م. هيثم عثمان إبراهيم
لا يُؤخذ حدث سياسي في زمن الحرب بمعزل عن السؤال الذي يفرضه الواقع لا الشعار. وحين خرجت قوى إعلان المبادئ السوداني ببيانها الختامي في 23 مايو 2026م لم تكن تقدم نفسها للجمهور السوداني فحسب بل كانت تختبر فرضية كاملة، فرضية أن ثمة طريقاً ثالثاً ممكناً بين قطبَي الحرب وأن حامله السياسي يمكن أن يُبنى في ظل الانقسام والدمار وأن ثقة العالم إن هي غابت يمكن استعادتها ليس بالمناشدة بل بالمشروع.
السؤال الذي يُطرح اليوم بعد أن هدأ وقع الكلمات ليس ماذا قالت الكتلة؟ بل كيف تصبح الكتلة ممكنة؟ وكيف تنتقل من كونها إطاراً سياسياً إلى أن تصبح كتلة تاريخية حرجة تملك من الثقل ما يُعيد تشكيل ميزان القوى ومن الثقة ما يجعل المجتمع الدولي بكل انقساماته يستثمر في بقائها لا في فشلها.
الحرب التي تأكل السودان منذ ثلاث سنوات لم تُنتج فقط دماراً مادياً بل أنتجت تآكلاً عميقاً في البنى التي يمكن أن تقوم عليها أي كتلة مدنية. حين ننظر إلى المشهد لا نجد جبهة مدنية قابلة للتشكل التلقائي بل نجد حقلاً من الانقسامات المركبة المتقاطعة التي لا يمكن تجاوزها بالتغاضي عنها أو بالدعوة إلى الوحدة وحدها.
الانقسام الأول عمودي سياسي يتعلق بالموقف من الحرب نفسها وأطرافها. هناك من يرى في الجيش مؤسسة الدولة الوحيدة المتبقية فيتحالف معها ليس حباً في العسكر بل خوفاً من الانهيار. وهناك من يرى في الطرفين معاً وجهاً لنظام واحد هو نظام الحرب فيرفض الانحياز إلى أي منهما. هذا الانقسام لا يُحل ببيان فقط لأنه ليس خلافاً على تفصيلة دستورية بل خلاف على تشخيص الداء ذاته.
وأي كتلة تريد أن تكون حرجة يجب أن تحسم موقفها بوضوح وتتحمل كلفة هذا الحسم لا أن تخففه بحثاً عن توسيع الصفوف. وضوح بيان الكتلة في تحميل المؤتمر الوطني وحركته الإسلامية مسؤولية إشعال الحرب كان خطوة في هذا الاتجاه لكن الوضوح في تحديد العدو ليس كافياً. المطلوب وضوح مقابل في تحديد موقع المؤسسة العسكرية في المشروع السياسي القادم فهي ليست عدواً يُقصف وليست حليفاً يُشرَك. بل جزء فاعل من معادلة الدولة يجب تفكيك منطقه السياسي لا إعدام وجوده المؤسسي.
أما الانقسام الثاني فأفقي بنيوي يتعلق بطبيعة القوى ذاتها. هناك مركز سياسي قديم حزبي ونقابي يمتلك خبرة تنظيمية لكنه مثقل بإرث الفشل والانقسامات التاريخية. وهناك أطراف جديدة شابة ثورية ولدت في ديسمبر 2018 وترعرعت في لجان المقاومة وغرف الطوارئ تمتلك شرعية ميدانية عالية لكنها منهكة مشتتة غير قادرة وحدها على حمل مشروع دولة.
المشكلة أن العلاقة بين هذين القطبين كثيراً ما كانت علاقة تنافس لا تكامل. علاقة اتهام لا شراكة. أي بناء للكتلة المدنية الحرجة لا يستطيع أن يقفز فوق هذا الانقسام ولا يستطيع أن يذيب أحد الطرفين في الآخر. المطلوب ليس الوحدة بمعنى الدمج القسري بل التحالف بمعنى العقد السياسي الواضح بين طرفين مختلفين يجمعهما مشروع جامع وليس مجرد عدو مشترك. وهذا يتطلب شيئاً نادراً في السياسة السودانية وهو الثقة المتبادلة والاعتراف بأن لا أحد يمتلك وحده شرعية تمثيل الثورة.
وثمة انقسام ثالث لا يقل فتكاً وهو الانقسام الجغرافي بين من بقي في السودان تحت وطأة الحرب والنزوح والقصف ومن غادره إلى المنافي حاملاً معه اليقين بأنه الأقدر على الكلام باسم الوطن.
بيان الكتلة صدر من نيروبي مثل كثير من البيانات التي سبقته. ولأن الحرب قطعت أوصال البلاد ولأن التواصل صار صعباً ولأن الجوع والمرض والخوف يلتهمون ما تبقى من طاقة الناس على السياسة صار هناك خطر حقيقي في أن تتحول الكتلة إلى تجمع للنخب السياسية المغتربة ومنفصلاً عن الأجساد الحية التي تدافع عن بقائها في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان.
الكتلة المدنية الحرجة لا يمكن أن تُبنى في المنافي وحدها مهما كانت نقاوة خطابها أو تماسك رؤيتها. فشرط بقائها هو أن تجد لنفسها جذوراً في الداخل ولا يعني هذا العودة الجغرافية المستحيلة بل بمعنى بناء آليات شراكة حقيقية مع الفاعلين المجتمعيين الذين يعملون بصمت بعيداً عن الأضواء في غرف الطوارئ ولجان الخدمات وشبكات التكافل. هؤلاء ليسوا مجرد قاعدة شعبية يُستند إليها في البيانات بل هم المختبر الحقيقي لشرعية أي مشروع وإذا لم يكونوا جزءاً من صنع القرار وليس فقط جزءاً من خطاب الإشادة فإن الكتلة ستظل بناءً نخبوياً هشاً مهما بلغت درجة إحكامه النظري.
غير أن تجاوز هذه الانقسامات لا يكون بالشعار ولا بالدمج القسري بل بعقد سياسي جديد. وهنا بالتحديد يبرز السؤال الأصعب: ما هو الغراء الذي يمكن أن يمسك بهذا العقد؟
الجواب يكمن في مفهوم الكتلة التاريخية كما صاغه غرامشي وليس الجبهة كما عرفها العمل السياسي السوداني التقليدي. الجبهة تقوم على التفاوض بين قمم تنظيمية على توزيع تمثيلي للحقائب والمناصب وعلى توازن مؤقت سرعان ما يختل. أما الكتلة التاريخية فتقوم على شيء أعمق. تقوم على التحام عضوي بين مشروع فكري متماسك وقيادة سياسية جماعية وقاعدة اجتماعية عريضة تجد في ذلك المشروع تعبيراً عن حاجتها لا مجرد تمثيل لمصالحها الفئوية.
الفرق بين الحالتين هو الفرق بين تحالف يُعقد في الفنادق وكتلة تنبت من رحم الواقع.
وبيان إعلان المبادئ السوداني بكل ما فيه من نقاء خطابي لن يصبح نواة كتلة تاريخية إلا إذا استطاع أن ينتقل من مربع إعلان المبادئ إلى مربع بناء المشروع.
فالمشروع وليس التوافق السياسي فقط هو ما يصنع الكتلة الحرجة. وحين نقول مشروعاً فإننا نعني شيئاً محدداً: رؤية دولة قابلة للتطبيق لا مجرد قائمة أهداف.
القوى المدنية السودانية مثقلة بتاريخ من إنتاج الشعارات (الحرية والسلام والعدالة) وإنتاج البيانات، لكنها فقيرة في إنتاج نماذج الحكم القابلة للتنفيذ. لهذا السبب تحديداً يكتسب مقال البروفيسور إبراهيم البدوي والدكتور عصام عباس حول النظام الرئاسي الانتقالي على رافعة الفيدرالية التنموية أهميته الاستثنائية. إنه يقدم للمرة الأولى في الأدبيات السياسية السودانية الحديثة إجابة عن سؤال ما هي الدولة التي نريد؟ وليس فقط ما الذي نرفضه؟.
النظام التنفيذي-التشريعي الهجين الذي يقترحانه مع الفيدرالية التنموية القائمة على الأقاليم والمدن المنتجة وحكومات الوحدة الوطنية البرامجية الممتدة ليس مجرد هندسة دستورية نظرية بل هو عرض سياسي ملموس يمكن أن تتبناه الكتلة ليكون برنامجها للحكم.
وهنا تكمن النقطة المحورية فالكتلة المدنية الحرجة لا تُبنى على أساس نحن ضد من؟ بل على أساس ماذا سنفعل في اليوم التالي لانتهاء الحرب؟.
المجتمع الدولي بكل انقساماته وتضارب مصالحه لا يمنح ثقته لشعارات أخلاقية مهما بلغت نقاوتها بل يمنحها لمشروع حكم قابل للاستثمار. وهذا ليس قدراً أخلاقياً سيئاً للعالم بل هو منطق النظام الدولي ذاته. الدول والمنظمات المانحة والمؤسسات المالية الدولية تبحث عن شريك موثوق لا عن ضحية تستحق التعاطف. والتعاطف وحده لا يبني دولاً ولا يوقف حروباً ولا يفتح خزائن التمويل.
لكن وحتى يكون هذا الكلام دقيقاً علينا أن نتوقف عن الحديث عن المجتمع الدولي كما لو كان كياناً واحداً. الانقسام ليس فقط في داخل السودان بل في خارجه أيضاً. المجتمع الدولي منقسم على مصالحه وهذا الانقسام هو جزء من مشكلة الحرب وليس فقط من مشكلة السلام.
حين ننظر إلى المشهد نجد أربع فئات من الفاعلين الدوليين لكل منها منطقه الخاص ولكل منها ثقته التي يجب أن تُكتسب بطريقة مختلفة.
الفئة الأولى هي دول الجوار المباشر التي ليست مجرد متفرجة بل منخرطة عضوياً في الحرب سواء عبر شبكات التهريب والتمويل أو عبر المخاوف الأمنية من امتداد النزاع إلى أراضيها. هذه الدول لا تبحث عن ديمقراطية في السودان بل تبحث عن استقرار على حدودها وعن شريك يضمن لها ألا تتحول أطراف السودان إلى ملاذات آمنة لمعارضيها.
كسب ثقة هذه الفئة لا يكون بإقناعها بقيم الثورة بل بتقديم خطة أمنية إقليمية ذات مصداقية تظهر لها أن السودان المستقر في إطار مشروع ديسمبر هو أقل كلفة عليها من السودان المفكك أو المحكوم بعسكر لا يسيطرون إلا على ما تطاله مدافعهم.
الفئة الثانية هي القوى الخليجية والإقليمية التي تدير الحرب بالوكالة. هذه الفئة لا تخشى عدم الاستقرار بل تستثمر فيه. وهي لن تمنح ثقتها لكتلة مدنية إلا إذا شعرت أن تكلفة استمرار الحرب بدأت تفوق عوائدها أو أن الكتلة المدنية أصبحت طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية. وهذا يعني أن بناء ثقة هذه الفئة لا يكون أبداً عبر الحوار المباشر في بداية الطريق بل عبر الضغط غير المباشر بمعنى انه يكون عبر بناء كتلة قوية إلى الحد الذي يجعل التحالف معها أكثر فائدة من معاكستها.
الفئة الثالثة هي القوى الغربية الأوروبية والأمريكية. هذه القوى رغم أن كل خطابها حول الديمقراطية تحكمها في العمق اعتبارات ثلاثة: مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية واستقرار البحر الأحمر كممر استراتيجي للتجارة العالمية.
كسب ثقتها لا يكون بتذكيرها بواجبها الأخلاقي بل بإظهار أن الكتلة المدنية هي الحل الوحيد لهذه المشكلات الثلاث. دولة سودانية ديمقراطية مستقرة ستوقف تدفق المهاجرين وستتعاون في مكافحة الإرهاب وستضمن أمن البحر الأحمر.
هذا هو الخطاب الذي تفهمه العواصم الغربية وليس خطاب الحقوق والعدالة وحده.
أما الفئة الرابعة فهي المؤسسات المالية الدولية والمانحون. هؤلاء لا يتعاملون مع قوى سياسية بل مع حكومات وخطط تنموية. كسب ثقتهم يمر عبر شيء محدد للغاية وهو تقديم خطة تنمية قابلة للتمويل وليس برنامجاً انتخابياً.
وهنا يعود نموذج البروفيسور إبراهيم البدوي والدكتور عصام عباس ليكتسب أهميته المضاعفة. فكرة المدن المنتجة ومحاور النمو والفيدرالية التنموية هي أفكار يمكن ترجمتها إلى مشاريع قابلة للتمويل من البنك الدولي وصندوق النقد. ويمكن كتابتها بلغة الجدوى الاقتصادية لا بلغة الأمل السياسي. وهذا هو الجسر الحقيقي بين الكتلة المدنية والتمويل الدولي.
غير أن تفكيك فئات المجتمع الدولي الأربع وتبيان أن لكل فئة ثقتها التي لا تُكتسب بخطاب واحد، لا يتحول تلقائياً إلى سياسة عملية. السؤال يبقى: كيف تمسك الكتلة المدنية بكل هذه الخيوط المتناقضة وتنسج منها غطاءً سياسياً واحداً يحمي مشروعها؟
المخرج يكمن في أن تقدم الكتلة للعالم شيئاً واحداً متكاملاً لكنه مرن بما يكفي ليُقرأ بلغات متعددة. هذا الشيء هو الوثيقة الجامعة التي تحدثنا عنها في سياقات سابقة.
إنها ليست بياناً سياسياً جديداً يضاف إلى بيانات نيروبي وبرلين والقاهرة وأديس أبابا. إنها سند الثقة الذي تطرحه القوى المدنية أمام العالم وفيه لا تكتفي بالقول: نحن نمثل الشرعية الثورية بل تذهب إلى ما هو أبعد إلى القول: هذه هي الدولة التي نقترحها وهذا هو نموذج حكمها وهذه خطتنا لإعادة إعمارها وهذه آلياتنا لمنع عودة الاستبداد وهذه مصفوفة المخاطر التي نراها وكيف سنتعامل معها.
هذه الوثيقة بهذا المستوى من التجسيد تصبح قابلة للتداول ليس فقط في أروقة وزارات الخارجية بل في مجالس إدارات المؤسسات المالية وفي مراكز الدراسات الاستراتيجية وفي أروقة الأمم المتحدة. إنها تنتقل بالكتلة من موقع الطرف المتكلم إلى موقع الشريك المؤسس.
المجتمع الدولي المنقسم على مصالحه لن يتوحد على مشروع الكتلة حباً في السودان لكنه قد يتوحد عليه إذا وجد فيه حلاً لمشكلاته المتقاطعة. وهذا هو المعنى الدقيق لـاكتساب الثقة ليس إقناع الآخرين بأخلاقيتنا بل إقناعهم بأن نجاحنا هو الطريق الأقل كلفة لحل مشكلاتهم.
هذا منطق بارد لكنه المنطق الوحيد الذي تعمل به السياسة الدولية في زمن انهيار القيم العالمية الكبرى.
وهنا نصل إلى نقطة كثيراً ما تُغفل في الأدبيات السياسية السودانية وهي أن المجتمع الدولي لا يمنح ثقته دفعة واحدة ولا يمنحها للأبد. الثقة الدولية تُبنى على مراحل وهي أشبه بالائتمان المالي الذي تمنحه المؤسسات الدولية في البداية بمقدار ضئيل وتختبر أداءك ثم تزيده أو تسحبه بناءً على النتائج. من هنا تصبح مسألة الحوكمة وإدارة التوقعات والشفافية في إدارة الفترة الانتقالية المقترحة ليست مجرد تفاصيل فنية بل هي صلب عملية بناء الثقة.
الفساد والمحسوبية والإقصاء والعشوائية في القرار كلها أمور لا تفقد الحكومة الانتقالية شرعيتها الأخلاقية فحسب بل تفقدها جدارتها الائتمانية أمام العالم. وهذا تحديداً ما يجعل فكرة الآليات الرقابية الإلزامية والتقييم الدوري التي أثرناها في تعقيبنا على نموذج البدوي وعباس ليست ترفاً ديمقراطياً بل شرطاً لاستمرار التمويل والدعم الدولي فالعالم لا يثق بالوعود بل بالأنظمة التي تنتج المحاسبة.
بقي أن نقول كلمة صريحة في مسألة بناء الكتلة نفسها. كل هذا الكلام عن المشروع والوثيقة والثقة الدولية يظل معلقاً في الهواء إذا لم تُحسم مسألة كيف تُبنى الكتلة المدنية الحرجة على الأرض. وهنا يجب أن نتحلى بالشجاعة لنقول إن العقلية التنظيمية السائدة في العمل السياسي السوداني بتركيزها على البيانات التأسيسية والمناصب القيادية والمؤتمرات الصحفية لم تعد كافية.
بناء كتلة تاريخية يستلزم عملاً من نوع مختلف. يستلزم أولاً الانتقال من منطق التمثيل إلى منطق المشاركة. ليس المطلوب هو تمثيل الشباب والنساء والنازحين بلجان رمزية بل إشراكهم الفعلي في صياغة الوثيقة الجامعة ذاتها وفي إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
يستلزم ثانياً التحول من مركزية القرار إلى شبكية العمل. الكتلة لا يمكن أن تكون هرمية برئيس وأمين عام ومكتب سياسي في زمن لم يعد فيه أحد يسيطر على شيء. يجب أن تكون أقرب إلى منصة تنسيق مرنة تجمع فاعلين متنوعين حول مشروع واحد لا أن تكون تنظيماً جديداً يضيف نفسه إلى عشرات التنظيمات القائمة.
ويستلزم ثالثاً الشجاعة للدخول في نقاش صريح حول القيادة فالمشروع السوداني الجديد لن ينهض وهو رهينة لشخصنة الزعامات. الكتلة المدنية الحرجة يجب أن تتبنى نموذج القيادة الجماعية أو القيادة المؤسسية حيث يكون المشروع هو النجم وليس الشخص.
وهذا ليس سهلاً في ثقافة سياسية تعودت على أن تلتحم هوية التنظيم بشخص مؤسسه لكنه شرط لا غنى عنه.
وهنا نصل إلى الخطوة العملية الملموسة التي يمكن أن تكون هي الجسر بين كل هذا الكلام وبين الواقع. تحدث البروفيسور إبراهيم البدوي والدكتور عصام عباس في نهاية مقالهما عن اعتزامهما إجراء استبيان علمي واسع النطاق لعينة ممثلة للشعب السوداني في الداخل والمهجر لقياس اتجاهات الرأي العام حول النظام السياسي المقترح والفيدرالية التنموية وأولويات السلام والعدالة. هذا الاستبيان في تقديري ليس مجرد أداة بحثية. إنه إذا ما تم بشراكة حقيقية مع القوى المدنية الفاعلة على الأرض يمكن أن يتحول إلى أداة بناء سياسي من الطراز الأول.
إنه الوسيلة التي تخرج بها الكتلة من التمثيل الافتراضي إلى التمثيل القائم على الدليل. حين تقدم الكتلة للمجتمع الدولي نتائج استبيان تقول: هذا ما يريده السودانيون فهي لا تتحدث عن نفسها بل تتحدث باسم ملايين تم قياس آرائهم بطريقة منهجية. وهذا يغير طبيعة الحوار كلياً وينتقل من خطاب نحن نطالبكم بالاعتراف بنا إلى خطاب نحن نحمل تفويضاً شعبياً مثبتاً بالبيانات فهل تقبلون به؟ وهذه نقلة نوعية في شرعية التفاوض.
إن بناء الكتلة المدنية الحرجة واكتساب ثقة مجتمع دولي منقسم ليسا عمليتين منفصلتين. إنهما وجهان لعملة واحدة اسمهما: المشروع.
- المشروع الذي يمنح الكتلة تماسكها الداخلي هو نفسه الذي يمنح العالم سبباً لاحترامها.
- المشروع الذي يعالج مخاوف السودانيين من عودة الاستبداد هو نفسه الذي يعالج مخاوف العواصم من عودة الفوضى.
- المشروع الذي يقدم خارطة للتعافي الاقتصادي هو نفسه الذي يفتح أبواب التمويل الدولي.
ما بعد إعلان الكتلة إذن ليس مرحلة البناء عليها كما يُقال عادة بل مرحلة البناء بها. فالإعلان لم يكن محطة وصول بل كان إشارة انطلاق. والآن السؤال الذي سيُختبر به الجميع ليس هل أنتم متحدون؟ بل هل لديكم مشروع؟
لأن المشروع في نهاية المطاف هو الغراء الوحيد الذي يلصق المتحالفين وهو الجسر الوحيد الذي يصل السودان بالعالم وهو الدليل الوحيد على أن ثمة طريقاً ثالثاً ممكناً.
haytham.compre@gmail.com
