الأثر العرفاني في شعرالحقيبة: الأنجم السواري والهوية الروحية 1/2

د. سامية عباس كرجويل
أكاديمي / باحث وناقد
kargwell65@yahoo.co.uk

ديباجة
” آيه يامولاي اية * من حديث اشتهية
وجمال انت فية‘بقية القلب النزية عسعس الليل وناما واكتسى الوادي ظلاما
ان يك الصمت رهيبا* ان في الصمت كلاما ( الصاغ محمود ابو بكر( ا)

مقدمة
الأنجم السواري هي نجوم مترابطة ، متلاصقة ومتراصة ، مع بعضها البعض في شكل سوار ولها لمعان وبريق لا يخفت أبدا هؤلاء هم شعراء الحقيبة ، سوف نختار بعض منهم على سبيل المثال وليس الحصر مستخدمين المعيار الذي يوضح الأكثر تاثر بالصوفية من خلال ثأثير المدائح النبوية والشعر الكلاسيكي الصوفي وما جادت به قريحة كل من المتصوفة : محي الدين ابن عربي وابن الفارض ( سلطان العاشقين) . ونجد ان النزعة الصوفية تتجلى في التراث الثقافي والحضاري السوداني وبالتالي شكل التصوف احد أركانها ومصادرها منذ عهود السلطنات والمماليك الاسلامية ومنها: الفونج ، الفور ، وتقلي مما اثر ذلك في تشكيل سلوك الشخصية السودانية وهويتها الروحية والتي بدورها كان لها الأثر الكبير في السلوك الجمعي وحتى في السلوك التنظيمي.
اثرت الطرق الصوفية في صياغة الأمة السودانية وفي شتى المجالات وقوفا الى حال الفن فكانوا ينشدون النصوص الدينية على أساس الموسيقى التقليدية ، وكانت المدائح النبوية من اهم الأشكال التقليدية للذكر، والمشاركون ينشدون الأغاني الدينية ويتحركون وفقا للالات الإيقاعية، ولذلك اعتمدت حلقات الذكر على التجربة الموسيقية لمختلف قبائل السودان الموجودين في المدينة (2).
ومن أحشاء اغاني الطنبور انبثق شكلا اكثر تقدما يسمى ‘بفن الحقيبة ‘ وذلك في 1926 ، تميزت بوضوح الأثر العرفاني في نظمها والرموز الصوفية التي وردت في القصائد الغنائية فصبغتها بسحر البيان وشتى ضروبه فكستها تميزا وتفردا واستمرارية لما ورد فيها من اقتباس من القران الكريم بجانب الرموز الصوفية التي أكسبتها نورانية، وعلى الرغم من ان قصائد شعراء الحقيبة قد ارتبط بالغناء والغزل الا انه اتصل بعمقه الصوفي في استخدام الرموز الصوفية والبعد الصوفي فصار ظاهر القصيدة غزلي وباطنها يحمل مضامين صوفية ، وهذا ناتج عن ان معظم شعراء الحقيبة قد نشأوا في بيئة دينية مشبعة بالروحانيات حيث الخلاوي ، والمساجد، وحلقات الذكر فتعتقت ارواحهم بالروحانيات التي برزت في أشعارهم ، وبالتالي شكلت القصائد امتدادا للشعر الكلاسيكي الصوفي لأقطاب الصوفية ومنهم : محي الدين ابن عربي وابن الفارض (سلطان العاشقيين ) , وغيرهم وقد ارتبطت قصائدهم بالعشق الالهي، والفناء في المحبوب ، السكر الروحي ، الاحلال والاتحاد، الوجد ، الشوق. الهيام ، المحبة والوصال ، الأسرار والصفاء ، الشوق والدموع ، والوجود مرآة للذات الالهية وبالتالي جاءت بنية شعر الحقيبة على نهج او منوال المدائح النبوية (3 . والتواشيح (4، حيث يبدأ بنيان القصيدة بذكر المحبوب، الشوق ، الوجد ثم الحلم بالوصول آلية. وهذة البنية تشابه بنيت إشعار ابن الفارض(سلطان العاشقين) ، وابن عربي. وقد ذكر الطيب صالح ان شعر الحقيبة لم يبتذل لأنة تاثر بالشعر الصوفي فنجد المديح والدوبيت مستودع هائل للغة العربية( 5 ). ومن هنا سوف ناخذ بعض الأمثلة لشعراء الحقيبة ونقارن أشعارهم بما جاد بة ابن الفارض (سلطان العاشقين ) ، ومحي الدين ابن عربي من شعرهم الصوفي الكلاسيكي حتى يتبين الأثر الصوفي في إشعار بعض من شعراء الحقيبة ومنهم: عبد الرحمن الريح، صالح عبد السيد( ابو صلاح)، محمد بشير عتيق، سيد عبد العزيز ، مصطفى بطران ، ود الرضي، العبادي، وعمر البنّا وهناك اخرين كثر لا يسع المجال لتناولهم جميعا فسوف نكتفي ببعض النماذج من قصائد لبعض الشعراء، فمثلا قول ود الرضي في ‘الناحر فؤادي’ : “الناحر فؤادي مولع جوفي حر/ اضرم نار وجدي نسام السحر/ ……..مالي اليك قولا مختصر* العند الله اقرب من لمح البصر” ، هنا إشارة الى قوله تعالى في محكم التنزيل الكريم :” اذا سالك عبادي عني فأني قريب اجيب دعوه الداعي اذا دعاني فاستجيب له” ( سورة البقرة ، الاية :186). ومن شعراء الحقيبة الذين تأثروا بالبيئة الثقافية الصوفية التي عاشوا فيها وامتزج فيها الغناء الشعبي بالمدائح والانشاد الديني مما جعل الكثير من أشعارها ذات صبغة صوفية ، نجد بعض من شعراءها كانت لهم صلة مباشرة بها وقد نهلوا من الفكر الصوفي وأسلوبه الرمزي والوجداني ، ومنهم على سبيل المثال وليس الحصر: عبد الرحمن الريح ، صالح عبد السيد (ابو صلاح،) ، سيد عبد العزيز، مصطفى بطران ، عبيد عبد الرحمن ، عمر البنّا. محمد بشير عتيق، ود الرضي، العبادي، إذن المدائح النبوية كانت الجسر المباشر الذي عبرت منه هذه الصورة الى شعراء الحقيبة حيث تحولت من لغة صوفية خالصة- الى غزل شعبي مزدوج المعنى. وبالتالي نجدهم قداستخدموا نفس الرموز الصوفية من بينها : النسيم والرسائل ، السكر بلا خمر ، الشوق والدموع ، والفناء في المحبوب، الوجد والهيام ، والمحبة والوصال ،والحمام، وصاغوها في قالب غنائي دنيوي فية طبقة ظاهرية غزلية وطبقة مرتبطة بالباطن الصوفي ، فمثلا في اعتبار النسيم رسول ينقل الرسائل بين العاشق والمعشوق فنجد ابن عربي معبرا عن ذلك في: ” أيا نسيم الصبا تحيتي * الى حبيب على قلبي شغوف “. اما ابن الفارض (سلطان العاشقين) نجده مناديا ومحملا النسيم رسالة :” يانسيم الصبا بلغ تحيتي* من لا يزال لقلبي في الهوى سببا”. فشعراء الحقيبة قد استعاروا الرموز الصوفية وصاغوها في غزل دنيوي/عاطفي لتتناسب مع بيئة الحقيبة في السودان فنجدها عند عمر البنّا في زهرة الروض الظليل :
*جاني طيفك مع النسيم العليل زاد * وجدي نوم عنيي اصبح قليل/ دائما انوح واقول حليلصفي القلب القدره جليل / كيف لا أسهر وأكون عليل انا في الثرى وهو في الإكليل” 6. وهناك نموذج اخر:” مر يانسيم بجنان رباها* ارقب محبوبتي وزور خبأها/،عن حالة غفلة قبل انتباه* وصل سلامي وجيب لي نباها. 7. اما عبد الرحمن الريح فجاد ب: ” يانسيم أبلغ سلامي ليهو* وقل ليهو قلبي معاك مابنساه” . كما وان العبادي قد سبح مع التيار فجادت قريحته ب:” يانسيم أرجوك بالله سلم لي على الحبيب” ، وايضاً ” نسيم الليل سلم لي على من هواه داني* وقل ليهو إنّو الفراق طال وبكاني ” . وعلى نفس النهج سار عتيق وورد في أشعاره ذكر النسيم ورموز صوفية اخرى فمثلا: ” بالشوق يانسيم ابقالي رسول”، وكذلك: ” بدري لحسنك سحر* تروي ليك اخباري نسمات السحر” 8 . واعتبر عتيق النسيم رسول الأرواح فناشدة واستحلفة بالله :” يانسيم بالله اشكيلو تباريح شوقي وهيامي* يانسيم عن شخصي أروي له* حديث الحب وتأويله .
الوجود مرآة للذات الالهيه:
” لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لاوثان
وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قران،
ادين بدين الحب أنى توجهت ركائبة,
فالحب ديني وإيماني “.(ابن عربي، ديوان ترجمان الأشواق ).
و على نفس المنوال نسج العبادي غزله قائلا : ” ًٍمن أيدي الصناعة يبعد المعلاق* انظر للطبيعة ومجد الخلاق/ انزل ياصديق وشوف يد القدرةشوف حسن البداوة ألما لمس بدره/….شوف النهر ماربي خشوع تقل هجساناو مر المنام بي مقلة النعسان/ جلت قدرته ما اكفر الانسان* كم ينسى الجميل كم يجحد الاحسان/ ……. 10. كما تجد العبادي في قصيدتة من ‘حسن الطبيعة ‘ قد بدأها بالتجلي لعظمة الخالق وهذا ما يتفق مع الفلسفة “الوجودية ” محي الدين ابن عربي ، وان كل الجمال هو مراة للذات الالهية فجاءت مقدمة القصيدة تعكس الاعتراف بهيبة الخالق وجلالة وقد تجلت قدرتة في خلق الجمال الذي بدا في الطبيعة :” من محاسن حسن الطبيعة * تلقى هيبة وروعة وجلال”….شوف نواحي الوادي الخديره*والحمائم يشجيك هديرها * تلقى بدر التم في غديره..دي المحاسن وانا قلبي ديره/شاهد أيد الصانع القديرة* تملا بهجة وعظمة وجلال/فوق هضاب الوادي الوثيره الزهور منظومة ونثيره عن جمال البدو تبدو سيره..وعن محاسن البادية الكثيره* الجداول في حال مسيره* في جبينه التل لازي مسيره* والغداير حول الهلال….” . وقد لخص ابن عربي النظرة الي الطبيعة وأنها مرآة للذات الالهية في : “كل جمال في الطبيعة شاهد على سر مولانا الخفي الممجداذا ما تأملت الغصون وزهرها وجدتها وجه الحبيب ” . كما وصف مصطفى بطران الطبيعة:” شوف جمال الليل ياجميل اصحى الغصون ماخدات مع النسيم كاسحة/ والطبيعة تخيل ثوبا كاسي النيل من جماله مسحه/ النسايم لو غادية او رايحة * بي الأزهار والتعبير فايحة/ الفروع بتميل بالطرب مايحة* والسواقي تئن بي نغمة اللحن صوتها كالنايحة” 11 . اما النظرة الكاملة نجدها عند ابن عربي وان الطبيعة لدية حسب فلسفتة الوجودية انها: مرآة كونية للوجود المطلق والتعددية في التجلي بينما الطبيعة عند ابن الفارض وسيلة تعبير عن الحب الشخصي الالهي فنظم: ” وشمس الضحى في وجة من عشقها تلوح* وروض الزهور ازدادت من لمس راحت * كان نسيم الورد منها تنسما” . والشمس رمز لوجة الحبيب الالهي الذي يشرق بنوره وجة العاشق فيبدد ظلام النفس والجهل . والروض والزهور إشارة الى تجليات الجمال الالهي وان نسيم الورد ماهو الا نفحات المحبة الالهية. كما تجلى التصوف عند عبد الرحمن الريح في قصيدته ” انت نور: ” أقول انت نور من سحر الجمال/ ولا أقول ملاك في دنيا الخيال/ اراك في الحقيقة معانيك دقيقة / وعواطفك رقيقة/ ومناظرك مشيقة / كانك حديقة ومحاسنك زهور” (عبد الرحمن الريح) (12)، ليبين عمق اثر التصوف في استعارته للرموز الصوفية والمفردة ففي قصيدتة ‘خداري’ : ” في فكرتي الكواكب والأنجم السواري* والحور من جمالهن بالنسبة ليك جواري”. اما في ” هات لينا صباح” فالمضمون العرفاني واضح في :” سرنا المكتوم بالدموع انباح* والسهاد امرو لينا مباح/ النسيم ان فاح يمتزج بزلال دمنا السحاح ” 13. نجد الرموز الصوفية بينة فالمحبة الالهية والسر رمز العهد بين العبد وربه ، ففي الادب الصوفي ان الوصول الى حالة الزهد والتخلص من الانجذابة بعيدا عن الماديات تكمن فيها مرحلة العبور وترك الفانية بما حوت وملذّاتها ومن هنا يسعى السالك الى كسب القبول من الخالق من خلال الحب الالهي والسعي للوصول الى الفردوس وهذا حال العارفين السالكين فعبر عن ذلك في قصيدته ‘ سامي الشعور’: ” حافطين سر هوانا في ليلنا ونهارنالا خانت انظارنا ولا انكشفت اسرارنا* بل كانت اخبارنا حمد وشكرا”. فالدلالة الصوفية تنبثق من ديمومة’ الحمد والشكر ‘، والليل والنهار وان الفؤاد والروح موطن التجلي وبالتالي فان البيت يحمل بعدا صوفيا عميقا للعلاقة بين المحب والمحبوب وهي قائمة على الصدق والاخلاص والتوجه الى الله في كل حال حيث ان السر ليس دنيوي بل هو سر الربوبية الذي لا يذاع. أكد هذة الفكرة العرفانية الشاعر الحردلو في:” يا خالق الوجود انا قلبي كاتم سره مالقيت من يدرك المعنى بيهو ابرهو / قصبة منصح الوادي المخدر درو” (13). اما الذكر فيكون ليلا ونهارا وعدم خيانة الانظار هو مايعادل صفاء القلب ، ويقابل ذلك عند ابن الفارض( سلطان العاشقيين) : ” لم ادري اني بالوصال سعيد* الى ان بدا لي منك سر اريد”. وهذا السر المحفوظ بين المحب والمحبوب هو مارمى آلية عبد الرحمن الريح ، وفي قصيدته ‘ عشقت شادن ‘ : ” عشقته من نشأة الطفولة…..محبة* قلوبنا طاهرة وحياتنا أولى ……أحبة / كنّا لا نعرف الهوى * اذا جلسنا الصباح سوى نغيب عن الكون وماحوى / خلقنا من عنصر المحبة * وبقينا طول الزمن أحبة * هوانا فطرة “(14). كما وان الاقتباس من القران الكريم فكان في:” حبيبي من عالم الملائكة* سماوي جالس على الارئك / مكانتة عالية عالية * وطريقة شائك” ( سورة يسن، الاية 56). اما التناص نجدة في قصيدتة ” أنصاف”: ” جنة هواي العذري ندية الانسام* تخلي نار الشوق بردا علي وسلام ” (في سورة الأنبياء ، الاية 69 ) . نجد الرمز الصوفي في النسيم وهو الرسول بين السالك والمحبوب في الادب الصوفي حيث يهيم السالك بالموجود فيرتقي حتى يبلغ اعلى المراتب في العرفان وينال الفيوضات الالهية فتؤول اليه الولاية.
ومن الرموز الصوفية في الشعر مثل النسيم والغصن يشيران الى صفا الروح والانسجام مع الطبيعة ومع الآخرين والتواضع.
اما وان الوجود مرآة للذات الالهية فعبر عنها صالح عبد السيد(ابو صلاح) في قصيدتة ‘ يامن فاح طيب رياه’ : ” ملا سبحان من سواه* جعل من قامتة مثواه” تلتقي الفكرة في هذا البيت بالفكرة الصوفية الكبرى عند ‘ ابن عربي’ :
كل جمال وكل كمال من المخلوقات هو انعكاس من نور الله جلت قدرتة ، هنا يمجد الشاعر المحبوب ليس لذاته بل يمجد الحق سبحانه وتعالى الذي اظهر جماله فيه. والصلة بالفكر الصوفي تمثلت في رؤية ابن الفارض للمحبوب في انه رمز للحق وكل جمال دنيوي تجل فيه الوجود الالهي. كما وان هذه الشطرة من قصيدة صالح عبد السيد( ابو صلاح) تعبر بوضوح عن ان الوجود مرآة للذات الالهية حيث يتجلى الحق في صورة الخلق فيبصرة العارفون عبر الجمال الذي يرونه. اما صالح عبد السيد (ابو صلاح ) فاشار الي الحسن والجمال الذي لايضاهية جمال ‘ بالجوهر الفردي ‘ وهو ذات الشئ وما حقيقته! والفرض هو صفات الشئ وهيئته وأحواله، والجوهر ثابت والفرض متغير ، وهنا الإشارة الى ان ‘الجوهرالفردي’ به استدلال على وجود وحدانية الله وأنة يختلف عن جميع المخلوقات.: ” قلبي همالو خديدك وجمالو* معذب في هواك مالو/الجوهر الفردي* ألما أتلقى مثالوليهو قلبي يلين وقليبو يقسالو”، يعد صالح عبد السيد (ابو صلاح ) من اكثر شعراء الحقيبة استخداما للنجوم والكواكب كرموز للحب والثبات والهدايا، والغربه. اما الجمال في كل مظاهرة كارتباط الروح بالمعنى وتقدير الجمال والحس الجمالي. السكر بلا خمر: “شربنا على ذكر الحبيب مدامةسكرنا بها من قبل ان يخلق الكرم” ( ابن الفارض: سلطان العاشقين)
فالخمر في الفضاء الصوفي هو إشارة الى الفيض المعرفي والروحي وهو ما أشار آلية المتصوفة ” بالسكر الروحي”. .وعند عبد الرحمن الريح هو رمز للعشق الدنيوي :” وسكبت روحي على كاس المحبة سلاف * فهل بعد هذا أكون لسهام نواك أهداف”، حيث يشير كاس المحبة الى الحب الالهي ، وعلى نفس المنوال نجده قائلا :” أسكر من شذاهو واطرب من محاسنه وارتاح لي أذاهو”. كذلك عمر البنّا من مجرد سماع صوتها تاخذه النشوة التي تفعل به فعل السكر بالانسان. كما نظم عمر البنّا ايضا:” اشوف حبيبتي وانظر خدودها* عساها ترحم وتكون ودوده /ومسامعي تسكر من ردودها* تطفي ناري الفاتت حدوده” 15.
والفناء في المحبوب:
” ولم أر غيري من احب فهلكت* وفي فنائي وجدتني”. ( ابن الفارض: سلطان العاشقيين)
” اما الفناء في المعشوق من أدب المتصوفة والفناء في المحبوب كما يقول عبد الرحمن الريح في “سحر الجمال”:
“ذبت في حبك والفؤاد مجروح * ما فضل مني شي خلاف الروح”.
وايضاً ” لو مت في حبك مابينوحوا علي* موتي فيك حياة قلبي* وعمري ليك فدا ” b 15 فالفناء في المحبوب حياة عبر عنها صالح عبد السيد (ابو صلاح ) في :” من فاح طيب رياه: اذا لاح برق ثناياه* السحاب يبكي ويذوب في مياه ” . ان بكاء السحاب وذوبانه قد تجسد في صورة الفناء حيث يذوب الكيان في اصله كما يذوب العبد في محبوبه(الله). نجد ان المحب (كالسحاب) يذوب ويفنى عند ظهور ومضة الجمال (برق الثنايا هي الأسنان البيضاء ) رمز للجمال. اما سيد عبد العزيز فعبر عن ذلك ب:” انا في هواك مفتون* صبابة مالي منها خلاص”. وفي شعر الحقيبة استخدمت النجوم والكواكب مثل : “الفرقدين ” وهما نجما ‘الدب الأصغر ‘ وهما رمزا للهدايا والثبات ، وهذه الرموز تشير للحب ،الغربة ، السهر والحنين . يعد صالح عبد السيد ( ابو صلاح) من اكثر شعراء الحقيبة الذين ذكروا الكواكب والنجوم في قصائده وكذلك العديد من الرموز التي وردت في الادب الصوفي فعبر عن الوجد في:” لي وجدي إللى جسمي ناحل* بحر الشوق مالية ساحل/ بيني وبين النوم مراحل * وبين. الطيف ألفي حيلة” . .نجد ان السهر ، الطيف، البحر الذي يرمز الى الحب اللا متناهي جميعها رموز في الادب الصوفي والفناء في المحبوب يعبر عن التفاني والإخلاص المطلق والتضحية في سبيل القيم.
المحبة والوصال:
” لولاك ماكنت ادري ما الهوى* ولا التلذاذ ولا شرب ولاسكر”( ابن الفارض: سلطان العاشقيين)
وفي الحقيبة نجد ان مصطفى بطران قد ركز على نشوة العشق ومحبة الله والوجد فجادت قريحته ب:” عقلي انشغل يهواك والحكمة عيني لاجة* ومجافية النوم يا أربعيني “، وفي دمعة الشوق قائلا : ” دمعة الشوق كبيحكم حبي ارعى نجم الليل/ نسمة الأسحار ليلي طال هبي انا مساهر ونومي متخبي/انتحل جسمي والمحال طبي/…….خلقك مولاك زينة الكونحبب الأرواح في هواك ياجميل ” 17 الهيام والابتلاء: البعد الصوفي ” زدني بفرط الحب فيك تحيراوارحم حشاي بلظى هواك تسعرا/
ومالي سوى روحي وأبذل نفسي* في حب من يهوى يرى قصرا/
ياسر سري سرني بك في الهوىفلا انت لي الأمل المرجى والمنى ( ابن الفارض: من قصيدتة التائية). ونجد سيد عبد العزيز مثلا قد استخدم بعض الرموز لوصف بعض الأبعاد الصوفية مثل: النور الالهي ، تجلي الصفات، والالهام الروحي وان الدلالة الصوفية عبر عنها السالك هي: الرضا والحرمان ، والابتلاء فجاءت في بعض قصائده : ” احرموني ولاتحرموني نظرة عيني رضاكم”‘، وكذلك في :” احرموني ولاتحرموني من عطفكم وحنانكم” “انا في هواك مفتون … صبابة مالي منها خلاص” ، اما في مداعب الغصن الرطيب فالبعد الصوفي تجسد في: السكون ، الليل والخلوة الصوفية عبر عنها ب:” دنت الثريا بقت قريب بين السلوك في تاني دور في ثانية كم سطعت بدورواهلة كان نوعا غريب.” . والثريا كناية عن دخول الليل حيث السكون والخلوة عند المتصوفة. ……..” احرموني ولا تحرموني سنة الاسلام السلام عطفكم يا من الموني بالأشعة الأسهم رموني……
الشوق والدموع:
“ابكي ومالي بالدموع يدان* الااشتياقا للحبيب المصطفى” (ابن الفارض: سلطان العاشقين )
اما العبادي فجاء ب “مر يانسيم بي جاريواحكيلو كل الجاري/قول ليهو دمعو الجاريفي خدودو سوى مجاري 18. اما عتيق فقد استخدم كثير من الرموز الصوفية ومنها: نور الحبيب، صفا السالك والبعد الصوفي هو الشوق والوجد ومن أمثلة ذلك: ” طيفك سرى حرك مشاعري واسره”، وقد استخدم نفس الرموز الصوفية التي استخدمها محي الدين ابن عربي وابن الفارض ومنها :” النسيم ،البدر،الهيام، السحر، الدمع ، الليل، والحمام فنظم فيها:
” لى دمع فايض بحر* في منابع طرفي نجم الصخر” 19.الملاحظ ان الشاعر عتيق اعتبر ‘النسيم ‘ هوالوسيط الروحي لنقل الأخبار والأشواق للحبيب وهو رمز صوفي تجلى في:” بدري لحسنك سحر* تروي ليك اخباري نسمات السحر”. وفي الادب الصوفي نجد ان البحر والفيض ودموع العشق التي لا تنضب حيث ان الإشارة الى الفرق في الحب والوجد ، فالانتحار عند عتيق يماثل الفناء عند الصوفية ، كما وان ابن الفارض ( سلطان العاشقين) قد نظم فيها :” أرسلت دمعي ليكون رسولاالى من هواه الفؤاد قتيلا” ، وفي اخرى :” ولم ادري أني في هواك متيمان بدا لي دمع عيني يخبر”. اما صالح عبد السيد ( ابو صلاح) يقول:” سهرت جفني ملان* يسرف دمع نازلكالمزن في الهملان. اما البكاء والوجد كرموز صوفية تدل على الإحساس والتعبير العميق عن المشاعر وبالتالي تعبر عن التعاطف والرحمة كصفات حميدة. اما السهر، الليل ، والذكر تعبر عن التحمل في طلب المعرفة والصبر والالتزام الروحي. الحمام رمز للروح المرسلة بالسلام : رمز ابن الفارض الى ” السكر الروحي” ب” كاسات الحمام” ونظم فيها عتيق هذة الأبيات :”ياحبذا تأمرني ونطيعك اذا تسقينها كاسات الحمام”. 20 وعلى نفس النسق الصوفي ومضامينه نظم عتيق ايضا ما يعبر عن ان الدمع مرآة العشق الالهي فأشار اليها:” “تذرف عيوني بحور اقضي الليالي قيام *مابين شوق وهيام *ارعى النجم في سحور وفؤادي ااه منحور ….انا في دجاك ياليل* نجمك بقالي خليل* فارقت نومي دهور “. كما نظم عتيق كثير من القصائد مستخدما الرمز الصوفي ففي قوله : : ” قول ياحمام حي الغمام اسمعني ألحان الربيع”…../ “انا ياحمام لي فيك مرام سيان في الغرام”.
.ذكر عمر البنّا الحمام كثيرا في قصائد عديدة منها على سبيل المثال وليس الحصر: ” ياحمام من غير تواني* ياحمام روح في بضع ثواني / شاهد زينة الغواني * حين تصل اشرح حبي وهواني* باهتمام الشوق رماني/ ياحمام سجعك يحيي الاماني* في غناك اذكر بهجة زماني” 22 . وفي مثال اخر: ” واحتكر فكري وقلبي ولساني* ولم ازل صابر عَل وعساني/ بفتكر حالتي وسقمي الكساني ياحمام” 23. ان الحمام والرسائل هي رموز صوفية تدلل على التواصل الروحي ونشر السلام ، والسلام الاجتماعي وتعد هذة من الصفات الحميدة.
خاتمة
نجد ان التصوف في السودان منظومة متكاملة تؤثر في السلوك الفردي والجمعي ، وعلى التفكير والمشاعر، كذلك على الثقافة. وقد نظم شعر الحقيبة القيم المرتبطة بالتصوف واستخدم الرموز وبعدها الصوفي كمنمنمات في إطار الهوية الروحية للشخصية السودانية مما حدد بوصلة السلوك الجمعي ومن هذة القيم: التسامح، التواضع والانسجام مع الآخرين، نشر الخير والسلام ، الصبر،التامل الروحي ، التعاطف والرحمة، الإخلاص والوفاء، تقدير الجمال وحب الفن والشعر والتي صقلها هذا التراث الصوفي وثبتها الشعر بصورة عامة وشعر الحقيبة بصورة خاصة والحكي. وسوف نتناول ذلك في الجزء الثاني من هذا التحليل.

المصادر:
1.الفيا ، عبد المنعم عجب (2023). شعر الحقيبة بنية القصيدة وبلاغة الصورة، الناشر الأجنحة .

  1. احمد، عبد الحميد محمد. (2005). أمدرمان… حقيبة الفن لماذا؟ ص 117
    3.احمد، عبد الحميد محمد( 2005). أمدرمان حقيبة الفن …لماذا؟ .
    4الفيا،عبد المنعم عجب ( 2023). مصدر سابق سابق ص44
  2. جمال الدين، معاوية ( 2013)..حوارات مع ايقونات سودانية في الفكر والابداع، الناشر مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي. الطبعة الاولى ص40
  3. الجغر، محمد حسن(2008.) مصدر سابق ص132
    7.احمد، عبد الحميد محمد2005 ) . أمدرمان حقيبة الفن …لماذا؟ .مصدر سابق ص80
  4. عتيق، محمد بشير (2020).ص209
    9.عتيق، محمد بشير(2020). مصدر سابق ص9
  5. الغالي، مرتضى(2023). العبادي تجليات العبقرية الشعبية ص 45
    11.الجغر ، محمد حسن (2008) مصدر سابق ص94
  6. الحاج، تاج السر(2021). مصدر سابق 98
    13.الحاج، تاج السر (2021 ).مصدر سابق76
    14الحاج، تاج السر(2021 ). مصدر سابق 96
    15b. الحاج، تاج السر (2021 مصدر سابق ص96
  7. احمد، عبد الحميد محمد(. 2005 )مصدر سابق (83)
  8. الفيا، عبد المنعم عجب ( 2023). مصدر سابق53
  9. الجغر،محمد حسن(.2008) مصدر سابق ص 98
  10. الغالي، مرتضى (2023). مصدر سابق ص 27
  11. عتيق، محمد بشير 2020. مصدر سابق 209
  12. عتيق، محمد بشير (2020).مصدر سابق ص20
  13. عتيق، محمد بشير (2020) مصدر سابق ص 20
  14. احمد، عبد الحميد(2005) مصدر سابق ص 92
    23.احمد، عبد الحميد محمد( 2005 ).مصدر سابق ص93

عن د. سامية عباس كرجويل

شاهد أيضاً

التفكيكية والبعد الصوفي في النص الروائ لروايات الطيب صالح

د. سامية عباس كرجويل اكاديمي باحث وناقد التفكيكية ( Deconstructionism ) حسب ‘ جاك دريدا’ …