بقلم/عمر الحويج
نقول دائمًا البعيد عن العين بعيد عن القلب ، وأنا هنا أحورها لأجيرها لصالح مواقفي ، لتصبح البعيد عن العين بعيد عن النقد ، تبريرُا لغيابي عن النقد والنقاد وربما حتى القراء.
وضرورة الاستطراد بقرض التفسير ، لأحكي عن إغترابي لنصف قرن ، تبقى لتمامه أقل من عامين ، لم أر فيها السودان ، منذ صادفت اجازتي ودخولي الأخير إليه ، بعد أن غادرته يوم 1 /1 / 1980م ومفارقتي له بتأشيرة خروج بلا عودة حتى اللحظة ، ونعل الله من كان السبب في حرماني والملايين من وطننا ، ففي الأسبوع الأول من أنقلاب الانقاذ كانت بداية إجازتي السنوية ، ورغم ما قلته لمن أعلمني صباح جمعة لانقلاب ، يوم حدوثه وأنا في أغترابي ، أنها الجبهة القومية الاسلامية ، ولكني أخذت اجازتي السنوية بموعدها الاجباري حسب لوائح وقوانين البلد الذي أنا فيه ، وقضيت منها اسبوعين وفي الاسبوع الثالث عدت مهرولًا ومقلصًا لها لأكثر من نصف المتبقي من نهايتها الادارية ، وذلك عملًا بنصيحة الكثيرين ، من زملائى وأهلي ومعارفي ، ممن عرفوا إلي أين يتجه المسار ، وحتى اللحظة التي أكتب فيها لم أعد ثانية إلى بلدي وهذه قصة طويلة ، ذي مابقولوا عايزة قعدة بي جبنتها ، المهم في الموضوع لماذا كان الاغتراب أصلًا .
ولك أن تتصوروه ، حين يكون هناك حكم الفرد الديكتاتور ، فقد حدث ببساطة وباختصار ، أن قرر كما الغاء الرياضية بانديتها في وقت لاحق ، أصدر النميري قرارًا عاجلًا لتطبيقه على منسوبي الخدمة المدنية في الخرطوم ، وهو أن يعود كل من يعمل بها من الموظفين إلى ولايته التي نشأ فيها ، لا أظن أحدكم يذكر هذا القرار حتى الذين أصدروه ، ولكني أذكره ، ربما لأني الوحيد على ما أظن من طُبِّق في حقه هذا القرار ، وفي شقه الأخر جزرة ، فمن لايرغب في التنفيذ عليه إنهاء خدماته وطلب المعاش الإختياري . لأنه ما استوى قليلًا هذا القرار ، حتى تم الغاؤه ، لأنهم ربما اكتشفوا أنه لايسوى الحبر الذي كتب به ، حذو النعل بالنعل ، فيما قيل عن قوانين سبتمبر ، ولكن فيما يخصني من القرار ، فقد سبق السيف العزل ، وقد طلبت المعاش ، لأن مسؤولي وزارتي ربما نكاية بي لاستدعآتي المتكررة لأجهزة الأمن ، قررت نقلي إلى نيالا وليس عطبرة ، كما يقول أصل القرار ، مرتع طفولتي وصباي ، وكان تمردي على القرار هو طلب المعاش ، الذي لم اتسلمه ماليًا حتى اللحظة (وكعادل إمام سوف أهز اكتافي يومًا ، والحكم مدني ، وأتقدم إليهم بتؤدة وأقول أدوني فلوسي !! “، المهم تركتهم لي الله ، وتهيأت لامتحان المعادلة ، للالتحاق بسلك المحاماة ، إلا أن للقدر تدابير أُخَّر ، فقد شرفت البلاد في تلك الأثناء ، لجنة معاينات لمترجمين في اقسام الاتصالات السعودية ” الهاتف السعودي حينها ” ، وتم اختيار ستون سودانيًا ، في مهنة مترجم ، أذكر كان من بين هذه المجموعة الصديق الراحل الشاعر د/ مبارك بشير ، رويت من قبل ، عند رثائه يوم رحيله ، قصة عودته عائدًا إلى السودان في الأسبوع الأول من دخولنا للمملكة ، لمواصلة دراسته ، وربطت شجاعته تلك في اتخاذ القرارات الصعبة في مسيرة حياته المستقبلية ، لأنه زاملنا لمدة عام في جامعة القاهرة ، وفجأة قرر الانتقال لجامعة الخرطوم ، وفعلًا قد حدث ، أما أنا فقد واصلت مشواري الجديد الذي قارب النصف قرن إلا عامين كما قلت .
من الاستطراد أعود ، إلى مقولة البعيد عن العين بعيد عن النقد ، فأنا لذلك لا ألوم كثيرًا نقادنا ، حين يتقافلون ليس عمدًا ، دوري في الثقافة السودانية ، وخاصة ريادتي في كتابة القصة القصيرة ،حين يقولها لمامًا بعض النقاد ، لحضوري المبكر في كتابة القصة القصيرة منذ ستينيات القرن الماضي الممتدة منذ عام 1963م أذا نظر المتابع لتجربتي حين نشرت لي جريدة الصحافة أول قصة ، وكانت بعنوان ‘ الإبن والدم والاحلام”والصفحة الثقافية في ذلك الحين كانت تحت اشراف الراحل الأستاذ أبراهيم عبدالقيوم ، وإن كنت كتبت سابقتها ونشرتها لاحقًا ، وأنا طالب في ذات مرحلة الثانوي وعنوانها ” القطار الثاني ” وكانت عن الجوع في شمال السودان ، أطفال يلاحقون القطار ، وصياحهم يصل آذان الركاب “أعطونا نأكل ” مكررة باصوات العشرات منهم ، وهناك من يطعمهم ، من درجات القطار ، درجة النوم إلى الرابعة حتى سطحه ، وقد صادف داخل هذا القطار الخاص ، المسؤول الأول في البلاد ، الذي التفت إلى كتَّبتِه من الصحفيين : قائلا متسائلا ومستفسرًا ، ماذا ستكتبون غدًا !!؟؟ ، قالوا وبصوت واحد [ كما يقول ويردد الآن كَتَّبَةْ البرهان ] : حتي الصغار يخرجون وهم سعداء لاستقبالنا “!! ، والقصة كانت في ذلك الزمن البعيد تتحدث عن التهميش ، وبمظهره الأخير قبل الموت وهو الجوع ، فماذا بعد الجوع أيها المهمشون ، ولم يحمل الشمال منذ ذلك الزمان السلاح ، لانتزاع حقوقه . ولكن مواطنوه الذين ادمنت نخبتهم الحاكمة الفشل ” مننا وفينا” ، ومارست هذا الفشل في أهلهم قبل أهلكم ، وقد نعتناها قبلكم بدولة “٥٦” لأنا ذقنا مٌرَّها قبلكم ، بل مناطقكم كانت هي الأدوات التي كانوا يحكموننا بها ، ويهضمون حقوقنا بواسطتها ، لكن هذا الشمال ومعه جماهير غربكم وشرقكم وجنوبكم ، جميعكم رغم التهميش ، ظل يناضل سلميًا ، دون أن يضطر لحمل السلاح ، إنما استطاع مع بقية شعوب السودان عامة ، انجاز ثلاثة ثورات ، أسقط فيها ثلاثة حكومات عسكرية من أفظع أنظمة الظلم والاستبداد في المنطقة والعالم ، من ضمنها الحكومة التي قارعتموها أنتم بالسلاح بلاجدوى وأسقطتها سلميتنا بلا شماتة في قصور رؤيتكم الخرقاء للتغيير لازالت .
هذا الاستطراد فقط لأقول لحملة السلاح ، ولمن حرضهم ، ومن خرجوا من رحِّمِه ونعِّمِه وامتيازاته ، بدعوى تهميش مناطقهم ، وهم في النهاية وبهذا السلاح ذاته ، أبادوا شعبهم ، بما فيه اهاليهم وذويهم ومن جاء من أصلابهم .
ولأعد ثانية لمقولة البعيد عن العين بعيد عن النقد ، ولأني أتحمل تبعات هذا الغياب ، الذي عظمته وسداه ، غياب النقد عني أعترف ، إلا شحيحه ، فهو أنا من ارتكب فعل الغياب ، فلا يحق لي لوم أحد غيري . فالذنب ذنبي ، إلا واحدًا من النقاد قرأته كثيرًا ومستنيرًا أحترمه أكثر ، كما أيضًا لا ألومه ، وإنما قد أعاتبه ، وجئت اليوم لأقول له ، أن النقد مسؤولية معرفية قبل أن يكون حقًا مكتسبًا في إبداء الرأي . فالناقد ليس ملزمًا بقراءة كل ما يُنشر هذا صحيح ، لكنه ملزم ، حين يصل اليه إبداع باي من الطرق ، بأن تكون معايير اختياره واضحة، وأن يكون حضوره في المشهد الأدبي قائمًا على الاطلاع الواسع والإنصاف ، لا على الانتقائية أو العلاقات الشخصية ، فجئت اليوم هنا قبل أن يأتي يوم شكري لأسامحه وليس بيننا خصومة ، غير السلوكيات التي تفرضها الشروط المعرفية ، ولأحكي وقائع هذه المعاتبة ، لاحتكم بها أليكم ومعكم ، هل تجنيت عليه ، أو على سلوكيات المعرفة وضروراتها كما ذكرت . ولكي لا أظلمه ، فقط أرى أن معايير الاختيار عنده لم تكن شاملة بما يكفي ، وهو ما أدى به – بقصد أو بغير قصد – إلى إغفال بعض التجارب التي كانت حاضرة في المشهد أمامه ، تشملني ككاتب إلى جواره ، أجزم أنه ظل يقرأ لي قصة كل شهر ، كما أنا كنت أقرأه ، والناقد عليه الاختيار تحت مسؤوليته ، ولكن ليس من حقه تجاهل التجارب المعروضة أمامه ، طالما وجدت ، ولندخل في تفاصيل الوقائع .
هناك كان ولازال ، موقع ثقافي باسم مجلة الكلمة اللندنية التي يراس تحريرها الناقد الكبير الدكتور صبري حافظ ، وهي المجلة التي يقرأها إغلب المثقفين الناطقين بالعربية في شتى بقاع العالم ، وكنت مواصلًا النشر فيها مدة عامين ، لم يوقفني من مواصلة النشر ، إلا انتفاضة سبتمر 2013 ، ومن بعدها ثورة ديسمبر 2018م ، التي تفرغت لتفاصيلها بالكامل حتى اللحظة ، وإن كنت لم اتوقف عن شغفي بالمجلة ، ومواصلة قراءة محتوياتها شهريًا . وفي هذه المجلة تعرفت فيها لأول مرة على صديقنا عبد العزيز بركة ساكن ، من خلال تعرفي على كتاباته الروائية ، كما عرفت وقرأت لصديقنا الروائي والقاص والشاعر عمر الصائم ، كما قرأت للراحلة الدكتورة القامة خديجة صفوت وغيرهم ، وللكاتب المقيم والمغترب بمثل سنوات اغترابي د/ حامد فضل الله من المانيا ، الذي واصلت متابعته في موقع سودانايل حيث نكتب فيها معًا .
وكان من أكثر ما أحرص على قراءة ما يكتبه الروائي والناقد الأستاذ أحمد ضحية ، تقديرًا لمكانته النقدية وما لحظته وعرفته عنه من جدية وعمق في التناول النقدي والإبداعي .
غير أن ما أثار دهشتي وبعض ريبتي ، أنه كان قد جمع كل ما كتبه عن السرد عامة من الرواية وحتي القصة القصيرة في السودان ، وقد أحصى اسماء الكتاب في الرواية والقصة منذ مولدهما في السودان ، وقد ذكرهم بالواحد وبالأسم وبالمنتج ، ولم ينس فيهم أحد غير الذي جاوره في الكتابة سنتين كاملتين . ظللت أنا أكتب شهريًا ، ويكتب هو في ذات العدد من المجلة ، وظللت أقرأ ما يكتبه ، أيضًا شهريًا وأظنه يقرأني بنفس الوتيرة ، وتابعته وهو بصدد إصدار وثيقة تاريخية ، يعدها للنشر ، كتاب ستقرأه الأجيال جيالًا بعد جيل ، وأرى أن عدم ورود اسمي فيه لن يضيرني ، وليس من أغراضي الكتابة عنه من هذا المنطلق ، ولكني أعاتبه صادقًا وأقول له ، أن من يتصدى لمهمة النقد ، ولا سيما النقد الأدبي والفكري والثقافي ، مطالب بأن يوسّع دائرة اطلاعه على ما يصدر عن دور النشر أو ما يقرأه ويكون كافيًا للتقييم ، في بلده من شعرٍ وروايةٍ وقصةٍ وغيرها من ضروب الأدب ، سواء أكان العمل متواضعًا أم متميزًا . فمهمة الناقد في هذه الحالة ، ليست الانتقاء وفق الهوى ، وإنما القراءة ثم إبداء الرأي النقدي بموضوعية ، سلبًا أو إيجابًا، دون محاباة أو إقصاء . وعندئذٍ لن يُلام على رؤيته النقدية ما دامت تستند إلى قراءة واعية ومنهج واضح ، أما تجاهل بعض الأعمال وأسماء مبدعيها ، وهي في محازاة ذات محتوى كتابته وكتابتي معه فيها ، وشهريًا ، هل يكون هذا سهوًا أم غمضًا لحق ، لمدة عامين ، بمجلة الكلمة اللندنية ، والتي يرأس تحريرها . الناقد الكبير د/ صبري حافظ وللآخرين أقول لن ألومكم ، فالغائب أنا . والبعيد عن العين بعيد عن القلب وقطعًا بعيد عن النقد هو أنا . وللمعلومية أشدد لن يضير الكاتب أن يغيب اسمه من كتاب ، لكن التاريخ الأدبي يلزمه بالأعراف الادبية ، أن لا يكتمل جهده النقدي ، إلا حين تُقرأ التجارب كلها من ناحيته بمعيار المعرفة لا بمعيار القرب والبعد . أما أنا فسأظل أكتب ، سواء كنت قريبًا من العين أم بعيدًا عنها .”
وفي الختام أقول شكرًا لمن كتب في حقي وأنا البعيد الغائب وفي مقدمتهم أصدقائي . الذين قدموني داخل مجموعتي القصصية ” إليكم اعود وفي كفي القمر ” الراحل البروف عبدالله جلاب والراحل الكاتب والناقد أحمد عبد المكرم والبروف عبدالله علي أبراهبم أطال الله في عمره . والذين قدموا عني دراساتهم النقدية ، منهم النقاد الأصدقاء عزالدين ميرغني والبروف محمد المهدي بشرى والناقد المتمكن عامر محمد أحمد والاستاذ رفيق دربي منذ الصبا صديقي الناقد/أدريس محمد سيدأحمد والروائي والناقد الكبير يوسف العطا والناقد الشاب الاستاذ/ صديق أبراهيم وعذرًا لمن تذكروني في كتاباتهم ونسيت ذكرهم دون قصد .
“وأختم وأقول أنني أؤمن بأن النقد رسالة قبل أن يكون سلطة إشهار أو إنتشار ، فقد اخترت أن أكتب هذه الكلمات معاتبًا لا مخاصمًا ، مناقشًا للمنهج لا لشخص الأستاذ الكاتب والروائي والناقد أحمد ضحية .
ومن ثم له ولكم ودي ومحبتي وجزيل شكري .
omeralhiwaig441@gmail.com
