eisa.hamouda@gmail.com
د. عيسي حمودة
شكرًا لصديقي الدكتور عزان سعيد، الذي أستضاف البروفيسور قاسم يوسف بدري، في برنامجه الحديث ” بودكاست كشكول”. و حقيقة هذه أول مرة أتابع حلقة من حلقات بودكاست كشكول، وأدركت حقًا كم فاتني من حلقات مميزة. سأعود للاستماع إلى جميعها بعد أن اشتركت في قناة البودكاست على يوتيوب.
سعدت جدًا بالاستماع إلى البروفيسور السفير قاسم بدري، وسأتناول لقب “السفير” لاحقًا هنا.
كانت المرة الأولى التي التقيت فيها وجهًا لوجه مع البروف قاسم في مبنى السفارة البريطانية على شارع البلدية بالخرطوم شرق. كان البروف وقتها عضوًا في لجنة المعاينة لمنحة “شيفينيغ” The Chevening Scholarships Scheme المتميزة وذات الشهرة الواسعة. بعد ذلك اللقاء القصير في مبنى السفارة، الذي استغرق أقل من ساعة، قررت زيارة “الأحفاد”، و تعرف جامعة الأحفاد للبنات بام درمان بهذا الإسم المختصر، للاستفسار عن أدائي. كنت قلقًا بسبب تأخر إعلان النتيجة، وكنت حريصًا على هذه المنحة أكثر من حرصي على دخول كلية الطب بجامعة الخرطوم من قبل سنين من ذلك الوقت. قال لي البروف إنه أعجب بحديثي عن الصحة وربطها بالفقر ومشكلات التنمية، رغم اختياري تخصص ال “وبائيات” Epidemiology و الذي بدا له غريبا و اذكر ان سالني اثناء المعاينة ان اشرحه. شكرته وأضفت قبيل ان اغادر “أنا بالمناسبة أنصاري، ابن أسرة أنصارية”، ولاحظت ارتياحه أكثر بذلك التعريف الإضافي.
بعد عودتي من إكمال الدراسة فوق الجامعية بجامعة إدنبرة، ذهبت للبروف للشكر وللحفاظ على العلاقة والتعارف. في ذات العام، 2004 بعد عودتي، تعاونت مع دكتورة أسماء السني في أبحاث مكافحة الدرن/السل الرئوي. اختارت د. السني البروف قاسم ليكون سفيرًا للنوايا الحسنة لمكافحة الدرن/السل الرئوي، وأوكلت لدكتورة لوران علي زين العابدين مهمة مساعدة البروف، و طلبت مني الاخيرة نكون سكرتارية للبروف، نعمل نحن من خلالها على إعداد الأوراق الفنية وترتيب الاجتماعات مع الفئات التي يود مقابلاتها أو التي نقترحها له لتسليط الضوء على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية للمرض والوباء، من أجل تحفيز المساهمة في مقاومة انتشاره.
كنا نذهب للاجتماع مع البروف في مكتبه بالأحفاد بعد الخامسة مساءً، بعد أن يكون قد قضى يومه في العمل الإداري وربما الأكاديمي، ويواصل معنا الترتيب و النقاش حتى قبيل غروب الشمس، الحمد لله أن شمس السودان تغيب في مواعيد لا تتأخر ولا تتقدم كثيرًا.
كانت تلك فترة تعرفت فيها عليه و تعلمت فيها الكثير من البروف. رأيت عمق علاقاته وارتباطه بقيادات المجتمع المدني والأكاديمي والثقافي والسياسي. حرصت بعدها على حضور فعاليات المناسبات الثقافية والسياسية في الجامعات، ومنها ندوة تحدث فيها السيد الصادق المهدي، عليه رحمة الله، وأخرى تحدث فيها علي عثمان محمد طه. في كلا الحالتين، رأيت البروف قاسم، لا يغير بروتوكول مظهر وهو يلبس ذات البنطال من الجينز و القميص قصير الأكمام، و يجلس في المقاعد الخلفية بعد ترحيبه بالضيوف.
قدم البروف بدري خدمة جليلة لمكافحة الدرن في السودان. أذكر أن طلبنا منه إعداد برنامج لمكافحة الدرن وسط طلاب الجامعات وكيف أن بعضهم أصيب بالمرض. ونسبة لوجودهم في بيئة مكتظة في سوح الجامعة أو مباني السكن الطلابي، فإنهم أكثر عرضة لالتقاط العدوى ونشرها، مما يزيد من خطورته على المجتمع الجامعي وعلى أسرهم.
طلب البروف ان نرتب اجتماعًا لكل مدراء الجامعات وعمداء كليات الطب في العاصمة والأقاليم المجاورة. كنت أظن أن إدارة هذه الجامعات ستبعث مندوبين للحضور، لكن في الاجتماع الذي تم في قاعة الشارقة بجامعة الخرطوم، والذي اقترح مدير جامعة الخرطوم آنذاك البروفيسور محمد أحمد الشيخ علي البروف قاسم ان يتم هناك، كانت دهشتي كبيرة عندما حضر معظم مدراء الجامعات ومعهم بعض مسؤولي شؤون الطلاب وعمداء كليات الطب. كان ذلك مثالًا على مدى تأثير ونفوذ البروف قاسم. وهي ميزة و قوة خفية أرى أنها توارثها أبًا عن جد، كما حكي هو في الحلقة عن تاريخ ودور مجلس أمناء جامعة الأحفاد في تطوير هذا الصرح التعليمي والمجتمعي المديني العظيم.
رافقت البروف قاسم في زيارة إلى باريس للمشاركة في فعاليات المؤتمر العالمي للدرن وأمراض الرئة، وكان انعقاد المؤتمر في شهر رمضان المبارك. هناك رأيت جانبًا آخر من حياة البروف؛ كان صائمًا طيلة أيام المؤتمر التي امتدت إلى خمسة أيام، وكنت أنا أستخدم رخصة عدم الصيام في أوقات السفر. وتساءلت في نفسي، رغم علمي بخلفية البروف الأنصارية وتربيته الروحية، كيف لهذا الرجل الذي يبدو مظهرًا وصيتًا غربياً westernised أكثر من كونه شرقيًا ومحافظًا، أن يكون متدينًا بهذا الشكل الصارم. وأدركت خطل الممارسات في عهد الإنقاذ ودعايات مجموعات الإسلام السياسي في تعلية شأن التدين السطحي وربطه بمظاهر شكلية في اللباس والمظهر عمومًا، وتجاهل روح التدين الحقيقي في الصدق والأمانة والعمل الجاد وخدمة الضعفاء والمساكين، مثل مرضى الدرن/السل الرئوي.
عرفت من هذه الحلقة أيضًا تأثير التدين السوداني الصوفي المتسامح على البروف. وهو تدين ساعده في الموائمة بين العصر والأصل: الربط بين قيمنا وموروثنا الثقافي وبين كونية النظام الثقافي العالمي المتداخل، والذي نحن جزء منه نؤثر فيه ويؤثر فينا مظهراً وشكلاً، ولسنا في حالة صراع عنيف أو مسلح معه. هذا شيء أدركه البروف من خلال التربية والدراسة والممارسة، وعمل على نشره بطريقته الخاصة.
كانت أيام عملي المعدودة مع البروف قاسم ذات أثر عميق على شخصيتي ورؤيتي للعمل العام الذي يتجاوز السياسي منه، كما زادتني حباً له.
وكلما عدت إلى السودان بعد هجرتي للعمل بالخارج، كنت أذهب ما تيسر لي من وقت للسلام، وأنا أعرف الوقت الذي سأجده فيه. تخبره سكرتيرته ويطلب مني الدخول إلى مكتبه وانتظر بداخله، وأشاهد تردد أولياء أمور الطالبات والعاملين، وهو يقضي أمورهم ويداعبهم ساخراً.
تعرفت في تلك الفترة أيضًا على روح البروف المرحة وسخريته اللاذعة والذكيةSarcastic yet intelligent sense of humogur. أذكر هنا واحدة من قفشاته وسخرياته هنا. طلب منه أحد أولياء أمور الطالبات أن يخفض رسوم الدراسة لابنته ورفض البروف وشرح له كيف أن الجامعة تعتمد على هذه الموارد في تسيير أمورها و في البناء. فأجاب الأب قائلاً إنه يعيل خمس شقيقات أخريات لهذه البنت. فرد عليه البروف “أنت والدن خمس مالك؟” وضحك الرجل العجوز ورد على البروف قائلاً ” الله كريم.” فأجابه البروف “حصل شفت الله اداك دولارات في يدك؟” ضحكنا جميعنا ، ثم قال له البروف “ونعم بالله”، وقال للرجل “شفت كيف الدولار مكتوب عليه ‘In God We Trust’ عشان كده ربنا ما بخلّي سعره ينزل الواطة.”، و أوصي بتخفيض رسوم الدراسة لأبنته.
قلت للبروف يومها حقيقة اليوم كنت أود أن أطلب منك تحفيض رسوم الدراسة لابنة خالي- الطالبة و الدكتورة ميادة حالياً فرع عبيد. فقال لي “ميادة والديها في الخليج
و نحن نفرض رسومًا كاملة على أشخاص مثل ميادة لدعم غير القادرين على الدفع. و كانت هناك منح للطالبات من المناطق المهمشة يدرسن الطب و مجالات أخري مجانًا بفضل المنح وبهذه المفاضلة في تخصيص الرسوم الدراسية التي اتّبعتها الأحفاد . ثم شرح البروف لي كيف أن كل البنية التحتية والتطور في البيئة الأكاديمية يتم من خلال هذه الرسوم.
أعجبني أيضًا في الحلقة مع البروف قاسم انه كان يرتدي جلابية “على الله” الأنصارية، ولكن غطى رأسه بطاقية غير أنصارية. ربما كانت رسالة منه علي جمعه و ترابطه مع كل تلك المجموعات السودانية التي شكلت دولة السودان الحديث من المهدية والعهد الكولونيالي وما بعد الاستقلال/ أو ما يُعرف بدولة 56 هذه الأيام، والتي يمثل البروف أحد أهم أوجهها المشرقة، وما أكثر ما هو غير ذلك، خاصة وجهها الرسمي علي اختلاف و تبدل حقبها السياسية والاجتماعية.
د عيسي حمودة
طبيب متخصص في الوبائيات و التنمية
مهتم بالعمل العام و التغيير و العدالة في السودان
eisa.hamouda@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم