التفاوض ليس ضعفًا… بل معركة الانتقال من الغلبة إلى الدولة

الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع عسكري بين طرفين، بل تحولت إلى اختبار تاريخي لطبيعة الدولة نفسها: هل تُحكم البلاد بمنطق الغلبة أم بمنطق المؤسسة؟

طوال عقود، ظل السلاح في السودان يتجاوز الدولة بدل أن يخضع لها. تعددت مراكز القوة، وتشابكت شبكات التمويل، وبرز ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الحرب” — حيث يصبح القتال مصدر دخل، وتتحول السيطرة على الأرض إلى مورد مالي، ويُختزل الولاء في شخص القائد لا في القانون العام.

في هذا السياق، لا يكفي أن نسأل: من سينتصر؟
السؤال الأعمق هو: أي نموذج سينتصر؟

هل سينتصر نموذج الغلبة، حيث يفرض الأقوى إرادته بالقوة، ثم يعيد إنتاج دائرة العنف؟
أم سينتصر نموذج الدولة، حيث يُحتكر السلاح، وتُوحد الميزانية، ويُخضع الجميع لقانون واحد؟

اقتصاد الغلبة قد يمنح مكاسب ميدانية، لكنه لا يبني دولة.
فالدولة لا تقوم على تعدد الجيوش، ولا على تمويل موازٍ، ولا على تعبئة أيديولوجية تضع الولاء فوق القانون.

أي قوة مسلحة خارج إطار ميزانية وطنية شفافة تظل جزءًا من المشكلة، مهما رفعت من شعارات.
وأي جيش يُدار بمنطق سياسي ضيق يفقد طابعه المهني ويتحول إلى أداة صراع داخلي.

الغلبة قد تحسم معركة، لكنها لا تحسم سؤال الشرعية.

التفاوض في الحروب الأهلية ليس اعترافًا بالهزيمة، بل اعتراف بأن الحرب وصلت إلى سقفها.
هو انتقال من منطق الإقصاء إلى منطق التنظيم،
ومن منطق السيطرة إلى منطق الشراكة المؤسسية.

لكن التفاوض الحقيقي ليس تقاسم مناصب.
هو تفكيك بنية الحرب.

أي تفاوض لا يضع في جوهره:

١. جيشًا وطنيًا واحدًا.
٢. ميزانية عسكرية موحدة تخضع للرقابة العامة.
٣. إنهاء كل التشكيلات الموازية.
٤. إخضاع السلاح بالكامل للقيادة المدنية الشرعية.

سيكون مجرد هدنة مؤقتة.

المعركة اليوم ليست بين قائدين.
هي بين نموذجين للدولة.

إما دولة تحتكر العنف وتدفع الراتب وتُحاسب،
أو سلطة تقوم على الولاءات المتعددة واقتصاد الحرب.

إنهاء الحرب لا يتحقق بانتصار عسكري أحادي،
بل بانتصار سياسي يُعيد تعريف السلاح:

من أداة غلبة…
إلى أداة حماية.

ومن مورد شخصي…
إلى وظيفة عامة.

السودان أمام مفترق طرق:

إما أن يواصل الدوران في حلقة الغلبة،
أو أن يختار لحظة شجاعة سياسية تؤسس لجيش واحد وقانون واحد وميزانية واحدة.

الدولة لا تولد من رحم الفوضى،
بل من قرار واعٍ بإنهائها.

السودان لا يحتاج غالبًا…
السودان يحتاج دولة.

ومن لا يريد دولة،
فليقلها صراحة: إنه يريد سلطة بلا حساب.

ولقد حكمت السلطة الإسلامية السودان بلا مساءلة لمدة خمسة وثلاثين عامًا؛
انتقلت الأموال إلى الصناعات الدفاعية،
وانتقلت المؤسسات إلى قبضة الحركة الإسلامية،
وانتقل الخراب والدمار إلى كل أرجاء الوطن.

وهكذا دُفعت البلاد من منطق الدولة إلى منطق الغلبة،
ومن القانون إلى الامتياز،
ومن الخدمة العامة إلى اقتصاد التمكين.

والآن، إما أن نكسر هذه الحلقة،
أو نعيد إنتاجها بثوب جديد.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

التاريخ: ١ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

الزراعة… العمود الفقري لاستقرار السودان الجديد

د. احمد التيجاني سيد احمد ٢٢ فبراير ٢٠٢٦ روما ايطاليا ahmedsidahmed.contacrs@gmail.com حين نتحدث عن إعادة …