نشرت معظم صحف الخرطوم خبر مثول أحمد هارون والي جنوب كردفان امام محكمة كادقلي العامة ليدلي بشهادته في محاكمة التوم حامد توتو ، وهو أحد القادة العسكريين بحركة العدل والمساواة والذي كان قد تم أسره بعد معركة جرت رحاها بين قوات الحركة وجيش الانقاذ في مطلع الأزمة التي حدثت بجنوب كردفان قبل بضعة شهور.
ليس هناك ما يفسر الطريقة التي حملت الصحف لأن تجعل من واقعة وقوف أحمد هارون في قفص الشهود خبراً يتقدم في أهميته – بحسب صياغة الخبر – على وقوف مواطن يجلس في قفص الاتهام وهو يواجه عقوبة الاعدام شنقاً حتى الموت ، لكن الواضح أن الوالي و المحكمة معاً لا يدركان أنهما يذبحان – بتلك الشهادة – قواعد العدالة بسكين ميتة.
بحسب القانون ، هناك نوعان – ضمن تصنيفات أخرى- من الشهود لا ثالث لهما ، الأول : الشاهد الذي يتصل علمه الشخصي بالواقعة المطروحة للاثبات (كمن يرى المتهم وهو يطلق النار على الضحية) ، والثاني : يقال له في لغة القانون بالشاهد (الخبير) ، وهو الشاهد الذي تستعين به المحكمة في ادراك (حقائق) تتصل بالقضية من واقع الخبرة الفنية للشاهد في مجال معين (كالطب والهندسة والأسلحة …الخ) ، فأين تقف شهادة الوالي هارون من هذا !! وما هو الأساس الذي قبلت به المحكمة شهادته؟؟
من السؤال الذي توجهت به المحكمة للوالي هارون ، لا بد أنها قد صنٌفته ضمن النوع الثاني من الشهود ، الشاهد الخبير، اذ جاء سؤال المحكمة للوالي – بحسب الخبر – كالتالي : “هل سعى المتهم التوم حامد توتو لتقويض النظام الدستوري للبلاد ؟”. فأجاب هارون بما معناه ” بالحيل يا زميل ، ودي عايزه كلام !! “.
ما قال به هارون يطلق عليه في القانون ( بينة الرأي)، وهي لا تختلف عن (الرأي) الذي يقول به (كابو) في أداء الفنانة (ندى القلعة) ، وهي بينة لا قيمة لها في دنيا القانون ولا تسمح المحاكم بالادلاء بها من الأساس ، رغم أنه لم يتسن لنا – ولا حاجة بنا – لمعرفة الحيثيات التي بنى عليها الشاهد هارون حكمه في بلوغ مثل تلك النتيجة التي اطمأن لها قلبه !! ، فما فعلته المحكمة يشبه الى حد كبير ما يقوم به حارس المرمى من وضع للكرة على النحو الذي يمكٌن زميله من ركلها بقوة لمنطقة الخصم ، فهي شهادة تؤسس لعملية اغتيال شرعي باسم العدالة .
ليس لدينا علم بخطة الدفاع التي يستند اليها المتهم (توتو) في دفع تهمة تقويض الدستور عنه، ولكننا نعلم أنه من العسير اثبات عناصر مثل هذه التهمة لمجرد ضبط شخص وفي يده بندقية ، فالبندقية حملها من قبله الدكتور الحاج آدم يوسف الذي أصدر في حقه وكيل نيابة أمن الدولة محمد فريد قبل بضعة شهور أمراً لعامة الناس بالصحف اليومية للقبض عليه بتهم مماثلة ، وهو يجلس اليوم في ثالث أعلى منصب تنفيذي بالبلاد ، كما حملها من قبله سيلفاكير ميارديت ورفاقه، وماذا غير البندقية الذي فتح أبواب القصر لمني أركوي !!، وللتيجاني السيسي الذي تسلم سلطة دارفور بيده اليمنى و (بحزمة) مايكرفونات الانقاذ باليسرى قبل أن تجف الدماء التي سقطت من الطرفين !!
ان ابتسار العدالة على النحو الذي تسعى اليه محكمة كادقلي العامة ، بمحولة اثبات التهم بمثل هذه الحيل السياسية يفتح علينا جراح الظلم الذي تقترفه (الثورات) باسم العدالة في مقابل التسامح المهين الذي تقابل به الحكومات الديمقراطية مثل تلك الجرائم.
ففي الوقت الذي انفقت فيه محكمة (مدبري مايو) أكثر من عام في سماع الشهود لاثبات حدوث الانقلاب (صدرت في حقهم أحكاماً بالسجن لم ينفذ جزء يذكر منها قبل أن يصدر مجلس قيادة انقلاب الانقاذ عفواً عاماً عنهم) ، ففي مقابل هذه الاريحية الديمقراطية لم تستغرق محاكمة (مدبري رمضان) بضعة دقائق تم بعدها تنفيذ حكم الاعدام في (28) ضابط وعدد آخر من الأنفس البشرية اهمل ذكرها على الدوام بسبب تدني رتبها العسكرية ( جنود وصف ضباط)..
انه لمن المحزن أن يُفجع الشعب السوداني في ثورتيه العظيمتين (اكتوبر وابريل) ، ليرجع في وضع أسوأ مما كان فيه ، ولا بد أن الشعب قد بات يدرك الآن – بعد أن رأى تجارب الشعوب الأخرى في ثورة الربيع العربي – كيف تكون عدالة الثورات الشعبية ، وكيف يمكن للشعوب أن تقتص من جلاديها وتجعلهم يدفعون ثمن الجرائم التي ارتكبوها باسم العدالة أو بغيرها ، وان غداً لناظره قريب ،،،
saifuldawlah@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم