بقلم الدكتور ناجى احمد الصديق الهادى
قبيل بزوغ فجر الثورة واندلاع المظاهرات الشعبية العارمة لشباب وشابات السودان تطاولت أعناق النظام السابق للنظر شرقا وغربا لإيجاد تحالفات إستراتيجية يطيل بها من عمره ويتحصن بها فى مواجهة تلك الهبة الشعبية حيث قام الرئيس المخلوع عمر البشير بزيارة هامة لدولة روسيا الاتحادية حيث اعلن من هناك تخصيصه لقاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر حماية لنظامه وتحقيقا لحلم كبير كان يراود الروس فى إيجاد موطئ قدم لهم على البحر الاحمر ولكن الثورة لم تسعف الاثنين معا حيث عجلت تلك الثورة برحيل نظام البشير من منصة حكم السودان ولم تستطع روسيا من بناء تلك القاعدة بالرغم من محاولاتها ذلك اثناء الفترة الانتقالية حيث كانت هيمنة الولايات المتحدة والاتحاد الاوربى على قادة المشهد السياسي المدن كبيرة فى ذلك الوقت
ظل السودان لفترة ليست بالقصيرة تحت الضغط الدولى سياسيا وامنيا واقتصاديا منذ أيام الرئيس عمر البشير الذى أطيح به بثورة لعبت فها المحاور الإقليمية والمخابرات الدولية دورا كبيرا ثم جاء التحالف الهش بين المدنيين والعسكريين نتاجا لوساطات دولية وإقليمية صنيعة للمخابرات الدولية لحكم الفترة الانتقالية
بين يدى توسع المظاهرات الشعبية ضد الإنقاذ تمددت الايادى الخارجية لتغذية وتوجيه الثورة تشكيلا لما بعدها ، التدخل الخليجي كان واضحا ومؤثرا حتى مع الأحزاب السياسية الوطنية واليسارية ، مصالح الخارج الإقليمية تضاربت بين توجه لهيمنة الحاكم العسكري على الحكم كما تجربة السيسى فى مصر والمدعومة خليجيا … دعم الخارج للجيش اضعف الحكومة الانتقالية التى أتى بها الخارج وساهم ضعف شخصية حمدوك فى إخفاق تحقيق الأجندة الخارجية التى طغت على الشعارات والخطط والبرامج لحكومة الثورة
شهدت الساحة السياسية السودانية بعد الثورة استقطابا دوليا كبيرا وصراعا إقليميا ضخما من اجل توجيه السودان نحو خدمة أهداف الإطراف المتصارعة عليه فقد رأينا كيف ان قوى الثورة من تحالف الحرية والتغيير ولجان المقاومة قد دخلت فى صراع محموم مع العسكريين والقوى المتحالفة معه وكيف ان طرفي الحكم فى السودان فى فترة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك قد وصلا الى قمة ذلك الصراع حينما طلب رئيس الوزراء من الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء بعثة أممية للسودان تحت الفصل السادس لدعم السلام والتحول الديمقراطي وقد رأينا أيضا تأثير هذه الخطوة على المكون العسكري حيث شرع من فوره بتسريع خطاه تجاه المحاور الإقليمية من اجل حفظ التوازن الداخلي فى صراعه نحو الحكم …. كما أنها أسهمت فى زيادة الشقة بين المكونين الحاكمين وانعدام الثقة التى كانت لازمة حتى يتعاون الشريكان لإنجاح الفترة الانتقالية
إذن فان البعد الاقليمى والدولي لهما اثر كبير فى مسار الحكم فى السودان بعد الثورة وذلك ان منهج المركب الاقليمى المعقد المرتبط بالاعتماد الامنى المتبادل فى دول الإقليم الواحد – مثل الشرق الأوسط – يؤدى الى التدخل الخارجي فى عملية الانتقال السياسي فى السودان لان الدول الرئيسية والسلطوية فى الشرق الأوسط ترى ان عملية الانتقال للديمقراطية فى السودان ضد مصالحا الداخلية – اى الخوف من انتشار عدوى الفكر والممارسة الديمقراطية فى بلادها ، ومن هنا يكون التدخل عبر بعض القوى السياسية المتنافسة فى السودان مثال ذلك مصر والسعودية والخليج العربى ، تلك هى إستراتيجية استمرار الاضطراب فى السودان عدم استقراره بنجاح الانتقال بنظام ديمقراطي
من ناحية أخرى فان الحراك الاقليمى والدولي فى منطقة القرن الافريقى يؤدى الى تنافس القوى الإقليمية والدولية على التدخل للحفاظ
على مصالحها الإستراتيجية فى منطقة البحر الأحمر حيث تتمدد تجارتها النفطية عبر البحر الأحمر كمعبر استراتيجي لا يمكن التفريط فيه
من هنا كان تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبى وانحيازها المباشر لقوى الحرية والتغيير والتى استثمرت بدورها هذا الدعم لرفع سقفها فى التفاوض الى درجة أنها كانت ترفض وعلى الدوام اى دور للمكون العسكري فى حكم السودان .
إذن فان عوامل التدخل الخارجي فى الشأن السوداني بعد الثورة كانت تتركز فى
أولا : خشية الدول السلطوية الإقليمية من انتشار عدى الديمقراطية عبر الحدود الى أراضيها وبالتالي تحاول ان تتدخل اما لإفشال عملية التحول الديمقراطي وإما لاستدامة الاضطراب السياسي
ثانيا : أما العامل الثاني فهو الخاص بتكالب الدول العظمى على القرن الافريقى وما يحدث فى السودان يؤثر على مصالحها من قريب او من بعيد ولهذا يكون التدخل الماثل فى الأزمة السودانية فى السودان ، وبهذه العوامل أصبح التوافق السياسي فى السودان على لسان مقال كل سياسي لكن لسان حاله ابعد ما يكون عن ذلك
من الملاحظ ان النظام السياسي لما بعد الثورة قد سار عبر دروب متعرجة وطرق متشعبة وواجهته عقبات كأداة وذلك ان ذلك النظام كان كسيرا واعرجا قام على توافق هش وعلى ازعان يشوبه التوجس وعلى مداورة ومخادعة ومداهنة وكان الكل يعلم بذلك وكان والكل يعمل ليوم تتمايز فيه الصفوف ليتربص الناس بعضهم ببعض ويقصى بعضهم بعض وبعد عاميين ونصف فقدت الحكومة تجانسها بين المكونين العسكري والمدني ولم تستطع القيام بالواجبات المنوطة بها ما عدا محاولة تفكيك النظام السابق .. إضافة الى انتشار خطاب الكراهية الاجتماعي والسياسي الذي أوشك ان يدخل البلاد فى حرب أهلية بل انه أدى إلى تصدع قوى الحرية والتغيير مع ارتفاع حالات الخلاف بين الحليفين – المدني والعسكري وبداية تصدع الحاضنة الشعبية للثورة وبل وتصدع قوى سياسية عديدة ، فخلقت كل تلك الجاذبات مناخا مواتيا لتدخلات أجنبية سواء أكانت إقليمية او دولية وليس بعيدا عن الفهم ان تلك التدخلات كانت تتم بصورة سافرة وجريئة وان كا أطراف العملية السياسية فى السودان تدافعوا نحو سفارات الدول الأجنبية للاستقواء بها و اكبر دليلا على ذلك الاعتراف الشهير والخطير الذى أدلى به حميدتي بان السفارات مستمرة فى تدخلاتها
لم تكن التدخلات الخارجية مصدر قلق او خجل بالنسبة لقادة المشهد السياسي سواء فى فترة حكومة حمدوك الأولى او حكومة ما بعد انقلاب 25 أكتوبر بل ان كثيرا من القوى السياسية كانت تتهافت على السفارات الأجنبية بغية مناصرتها على المكون العسكري مما حدا بالعسكريين الى اللجوء لمعسكرات اقليمية ودولية مغايرة ونشط فى بناء علاقات سياسية وتجارية مع موسكو وانقرة وتوجوا كل ذلك بالتطبيع مع إسرائيل .
إن الظرف الاقليمى والدولي الذى حدث فيه التغيير ظرف بالغ التعقيد ظل السودان مرتبطا بتفاصيله ومساهما فى صناعة بعض ملامحه الامر الذى عزز مكانته فى الصراع الاستراتيجي ببعديه الاقليمى والدولي وجعل منه فى الوقت نفسه مسرحا للصراع بين إرادات الخارجية المختلفة ولهذا فان تهافت المكونات العسكرية والمدنية للحكومة السودانية ظلت طيلة فترة ما بعد الثورة تبحث دون كلل عن تحالفات إقليمية ودولية تضمن لها الاستمرار والديمومة فلم يكن من عجب أن تصل الحال للمكون العسكري لمجلس السيادة السوداني بكسر كل الحواجز والموانع ضد التطبيع مع إسرائيل وان تصل الحال بالمكون المدني بمطالبة مجلس الأمن بإنشاء بعثة اممية بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي فى السودان ، وكلا الأمران من شأنه ان يفتح أبواب السودان على مصراعيها لتمكين القوى الخارجية من التأـثير المباشر على مصادر القرار السوداني وقد رأينا كيف ان فوركر كان يتدخل فى كل صغائر وكبائر القرار الذي يتعلق بالانتقال الديمقراطي حتى أصبح العداء بينه وبين من يؤيدون العسكريين ويمقتون المدنيين عداءا سافرا وصل الى مرحلة التهديد بالقتل على رؤوس الأشهاد
أمام كل هذه التموضعات التى مارسها العسكريين وأعوانهم من جهة والمدنيين وحلفائهم من جهة أخرى زاد انكشاف السودان أمام التحديات الخارجية التى كانت تمسك بتلابيب القرار السياسي فيه على صعيد سلطة الأمر الواقع فيه وعلى صعيد شريكتها فى منصة الحرية والتغيير الأمر الذي أضاف للتحديات الوطنية تحديا يتصل مباشرة باتخاذ القرار الوطني مثل ما يتصل بمصير أهداف الثورة التى يتصدرها إقامة نظام ديمقراطي
لم يكن هنالك طريقا آخر فى رأى قادة المشهد السياسي لإدارة اختلافاتهم وتبايناتهم غير طريق الكيد لبعضهم البعض من جهة والاستقواء بالخارج الاقليمى والدولي من جهة أخرى حتى لو أدى ذلك الى ضياع هيبة القرار الوطني وهكذا أصبح الطريق معبدا امام الخارج بكل طوائفه للدخول الى ساحة الفعل السياسي السوداني فمن جهة عمدت المصالح الإقليمية مستفيدة من زيادتها فى الأجهزة الأمنية الى إضعاف المكونات السياسية المختلفة خاصة الأحزاب التقليدية فأعملت فيها الانشقاقات والتخاصم داخلها وفيها وبينها ليفشل التوافق السياسي الوطني من الانتقال الديمقراطي وفى المقابل ارتفعت عقيرة أحزاب صغيرة بسند الخارج مستأسدة لتفتح المجال للتدخل الاجنبى الكثيف فى الشأن السوداني ولا نعلم ان كان قادة المشهد السياسي آنذاك يدركون حقيقة ان مصالح الدول تقضى التدخل السافر او المستتر فى سيادة الدول الأخرى كما لا نعلم ان كان أولئك القادة يعرفون ان العنف الدولي فى بعض مظاهره يعنى فرض الهيمنة وفى هذا يقول فردريك انجلو ,, الضغط الدولي آداه الهيمنة ,, فكل الدول تسعى للحفاظ على سيادتها ومصالحها فتمارس الضغط على بلد اخر للمس بجانب من سيادته وهذا شكل من أشكال العنف وفى هذا الخصوص فان ما قامت وتقوم به بعض الدول الكبرى يدخل فى نطاق العنف الدولي الذى يسعى الى التدخل فى أدق خصوصيات الدول الأخرى بل ويسعى الى الهيمنة الكاملة عليها بحيث تدور قراراتها السيادية فى فلك مصالحها وما قامت به الولايات المتحدة – مثلا- من اعتداء على الجماهيرية العربية عام 1986م والعراق عام 1991م وعام 2002م والسودان عام 1998م كلها تشكل نوع من أنواع العنف الدولي الذى يمس سيادة تلك الدول وأمنها القومى وعلى كل فان كثيرا من الأحزاب والكيانات فى الدول الفقيرة تسعى سعيا حثيثا الى رهن سيادة دولها لبعض الدول الكبرى طمعا فى إبقاءها فى سدة الحكم ا والى إيصالها إليها
نخلص مما سبق ان علاقة الأحزاب الكيانات السياسية والعسكرية فى فترة ما بعد الثورة بالدول الخارجية كان بها الكثير من الغموض السياسي من جانب تلك الكيانات فقد عمد كل كيان من كيانات ما بعد الثورة بشقيها العسكري والمدني الى الاستقواء بالدول الخارجية ليقينهم التام بان كل كيان منها كان يكيد للأخر بل ان كل منها يريد ان يطيح بالآخرين ولهذا كان ذلك الاستقواء على حساب حفظ كيان الدولة وقرارها السيادة بل وكان على حساب مقدرات الشعب السوداني فى صون ثورته المجيدة التى ضحى فيها بدمائه ، وهكذا اصيح السودان فى فترة ما بعهد الثورة فريسة سهلة لكل من أراد ان يأخذ نصيبه من إمكانيات السودان الاقتصادية كما أصبحت الخلافات بين مكونات المشهد السياسي تتصاعد وتتفاقم ليس بفعلهم ولا وارداتهم وانما بفعل غيرهم حيث ان هذا الغير يسعى هو نفسه الى الحفاظ على مصالحه دون الالتفات الى مصلحة الدولة او سيادتها او أمنها القومي
najisd2013@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم