقق بعد.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم