فيصل بسمة
fbasama@gmail.com
بسم الله الرحمن الرحيم و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
إستضاف الأستاذ منعم سليمان السيد محمد الحسن التعايشي رئيس وزرآء حكومة تأسيس/نيالا ، و قد تناول اللقآء الحرب و الأزمة السودانية الراهنة لكن أكثر ما لفت الإنتباه هو قناعة السيد محمد الحسن التعايشي بأن:
- الفترة الإنتقالية ”لم تفشل“
- القوى الديموقراطية كان بإمكانها أن تجد ”صيغة تحالف“ أقوى و أشجع مع قوات الدعم السريع (مليشيات الجَنجَوِيد) و قآئدها محمد حمدان دَقَلُو (حِمِيدتِي) أثنآء الفترة الإنتقالية عن طريق ”النقاش و الإتفاق“
- هذا ”التحالف“ كان سوف يمنع أو يجعل برهان يتردد كثيراً قبل أن ينضم بشكل كامل و واضح إلى جماعة الإسلاميين
- من ”الأخطآء“ التي أقدمت عليها القوى الديموقراطية في الفترة الإنتقالية هي أنها لم تكسب حميدتي و قوات الدعم السريع (مليشيات الجَنجَوِيد) إلى صفها
- هذا ”التحالف“ إن لم يمنع الإنقلاب و الحرب فقد كان بإمكانه تأخيرهما ، و عدم قيام هذا ”التحالف“ هو ما دفع حميدتي إلى المشاركة في الإنقلاب على حكومة الفترة الإنتقالية ثم التراجع عن ذلك لاحقاً ، و أن هذا ”التحالف“ كان سوف يجعل المواجهة مع الإسلاميين تاخذ شكلاً مختلفاً ، و ذلك لأن الإسلاميين:
{بعملوا مية حساب أن يقدموا على خطوة إنقلاب إن لم يكن حميدتي جزء من ذلك الإنقلاب… و يعملوا مية حساب أن يدخلوا في حرب إن لم يعملوا حساب لحميدتي… و أن القوة العسكرية للدعم السريع كان يمكن التحالف معها لمصلحة الإنتقال الديمقراطي…}
التمعن في و النظر إلى تصريحات السيد محمد الحسن التعايشي يثير عدة نقاط و تسآؤلات ، كما يقود إلى قرآءت/إستنتاجات:
- ما هي معايير قياس نجاح أو فشل الفترة الإنتقالية؟
- ما هو التفويض الذي منحته ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ميلادية لحكومة الفترة الإنتقالية؟
الإجابة على هذين السؤالين في الرجوع أولاً إلى شعارات ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ميلادية: - مدنية… مدنية… ضد الحرامية…
- حرية ، سلام و عدالة… مدنية خيار الشعب…
- العسكر للثكنات و الجنجويد ينحل…
و الشاهد هو أن الفترة الإنتقالية ”الغير فاشلة“ لم تشهد أي نشاط للنيابات العامة و القضآء في ملاحقة و محاكمة المسيئين و الحرامية من قيادات و رموز و أعضآء الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) و قيادات و منسوبي الجيش و الأجهزة الأمنية و تنظيمات الإسلاميين المتعددة و مليشيات الجَنجَوِيد (قوات الدعم السريع) المتورطين في: خرق الدستور و مخالفة القوانين و قمع المواطنين و إزكآء نيران الحروب الأهلية و إرتكاب المجازر/الإبادات الجماعية و الإنتهاكات و ممارسة الفساد المالي و الإداري…
كما لم ترى الفترة الإنتقالية حدوث أي تحسن أو تغيير في أوضاع المواطنين المعيشية ، أو أي تقدم ملحوظ في ملف السلام الحقيقي و المصالحات المجتمعية ، و كانت السمة المميزة للفترة الإنتقالية هي تسلط/تجبر الشق العسكري في مجلس السيادة الإنتقالي (أعضآء اللجنة الأمنية العليا لنظام الجماعة الإنقاذية المتأسلمة) و إنفراده بالسلطة و إتخاذ القرار…
و الشاهد هو أن الكثير من السودانيين قد لمسوا و عايشوا الأدآء الغير مقنع للحكومة الإنتقالية و عدم إستثمارها للزخم الثوري مما أغرى/شجع الشق العسكري في مجلس السيادة الإنتقالي و من يدعمهم من المتأسلمين على التمادي في عرقلة و إعاقة أعمال الحكومة و العمل على تمييع الحالة الأمنية من خلال التساهل/التعاون مع التنظيمات الكيزانية المختلفة مما أثار الفوضى و هيأ المناخ و المسرح السياسي للإنقلاب على حكومة الفترة الإنتقالية ثم إشعال الحرب…
و إذا لم تكن كل هذه الأحداث فشل و إخفاقات فما هو الفشل؟
و كيف تُعَرَّفُ الإخفاقاتُ؟
و هل يقاس النجاح فقط: بالوعود بإنهآء المقاطعة و رفع إسم السودان من قآئمة الدول الراعية للإرهاب و وعود شطب الديون الخارجية و تمويل المشاريع الإقتصادية و إستقبالات رئيس الوزرآء ”المهيبة“ في العواصم و المحافل ”العالمية“ و أحاديثه الرآئعة في المنابر ”الدولية“ عن: الشراكة ”المثالية“ بين المدنيين و العسكر و العبور و الأضوآء في نهايات الأنفاق؟!!!
و يستنتج المرء من حديث السيد محمد الحسن التعايشي العضو السابق في مجلس سيادة الفترة الإنتقالية أن: - تحالف قوى الحرية و التغيير (قحت) الذي شارك العسكر الحكم إبان الفترة الإنتقالية لم يكن ”فاشلاً“ ، لكنه كان ضعيفاً بدليل حوجته إلى ”صيغة تحالف“ مع بندقية مليشيات الجَنجَوِيد تسانده/تسنده و تقويه
- النضال/الكفاح المدني الغير مسلح غير كافي لإزالة الطغيان و إحداث التغيير ، مما يعني أن البندقية (النضال/الكفاح المسلح) هي السبيل الوحيد و الوسيلة الأنجع
- الغاية تبرر الوسيلة حتى في الثورات الجماهيرية ذات الأهداف النبيلة ، مما يعني إمكانية إستخدام/إستغلال الرَّبَّاطَة (قاطعي الطرق) و القتلة مرتكبي الإبادات الجماعية و الإغتصاب و التشريد و حرق القرى و بقية الإنتهاكات ، الذين يؤمنون بسمو عرقهم على بقية الأعراق السودانية ، و الذين لا يحترمون أبسط حقوق الإنسان ، بالإمكان إستخدامهم لخدمة أهداف و شعارات ثورة ديسمبر النبيلة المتمثلة في: المدنية ، الحرية ، السلام و العدالة ، و العسكر للثكنات و الجنجويد ينحل
ثم يعود المرء للتسآؤل مرة أخرى: - كيف تم تأهيل مليشيات الجَنجَوِيد في هذه الفترة الزمنية الوجيزة و تحويلهم من قتلة و قطاع طرق إلى أدوات ثورة و تغيير؟
و قبل ذلك: - هل تمت محاسبة و معاقبة المسيئين من قادة و جنود مليشيات الجَنجَوِيد على ما إقترفوه من ظلم و فساد و إجرام في حق الشعوب السودانية قبل التأهيل؟
و يتسآءل المرء أو لم يكن من المفترض/الأمثل/الأجدر أن تكون المرجعية الأخلاقية/القانونية/الثورية التي منعت/تمنع التفاوض مع الجماعة الإنقاذية المتأسلمة (الكيزان) قبل المحاسبة و المحاكمة على جرآئم: خرق الدستور و ممارسة القمع و الكبت و التوقيف و التعذيب و القتل و ممارسة كل أنواع الظلم و الفساد المالي و الإداري خلال عقود حكمهم البئيس لبلاد السودان هي ذات المرجعية التي تمنع ”التحالف“ في ”أي صيغة“ مع عسكر اللجنة الأمنية و مليشيات الجَنجَوِيد المتورطين في الكبت و القمع و المجازر و الإبادات الجماعية و الإنتهاكات في: دارفور و كولومبيا و ميدان القيادة العامة و أماكن متفرقة من بلاد السودان و إنقلاب الخامس و العشرين (٢٥) من أكتوبر (١٠) ٢٠٢١ ميلادية و المشاركة في إشعال حرب الخامس عشر (١٥) من إبريل (٠٤) ٢٠٢٣ ميلادية و ما صاحبها من جرآئم و إنتهاكات ، هذا عدا جرآئم المحسوبية و الفساد المالي و الإداري…
و تستمر التسآؤلات: - ما الذي قاد السيد محمد الحسن التعايشي إلى الإقتناع بأن حميدتي و مليشيات الجَنجَوِيد قد تأهلوا و تغيروا بالفعل؟
- و ما الذي يمنع حميدتي و مليشياته من تحقيق أطماعهم في حكم بلاد السودان و التحكم في الموارد؟
- هل يمكن الوثوق في حميدتي و مليشيات الجَنجَوِيد؟
و الغالب هو أن السيد محمد الحسن التعايشي بات يثق في مليشيات الجَنجَوِيد و قآئدها ، و أنه قد توصل إلى تلك القناعات و الإفتراضات الجازمة من بعد تعرفه عن قرب على و معايشته اللصيقة للشخصية ”الجديدة“ التي تقمصها قآئد المليشيات ، القآئد ”الرباني“ حميدتي الذي زالت عن عينيه/بصيرته الغشاوة فيما بعد: إنقلاب أكتوبر و التوقيع على الإتفاق الإطاري و نشوب الحرب الحالية ، القآئد حميدتي الذي إنتقل من: مرحلة التحكم في ”بَلِف“ بلاد السودان و ألسنة ”أولاد المَرَة“ و ”الأفندية“ و ”النقعة“ حيث ”الذخيرة“ التي ”تَوَرِي وَشَها“ و قمع ثوار ثورتي سبتمبر ٢٠١٣ و ديسمبر ٢٠١٨ و مجازر كولومبيا و إعتصام ميدان القيادة العامة و إسكان الكَدَايس العمارات إلى مرحلة حميدتي القآئد ”القومي“: قاهر الكيزان و ناصر ثورة ديسمبر و حليف الثوار و الغلابة و جميع المهمشين و الساعي إلى هدم دولة ستة و خمسين (٥٦) و إقامة دولة السودان الجديد على أنقاضها و على مرتكزات: المدنية و الحرية و السلام و العدالة و المساواة و العلمانية…
و يبدو أن إحسان الظن بالآخرين و النظرة المثالية/التسامحية إلى مليشيات الجَنجَوِيد هي التي قادت/دفعت السيد محمد الحسن التعايشي إلى الزعم بأنها ”حركة إجتماعية“ تبحث عن الإصلاح و حقوقها في دولة ظالمة ، و هو بالطبع يعني دولة الكيزان التي إستغلت إجادة مليشيات الجَنجَوِيد للبطش و القتل و بث الرعب و الخوف في بسط سيطرتها و هيمنتها على الحكم و الدولة و من ثم تحقيق أهدافها و مشاريعها الأيدلوجية/السلطوية/الدنيوية ، و هنا لا بد أن نحسن الظن بالسيد محمد الحسن التعايشي و نفترض أنه قد بنى إفتراضاته و قناعاته تلك بحسبان أنه لم يدري أو يَطَّلِع على سجل مليشيات الجَنجَوِيد في: القتل الجماعي و الإرهاب و النهب و السلب و الإغتصابات و حرق القرى و بقية الإنتهاكات و الممارسات العنصرية الصريحة التي تُحَقِّرُ الآخرين المختلفين عرقياً و ثقافياً و تنفي حقوقهم الإنسانية…
الختام:
و لو إستمر الحال بذات المنوال و الوتيرة فلن تكون هنالك دولة جمهورية السودان التي يعرفها/عرفها العالم ، بل سوف تنشأ مكانها دويلات ذات حدود تم ترسيمها على خطوط: اللسان و العرق و القبيلة و الجهة ، دويلات يحكمها أمرآء حروب ، و توجهها دول لها مصالح إستراتيجية في بلاد السودان أرض الذهب و المعادن و المنتجات الزراعية و الأنعام…
و على الرغم من التشآؤم و القتامة البادية في الفقرة أعلاه إلا أنها الحقيقة التي تستند إلى الواقع و المعطيات و ما يجري على أرض بلاد السودان ، و على الرغم من ذلك فلا بد من التفآؤل ، حتى و لو كان ضئيلاً ، و الإيمان بأن لا بد للحرب أن تتوقف حتى و لو بعد حين ، و لن يحين ذلك الحين قبل أن تبلغ الحرب مداها في الخراب و الموت ، و قبل أن يبلغ الطرفان المتحاربان مرحلة الإنهاك و العجز التآم ، و حينئذ فقط يمكن للمتفآئلين و أصحاب المصلحة الحقيقية في الثورة و التغيير أخذ زمام المبادرة و إستلام أمر إدارة بلاد السودان و الإنتقال بها إلى مرحلة بنآء الدولة المدنية التي أركانها: الحرية و السلام و العدالة و الحقوق المتساوية ، الدولة ذات السلطات التي تحقق إبعاد العسكر عن أمور: السياسة و الحكم و الإقتصاد ، دولة العدل التي تمتلك الأدوات و القدرة على محاسبة و معاقبة المسيئين ، الدولة التي بإمكانها تهيئة البيئة المساعدة و المُحَفِّزَة على الإعمار…
و الحمد لله رب العالمين و أفضل الصلاة و أتم التسليم على سيدنا محمد.
فيصل بسمة
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم