باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 13 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

التَّصَوُّف وتراجم المُتَصوِّفَة في السودان

اخر تحديث: 13 يوليو, 2026 12:03 مساءً
شارك

التَّصَوُّف وتراجم المُتَصوِّفَة في السودان
كيف تحوّل الزهد إلى زعامة، والولاية إلى وراثة، ولماذا قد تجد لِلْوَلِيِّ الواحد ضريحين تفصلهما فلاة

د. الرشيد خليفة

التصوّف والمُتصوّف
التصوّف، في أبسط تعريفاته، هو محاولة الإنسان أن يتجاوز علاقته بربّه من مجرّد أداء الفرائض إلى تذوّق طعمها، أن ينتقل من العلم بالله إلى الذوق فيه، ومن السماع عن الجنة إلى استعجالها في الصدر قبل القبر. سمّاه القوم علم الباطن، وسمّاه خصومهم علم التخريف، وكلا الفريقين، على اختلافهما، اتفقا على أن للمتصوّف حالاً لا يُشترى بالمال ولا يُدرّس في المعاهد.
والمتصوّف، إذا أردنا وصفاً منصفاً بلا تحامل، هو ذلك الرجل الذي قرر أن يُقلّل من دنياه ليزيد من آخرته، فترك القصر للفقير، والوليمة للكسرة، والجاه للخلوة. غير أن التاريخ، بخبثه المعتاد، لم يلبث أن حوّل كثيراً من هذه الخلوات إلى قصور، وكثيراً من هذه الكِسَر إلى موائد ممتدة، فصار حفيد الزاهد أميراً على المريدين وصاحب أطيان وأملاك، وهذه من مفارقات التصوّف التي لا تُنقص من صدق أَوَّليه، لكنها تستحق أن تُروى بصوت مرتفع بعض الشيء.
أما فلسفته وهدفه فيتلخصان في السعي إلى “الفناء” في الذات الإلهية، أي أن يذوب العبد عن صفاته الذميمة حتى لا يبقى بينه وبين ربه حجاب من كِبرياء أو طمع أو غضب، أي تصفية النفس. وهذا هدفٌ نبيل بإجماع كل من كتب في الموضوع، مؤيداً كان أو معارضاً، وإن اختلفوا اختلافاً شديداً حول الوسيلة إليه: أهي المجاهدة والذِكر والانقطاع، أم أنها تصلح أيضاً حين تُضاف إليها زغردة ودفوف وطبل وشطحة يعترض عليها الفقيه ويطرب لها العامة؟

متى وكيف وُلد هذا المفهوم في تاريخ الإسلام؟
لم يُولد التصوّف مصطلحاً في عهد النبوة، بل نشأ لاحقاً كتيار زهدي تراكم عبر القرنين الأول والثاني للهجرة، حين رأى نفر من المسلمين أن اتساع الفتوحات وغنى الدولة الأموية والعباسية بدآ يُبعدان الناس عن جوهر الدين إلى مظاهره. فظهر الزهد الفردي أولاً على يد رجال أمثال الحسن بن أبي الحسن البصري، الذي أدرك عهد إبن الخطاب وإبن عبد العزيز وانتقد الحجاج في عهد الأمويين. ثم تطوّر مفهوم التصوف إلى تجربة روحية أعمق مع رابعة العدوية التي أدخلت مفهوم “الحب الإلهي” الخالص من حساب الثواب والعقاب. بهذا نقلت العبادة من صفقة الخوف والطمع (النار والجنة) إلى الحب الإلهي الخالص — عبادة الله لذاته ولجماله وجلاله لا لثوابه. ودعاؤها المروي المشهور في هذا المعنى (أن تحرم الجنة وتُحرق بالنار إن كانت تعبده خوفاً أو طمعاً، وألا يُحرم وجهه الكريم إن كانت تعبده لذاته) صار النص المؤسس لمقام المحبة الذي بنى عليه التصوف كله بعدها — من الجنيد إلى ابن عربي — حتى قيل بحق: كل كلام الصوفية في المحبة حاشيةٌ على متن رابعة.
وهذا في حدّ ذاته انقلاب فكري لم يكن هيّناً في زمانه في القرن الثاني للهجرة. لاحظ أن الريادة كانت لإمرأة عابدة جليلة الشأن، جارية في قبيلة قيس بن عدي بالبصرة، رفضت الزواج مراراً في حياتها للإنقطاع للعبادة.
ثم جاء القرن الثالث الهجري فشهد ما يمكن تسميته “مدرسة بغداد”، وعلى رأسها الجنيد البغدادي الذي حاول التوفيق بين شطحات الصوفية وضوابط الشريعة، في مقابل مدرسة أكثر جرأة تمثّلها الحلاج الذي دفع حياته ثمناً لعبارة قالها في لحظة سُكر روحي. وقد ظل ابن خلدون، وهو مؤرخ لا يُشكّ في حصافته، يصف التصوّف في مقدمته بأنه علمٌ من علوم الشريعة حدث بعد الصدر الأول حين غلب الإقبال على الدنيا على أهل الإسلام[1]، وهذا وصفٌ منصف يوازن بين من يرى التصوّف بدعة كاملة ومن يراه جوهر الدين الخالص.

هل تطوّرت الفكرة بمرور الزمن؟
نعم، وبشكل لافت. فالتصوّف الذي بدأ تجربة فردية بين العبد وربه، تحوّل بحلول القرنين السادس والسابع الهجريين (الثاني عشر والثالث عشر الميلاديين) إلى مؤسسة اجتماعية منظمة عرفناها باسم “الطريقة الصوفية”، حيث صار للشيخ مريدون، وللمريدين عهد وبيعة، وللبيعة سلسلة سند تتصل – بحسب الزعم – بالنبي نفسه. وقد لاحظ الباحثون أن هذا التحوّل من الفردية إلى التنظيم رافقه انتقال موازٍ من الزهد الخالص إلى دمج التصوّف بعلم الكلام والفلسفة على يد رجال كمحي الدين ابن عربي، ثم إلى صبغة اجتماعية وسياسية جعلت من بعض الطرق قوة تحشد الجيوش وتفاوض السلاطين لا مجرد حلقة ذِكر في زاوية[2].
وهكذا صار للطريقة الواحدة فروع، وللفرع الواحد مشيخات متعددة، حتى بلغ عدد الطرق الصوفية في العالم الإسلامي اليوم ما لا يُحصى، وهذا تطوّر طبيعي لكل فكرة تنجح: تكبر، ثم تتفرّع، ثم تتنازع فروعها على من هو الأحق بإرث الجدّ الأول.

كيف ومتى وصلت الفكرة إلى السودان؟
دخل التصوّف إلى السودان مبكراً نسبياً، إذ يُرجَّح أن الطريقة الشاذلية كانت أولى الطرق وصولاً، على يد الشريف حمد أبي دنانة صهر الشيخ الجزولي صاحب “دلائل الخيرات”، الذي استقر في سقادي غرب المحمية الحالية في القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)، أي قبل قيام مملكة سنّار الإسلامية نفسها[3]. وقد جاء دخول التصوّف مقترناً بدخول الإسلام ذاته إلى الممالك المسيحية المتداعية في الشمال، فكان الفقيه الصوفي في كثير من الأحيان هو الداعية والمعلّم والحَكَم في آن واحد، الأمر الذي منحه من المكانة الاجتماعية ما لم يحظَ به فقيه الشريعة الجاف المتخصص في الفرائض والمواريث[4].
ومع قيام سلطنة الفونج (سنّار) في مطلع القرن العاشر الهجري، توافد على البلاد مزيد من رجال الطرق، وتزايد نفوذهم حتى صاروا شركاء فعليين في شرعية الحكم، إذ كان ملوك الفونج أنفسهم يتقربون إلى هؤلاء المشايخ ويمنحونهم الأراضي والامتيازات (الجُكّة) ، فتأسست حول زواياهم قرى ومدن بأكملها لا تزال تحمل أسماءهم إلى اليوم.
الجُكّة هي منحة أرض (أو إعفاء وامتيازات مرتبطة بها) كان ملوك الفونج والعبدلاب يمنحونها لمشايخ الدين والطرق الصوفية، تمليكاً موثقاً بوثيقة سلطانية تُعفي صاحبها عادةً من الضرائب والالتزامات تجاه الدولة. وبها تحوّل كثير من المشايخ إلى ملّاك أراضٍ تقوم حول مساجدهم وخلاويهم قرى كاملة، فكانت الجُكّة عملياً هي العقد الاقتصادي الصامت في التحالف بين السلطان والفقيه. أو أن أحببت، بين الكاهن والسلطان.

الطرق الصوفية الكبرى في السودان بحسب ترتيب دخولها
التقدير المتداول لعدد الطرق الصوفية هو نحو أربعين طريقة بين أساسية وفرعية نشطة في السودان اليوم [17]. لكن الصدق يقتضي القول إن هذا الرقم تقريبي بطبيعته، ولا يوجد إحصاء رسمي دقيق متفق عليه، لسببين: أولاً أن الحدود بين “الطريقة المستقلة” و”الفرع” غير محسومة — فهل بيت المكاشفية طريقة قائمة بذاتها أم فرع قادري؟ يعتمد الجواب على من تسأل. وثانياً أن التفرع مستمر: كل بضعة عقود يستقل خليفة بارز بسجادة جديدة، كما فعل إسماعيل الولي بالأمس والبرهاني قبل عقود. فإن عددتَ الطرق الأمهات الكبرى وحدها فهي نحو عشر كما سنورد في المقال بعد قليل، وإن عددتَ كل فرع له شيخ وسجادة ومريدون فقد تتجاوز الأربعين نفسها.
يمكن ترتيب الطرق الكبرى تاريخياً على النحو التالي، مع ملاحظة أن الترتيب الزمني للدخول لا يعكس بالضرورة الحجم الحالي للأتباع:

  1. الطريقة الشاذلية: الأقدم دخولاً، عبر الشريف حمد أبي دنانة في القرن الخامس عشر الميلادي، ومنها انبثقت لاحقاً الطريقة المجذوبية[3].
  2. . الطريقة القادرية: دخلت عام 1577م على يد الشيخ تاج الدين البهاري القادم من بغداد عبر الحجاز، بدعوة من التاجر السوداني داود بن عبد الجليل، وتفرعت لاحقاً إلى مراكز عدة أشهرها فرع الشيخ محمد الهُميم، ثم تشعّبت إلى فروع محلية عديدة كالعركية والمكاشفية وغيرها، حتى صارت أوسع الطرق انتشاراً جغرافياً في البلاد[3].
  3. الطريقة الخَلْوَتية: طريقة أمّ عريقة تُنسب إلى الشيخ عمر الخَلْوَتي (ت. نحو 800هـ/1397م تقريباً)، الذي اشتُهر بحبه للاعتكاف في الخلوات حتى لصق به الاسم ثم بطريقته من بعده. ولم تدخل السودان بهيكلها الأم كياناً مستقلاً بقدر ما دخلت متسللة عبر ابنتها السمانية، إذ إن الشيخ محمد بن عبد الكريم السمّان (عاش بالمدينة المنورة) نفسه خلوتي السند والمشرب، فالسمانية السودانية هي – إن صحّ التعبير – الوجه المحلي للخلوتية، وكل ذِكرٍ، أي وِرد، سماني في السودان يحمل في شجرة نسبه الروحي ختماً خلوتياً[2].
  4. الطريقة السمانية: دخلت أواخر القرن الثامن عشر الميلادي على يد الشيخ أحمد الطيب البشير (1742-1824م) الذي تتلمذ ست سنوات بالمدينة المنورة على يد الشيخ محمد بن عبد الكريم السمّان (1717-1775م) مؤسس الطريقة الأم، فعُرفت بعده باسم “السمانية الطيّبية”[5].
  5. الطريقة المجذوبية: تفرعت عن الشاذلية على يد الشيخ حمد ود المجذوب الذي أسس لها مركز بدامر المجذوب، ثم أعاد حفيده الشيخ محمد المجذوب إحياءها ونشرها شرقاً بين البجا بعد وصوله سواكن عام 1832م[3].
  6. الطريقة الختمية (الميرغنية): أسسها السيد محمد عثمان الميرغني عام 1817م، وهي مزيج من خمس طرق (النقشبندية والقادرية والشاذلية والجنيدية والميرغنية)، ورمز لها بـ”نقش جم”، وصارت الأوسع تنظيماً والأكثر ارتباطاً بالسياسة السودانية الحديثة[6].
  7. الطريقة الإسماعيلية: انبثقت عن الختمية على يد الشيخ إسماعيل الولي الكردفاني عام 1846م، واتخذت من الأبيّض بكردفان عاصمة روحية لها. وهي مثال حي على سُنّة التفرّع في التصوف السوداني: خليفة نجيب يتسع نفوذه ويصفو ذوقه، فيؤسس لنفسه طريقة تحمل اسمه، وتتحول أوراده وقصائده – وأشهرها مدائحه النبوية – إلى تراث مستقل يتوارثه أبناؤه وأحفاده في بيت “الأزهري” الشهير إلى اليوم[3]. وبيت الشيخ إسماعيل الولي المعروف هو بيت الأزهري (نسبة إلى قبيلة البديرية العباسية، والأزهري هو لقب الأسرة)، وأشهر أحفاده هو إسماعيل الأزهري نفسه، أول رئيس وزراء للسودان (1954-1956)
  8. الطريقة التيجانية: أدخلها الشيخ محمد الشنقيطي عام 1847م من موريتانيا، وتركزت في غرب السودان (دارفور وكردفان) حتى صارت الطريقة الرئيسية في سلطنة الفور.
  9. الطريقة الإدريسية: أسسها في السودان الشيخ إبراهيم الرشيدي الشايقي (ت. 1874م)، امتداداً لمدرسة السيد أحمد بن إدريس الفاسي الذي لم يدخل السودان بنفسه لكنه أثّر فيه عبر تلاميذه أكثر من كثيرين دخلوه فعلاً.
  10. الطريقة البرهانية (الدسوقية الشاذلية): أحدث الكبار عهداً وأبعدهم انتشاراً خارج الحدود، جدد معالمها وأعاد بعثها الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني (1902-1983م) في السودان على أصول الإمام إبراهيم بن عبد العزيز الدسوقي، شيخ الطريقة الدسوقية بمصر، وهي إحدى الطرق الأربع الكبرى بمصر (مع القادرية والرفاعية والأحمدية البدوية). أما شيخها إبراهيم الدسوقي فمن مدينة دسوق في دلتا الوجه البحري، ومزاره بها يقام حوله ثاني أكبر مولد سنوي بعد مولد السيد إبراهيم البدوي بطنطا. ولكن الشيخ محمد عثمان البرهاني مزجها بمشرب أبي الحسن الشاذلي. و“مشرب” في اصطلاح الصوفية تعني المنهج أو الذوق الروحي الخاص الذي يميز طريقةً عن أخرى — أي طريقة الشيخ في تربية مريديه وأذكاره وأوراده، كأنها “شراب” روحي له نكهة خاصة يتشرّبها السالك. وللبرهانية اليوم مقرها الرئيسي بالخرطوم ومراكز في عشرات الدول، ويفد إلى حولية، (ذكرى وفاة)، شيخها بالخرطوم مريدون من أوروبا نفسها، في مفارقة لطيفة: طريقة سودانية تُصدّر التصوف إلى القارة التي كانت تُصدّر إلينا المبشرين [7].

التصوف عند الشيعة
أضعف حضوراً تاريخياً وأكثر توتراً مع المؤسسة الدينية الرسمية (بعض كبار فقهاء الشيعة الإثني عشرية عادوا التصوف بشدة، مثل المجلسي)، لكن حيث وُجد (كالطريقة الذهبية أو النعمة اللهية في إيران) فإنه يربط سلسلته حصراً بالأئمة الاثني عشر، ويجعل الإمامة والعصمة ركناً عقدياً في بنية الطريقة نفسها، وهو ما لا وجود له في أي طريقة سنية.
الفارق بين التصوف هند الشيعة والسنة ليس في “التقنيات” الروحية (الذِكر، الخلوة، المراقبة) فهذه متشابهة إلى حد بعيد، بل في البنية العقدية للسند وموقعه من مسألة الإمامة، وهي بالضبط النقطة التي تُبقي كل الطرق السودانية التي تناولناها هنا – من القادرية حتى البرهانية – سنية الهوى والسند رغم اختلاف مشاربها.

ومحمد باقر المجلسي (1037-1110هـ / 1627-1699م): أشهر فقهاء الدولة الصفوية وأنفذهم سلطاناً، تولى منصب “شيخ الإسلام” في أصفهان — أعلى منصب ديني في الدولة — أواخر العهد الصفوي، وصاحب أضخم موسوعة حديثية في التراث الشيعي الإثني عشري: “بحار الأنوار” التي تتجاوز مئة مجلد بطبعاتها الحديثة، وله أثر حاسم في صياغة التشيع الفقهي الرسمي الذي نعرفه اليوم، وفي نشره باللسان الفارسي بين العامة.
أما موقفه من التصوف فكان المعارضة الشديدة — وهو الذي أشرت إليه في جوابي السابق عن التصوف عند الشيعة. فقد شنّ المجلسي — ومن قبله أبوه في آخر مواقفه، ومعه طبقة فقهاء عصره — حملة فقهية وسياسية منظمة على الصوفية في إيران الصفوية: صنّف في ذمهم، وأنكر عليهم الغلو في مشايخهم ودعاوى الكشف والوحدة، واعتبر طرائقهم دخيلة على مذهب أهل البيت، واستُخدم نفوذه الرسمي في التضييق على تكاياهم وطردهم من أصفهان. وللمشهد مفارقة تاريخية لاذعة تليق بروح مقالنا: الدولة الصفوية نفسها قامت أصلاً على طريقة صوفية — فالصفويون ورثة “الطريقة الصفوية” لجدهم صفي الدين الأردبيلي، وبمريديها القزلباش فتحوا إيران — ثم انتهت الدولة ذاتها، بعد قرنين، إلى أن يكون أعلى فقهائها هو مطرقة الصوفية الكبرى. أي أن السجادة أسست العرش، ثم أنكر العرشُ السجادة.

وموقف المجلسي هذا هو الذي رسّخ القطيعة التي ذكرناها بين المؤسسة الفقهية الشيعية والتصوف المنظم إلى اليوم: فبينما احتضنت المؤسسة السنية طرقها غالباً (فالأزهر مثلاً عامر بشيوخ الطرق)، ظل التصوف في إيران بعد المجلسي هامشياً مطارداً، وبقيت طرقه القليلة (كالنعمة اللهية والذهبية) تعيش على أطراف المشهد الديني الرسمي، ويفضّل العرفاء من الفقهاء أنفسهم تسمية تجربتهم “عرفاناً” لا “تصوفاً” — تحاشياً لكلمة صارت في ذلك الفضاء تهمةً منذعصر المجلسي[28][29] .

الفارق بين شيخ الطريقة والوَلِي
هذا سؤال يستحق التوقف عنده لأن الخلط فيه شائع حتى بين أبناء الطرق أنفسهم. فشيخ الطريقة منصب مؤسسي: يُورَّث بالسند والإجازة، وأحياناً بالنسب، وله سجادة، أي تولى المشيخة، وخلفاء ومريدون منظّمون في هيكل واضح، وقد يكون شيخاً دون أن يجمع الناس على وصفه بالولاية. أما الولي فهو وصفٌ يمنحه الجمهور، لا المؤسسة، لمن يرى فيه الناس بركة وكرامة وصدقاً في العبادة، وقد يكون هذا الشخص شيخ طريقة، وقد يكون فقيراً منقطعاً لا يتبعه أحد رسمياً ولا يحمل سجادة ولا سنداً مكتوباً.
ولذلك تجد في السودان قبوراً لأناس لم يؤسسوا طريقة ولا تركوا خلَفاً، ومع ذلك تُشد إليها الرحال ويُتبرك بترابها، بينما تجد شيوخ طرق كبرى محترمين اجتماعياً واقتصادياً دون أن يظفروا بلقب “الولي” في الوجدان الشعبي. وقد رصد الباحثون هذا التمييز حين لاحظوا أن نجاح الشيخ في كسب هذه الصفة كان يتوقف على ما يتمتع به من علم وخُلق وزهد وكرامات، لا على موقعه الرسمي في هرم الطريقة وحده[4].
تراجم المؤسسين والمجددين وأولياء الله الصالحين
نرتب التراجم في ثلاثة أقسام: مؤسسو الطرق، ثم المجددون الذين أحيوا وعلّموا ونشروا، ثم أولياء الله الصالحون الذين منحهم الوجدان الشعبي لقب الولاية بلا انتخابات ولا طعون. والترتيب داخل كل قسم بحسب الطرق وتواريخ القدوم إلى السودان أو الظهور فيه، من الأقدم إلى الأحدث.

القسم الأول: مؤسسو الطرق

الشيخ عبد القادر الجيلاني (1077-1166م):
إمام بغداد وقطبها الذي تُنسب إليه الطريقة القادرية، أقدم الطرق المنظمة وأوسعها في العالم الإسلامي. لم يدخل السودان قط، لكن السودانيين أدخلوه إلى وجدانهم إدخالاً لا رجعة فيه، حتى صار “الباز الأشهب” حاضراً في المديح السوداني حضوره في بغداد نفسها[8]. “الباز الأشهب” لقب شهير يُطلق على الشيخ عبد القادر الجيلاني في المديح الصوفي، وخاصة في المديح السوداني. والباز: هو الصقر الجارح القوي، رمز العلو والقوة والهيبة. والأشهب: أي الذي يخالط بياضَه سواد (كالرماد)، وهو لون نادر ونبيل في الصقور، يوحي بالتميز عن سائر الجنس. فالمقصود بالوصف كله: أن الجيلاني، بمكانته الروحية العالية وقوة “طيرانه” في عالم الأسرار والكرامات، يعلو على سائر أولياء زمانه كما يعلو الصقر النادر على سائر الطيور. وهو من الألقاب التي تكررت كثيراً في قصائد المديح والأذكار القادرية عبر العالم الإسلامي، لا في السودان وحده، لكنها ارتبطت بذاكرة المديح السوداني بشكل خاص حتى صارت شبه اسم ثان له في أوراد القادرية وحضراتها.

الشيخ أبو الحسن الشاذلي (1196-1258م):
مغربي المولد، مصري الوفاة (في صحراء عيذاب في طريقه للحج)، مؤسس الطريقة الشاذلية التي جمعت بين عمق التربية الروحية وخفة الهيكل التنظيمي، فلا مقرات ضخمة ولا زي مميز، ولعل هذه الخفة هي التي جعلتها أول الطرق تسللاً إلى السودان[8].
الشيخ محمد بن سليمان الجزولي (ت. 1465م):
من قبيلة جزولة الامازيغية جنوب المغرب، وهو الشاذلي المغربي صاحب “دلائل الخيرات”، الكتاب الذي قد يكون أكثر كتب الصلاة على النبي طباعةً وحفظاً في تاريخ الإسلام، وهو الجسر الذي عبرت عليه الشاذلية من المغرب نحو السودان عبر صهره أبي دنَانَة[8].
الشريف حمد أبو دنَانَة (القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي):
صهر الجزولي وحامل بذرة الشاذلية الأولى إلى أرض السودان، حيث استقر في سقادي، ليكون بذلك – على الأرجح – أول من غرس طريقة صوفية منظمة في التربة السودانية، قبل أن تقوم دولة سنّار أصلاً[3]. وتذكر بعض روايات الأنساب أن ابنته وديدة هي جدة العمران من جهة ولدها عمر بن جلال، وهي رواية من ذاكرة الأنساب الشعبية أكثر منها من وثائق المؤرخين.

الشيخ عبد الله العركي (1517-1610م تقريباً):
هو عبد الله بن دفع الله بن مقبل، أشهر “الخمسة العدول” أبناء الشيخ دفع الله ود مقبل، وأمهم هدية بنت عاطف زعيم الجميعاب (والنسبة “العركي” جاءتهم من جهة الخؤولة لا الأبوة، إذ كان جدهم مقبل حجازياً). وُلد بأبيض ديري شمال الخرطوم بحري، وحفظ القرآن على والده، ثم سافر لدار الشايقية فدرس سبع سنين على الشيخ عبد الرحمن ولد جابر. أخذ الطريقة القادرية عن حبيب الله العجمي خليفة تاج الدين البهاري (لا عن البهاري نفسه) أثناء إحدى حجاته الكثيرة، وأجازه شيخه بنشرها في السودان، فأسس الطريقة القادرية العركية واتخذ من أبي حراز (شمال شرق ود مدني) حاضرة لها، حتى قال فيه ود ضيف الله إن طريقته “نمت أكثر من طريقة حيران تاج الدين” لأنه — بعبارة الطبقات البديعة — “طلبها في محلها”. وله مؤلفات ومنظومات ضاع أغلبها ولم يبق منها إلا ما حفظه كتاب الطبقات، وضريحه بأبي حراز من كبار مزارات الجزيرة [9][10].

الشيخ محمد الهميم بن عبد الصادق (القرن السابع عشر الميلادي):
من أبرز من أخذ القادرية في السودان وجدّ الصادقاب المشهورين، وقد وردت ترجمته في الطبقات محاطة بهالة من الحكايات التي تنافس فيها الرواة حتى ضاق بها بعض المحققين المتأخرين[9].

الشيخ أحمد الطيب البشير (1742-1824م):
مؤسس السمانية السودانية، وُلد ونشأ في أم مرحي شمال أم درمان، ورحل إلى المدينة المنورة فلازم شيخه محمد السمّان ست سنوات، ثم عاد بمشروع تجديدي مزج الخلوتية والنقشبندية بالقادرية في نسق واحد، فخرجت من عباءة طريقته لاحقاً الثورة المهدية بأعداد كبيرة من أتباعها[5].

الشيخ إبراهيم الكباشي (ت. أواخر القرن التاسع عشر الميلادي):
ولي شمال الخرطوم الذي صار ضريحه ومنطقته المعروفة باسمه (الكباشي) قبلة زوار لا تنقطع، وذكره حاضر في المديح والحوليات إلى اليوم[10]. والشيخ إبراهيم الكباشي وُلد بأبي قميص قرب المناقل عام 1201هـ، وقرأ بطيبة العركيين، ثم رحل شمال الخرطوم فنزل غابة موبوءة بالثعابين والهوام، فأمر تلميذه أن يبيت فيها ويؤذن فجراً وينادي في الهوام بالرحيل — فرآها الناس صباحاً راحلة أسراباً، فسجّل له مشايخ العبدلاب بالحلفايا الأرض من النيل إلى حيطة. ومن أشهر ما يُروى عنه “كرامة السم”: أن من أكرمهم الله من أبنائه وأحبابه أُمّنوا من سم العقارب والثعابين، حتى لُقّب “كباشي السم”، ومن كناه أيضاً “سكين الجوع” و”غوث الزمان” [21][22].
كلمة أيضاً لا بد منها: المصدران الأخيران هنا، وكل المصادر عن الكرامات في هذا المقال [19، 20، 21، 22، 25]، منتديات إلكترونية ومدونات يديرها محبو الطريقة الكباشية وأم ضبان وغيرهم — مريدون خُلّص يكتبون عن شيخهم بقلب المحب — فالروايات صادقة النسبة إلى تراث الطريقة، ولا يملك التحقيق التاريخي المستقل في وقائعها أكثر من إثبات تداولها وليس إثبات حوادثها.

الشيخ عبد الباقي المكاشفي (الشكينيبة، 1867-1960م)
قطب الشكينيبة بالجزيرة وصاحب الطريقة القادرية المكاشفية، من أشهر أعلام القرن العشرين الصوفي في وسط السودان، وبيته لا يزال عامراً بالمريدين.
أشهر كراماته المروية أنه كان يخاطب الوافدين عليه من سائر البلاد كلاً بلهجته قبل أن ينطق الوافد بكلمة[23][24]. ومنها الحفير الذي حفره بيده مع خواص مريديه عام 1927 لجمع ماء المطر، وتذكر المصادر أن ماءه يبقى معافى من التغيرات ونواقل الأمراض على مدار السنة، وأن بعثات مختبرية فحصته فوجدته من أصح المياه الطبيعية، وأن شجرة نيم متدلية فوقه تقطر أوراقها عسلاً في يوم واحد من السنة يشرب منه الناس[23][25]. ومنها قصة العتود الذي غلب الحيران بأكله من طعام المسيد كل ضحى، فاشتروه وذبحوه ووضعوا لحمه على النار فلم تأكله، فقال الشيخ: “دي كرامة ربنا لي: من أكل من طعامي لا تمسه النار”[25].
كلمة لا بد منها: مصادر المكاشفي أوسع قليلاً من سابقيه (تشمل ويكيبيديا وموقع دار الفتوى الأسترالية)، لكن المادة الأصلية فيها جميعاً تعود إلى أدبيات مريديه وتلاميذه — فحتى أوسعها انتشاراً ينقل رواية البيت المكاشفي عن نفسه، وهذا شأن باب الكرامات كله: يكتبه المحبون، ويرويه ود ضيف الله وأمثاله بإسناده إليهم.

السيد محمد عثمان الميرغني “الختم” (1793-1852م):
وُلد بالطائف من أسرة أشراف مكة، وتلقى علومه على عمه محمد يس الميرغني ثم على الشريف أحمد بن إدريس الفاسي الذي أرسله لنشر الدعوة في بلاد النوبة والسودان، فجال في كردفان وسنّار وشندي والدامر وسواكن قبل أن يؤسس الختمية عام 1817م، ويترك في السودان ثمانية أبناء استمرت من نسلهم زعامة الطريقة إلى اليوم[6].

الشيخ حمد ود المجذوب (القرن الثامن عشر الميلادي):
مؤسس المجذوبية الشاذلية ومقرها الدامر، المدينة التي صارت تُعرف حتى اليوم بـ”دامر المجذوب” نسبة إلى بيته، إذ حوّلها المجاذيب إلى حاضرة علم وخلاوٍ يقصدها الطلاب من كل فج، فالتصق اسم الأسرة باسم المدينة التصاقاً لم تفلح قرون في فكّه[8]. ونار المجاذيب بالدامر هي نار القرآن الموقدة في خلاوي بيت المجذوب، تلك التي يتحلّق حولها الحيران ليلاً يقرأون ألواحهم على ضوئها، وقد صارت مع القرون رمزاً لاستمرار التعليم القرآني في المدينة بلا انقطاع — توارثتها الأجيال كما توارث الأسانيد، حتى جرت في المثل السوداني كنايةً عن الشيء الدائم الذي لا يخبو. فحين احتاجت الذاكرة الشعبية صورةً للعلم المتصل والبركة الباقية، لم تجد أبلغ من نارٍ ظلت مشتعلة في مدينة واحدة، لبيت واحد، قروناً متعاقبة، تنطفئ حولها ممالك وتقوم، وهي على حالها تضيء الألواح.
أخذ الفقيه حمد ود المجذوب علوم القرآن عن والده الفقيه عبد الله “راجل درو” المدفون بقوز الشعديناب، ثم استقر بالموضع الذي يقوم عليه اليوم مسجد السهيلي عند ملتقى نهر عطبرة بالنيل، حتى إن أباه كان يجيب من يسأل عنه: “حمد دامر” — أي استقر وأقام — فلصقت العبارة بالمكان وصار اسمه “الدامر”، دامر المجذوب؛ وهناك غرس الرجل طريقته على أصل شاذلي تلقاه بيته، لكن مؤسسة الخلاوي والتعليم والذكر التي أقامها نمت حول اسمه هو وذريته “المجاذيب” لا حول الاسم الشاذلي الأم، فتحول الفرع بالتدريج إلى طريقة قائمة بذاتها تُعرف بالمجذوبية — على سنّة التفرّع السودانية نفسها التي رأيناها في العركية والكباشية — وصارت نارها الموقدة في خلاوي القرآن ليلاً ونهاراً على مدار العام علامة المدينة الكبرى، حتى جرت في اللسان السوداني مثلاً: “زي نار المجاذيب” — يُضرب للشيء الدائم المتصل الذي لا يخبو ولا ينقطع، فما عاد يُحتاج معه إلى قول “لا تنطفئ” أصلاً، إذ صار الدوام نفسه معنى الاسم [30].

الشيخ محمد الشنقيطي (أدخل التيجانية 1847م):
الموريتاني الذي حمل طريقة الشيخ أحمد التيجاني إلى غرب السودان، حيث وجدت في دارفور وكردفان تربة خصبة جعلتها الطريقة الغالبة هناك إلى اليوم.
الرجل: هو السيد محمد بن المختار الشنقيطي (ت. 1881م)، المعروف في السودان بـ”ود العلية” — عالم موريتاني رحالة من شناقطة أهل العلم، جاب الآفاق حتى عمل سفيراً لسلطان دارفور محمد الحسين لدى مصر والباب العالي، وكان السلطان نفسه من تلاميذه المقربين. دخل الطريقة إلى السودان عام 1847م ومعه الشيخ محمد ود دوليب (جد بيت الدواليب أصحاب مركز خرسي الشهير بكردفان).

جوهر الطريقة وما يميزها: أسسها أحمد التيجاني (1737-1815م) بفاس بعد “فتح” وقع له بقرية أبي سمعون بالصحراء الجزائرية، زعم فيه أن النبي أذن له يقظة لا مناماً في تلقين الخلق، وأمره بترك جميع ما أخذ من الطرق قبلها — ومن هنا أخص خصائصها التي تميزها عن كل ما مرّ بنا: لا يجوز للتيجاني الجمع بين طريقته وأي طريقة أخرى، فلا سند متسلسل عبر شيوخ كسائر الطرق، بل اتصال مباشر بالنبي (ولهذا لُقّب مؤسسها “القطب المكتوم”). ووردها اللازم ثلاثية بسيطة تُتلى صباحاً ومساءً: استغفار، وصلاة على النبي بصيغة “صلاة الفاتح” (“اللهم صلّ على سيدنا محمد الفاتحِ لما أُغلق والخاتمِ لما سبق…”) التي يعتقدون فيها فضلاً عظيماً جعلها عَلَم الطريقة وموضع جدل خصومها معاً، وتهليل. وتُضاف “الوظيفة” الجماعية اليومية، ثم ذكر عصر الجمعة — الهيللة الجماعية بين العصر والمغرب — وهو أشهر طقوسها الأسبوعية وساعتها المشهودة [31][32].

الشيخ إسماعيل الولي الكردفاني (1793-1863م):
مؤسس الإسماعيلية بالأبيّض عام 1846م بعد أن كان من كبار خلفاء الختمية، وصاحب مدائح نبوية لا تزال تُنشد، ونموذج مكتمل لظاهرة الخليفة الذي يستقل بطريقة تحمل اسمه هو لا اسم أستاذه[3].

السيد أحمد بن إدريس الفاسي (1760-1837م) والشيخ إبراهيم الرشيدي الشايقي (ت. 1874م):
السيد أحمد بن إدريس الفاسي (نحو 1760-1837م) والشيخ إبراهيم الرشيد (الرشيدي) الشايقي (1228-1291هـ / نحو 1813-1874م): الأول مغربي أقام بمكة نحو ثلاثين سنة ثم استقر بصبيا في عسير جنوب غرب السعودية، ولم تطأ قدمه السودان، لكنه خرّج جيلاً كاملاً من مؤسسي الطرق: الميرغني والسنوسي والرشيد، فكان أشبه بمهندس رسم الخريطة من بعيد ونفّذها تلاميذه على الأرض. والثاني سوداني شايقي رحل إلى شيخه فلازمه بمكة وصبيا حتى صار أحد أقرب ثلاثة تلاميذ إليه، وهو الذي جمع كلام شيخه ومروياته بعد وفاته في كتاب “العقد النفيس”، ثم أدار نشر المدرسة الإدريسية من الحجاز نفسه، فأسس في السودان أربعاً وعشرين خلوة للتوجيه والإرشاد عبر تلاميذه وأهله دون أن يعود مستقراً فيه[12]، ومن مدرسته تفرعت لاحقاً الصالحية بالصومال والدندراوية بمصر. وتحفظ له أدبيات الطريقة دعاءه المؤثر: “يا الله، لا تجمع اسمي واسم السيد أحمد بن إدريس في اسم وكتابة” – تأدباً مع شيخه ألا يكون له ذكر بجواره – وقد استُجيب له على نحو ما: فقد ذابت الرشيدية السودانية لاحقاً تحت مظلة الإدريسية الأم حين قدم أبناء ابن إدريس أنفسهم، وبقي هو في الظل الذي اختاره[12].
السيد إبراهيم بن الشيخ صالح بن عبد الرحمن الرشيد (والنسبة الأدق “الرشيد” إلى جده الأعلى، وإن شاعت “الرشيدي”)، وُلد في منتصف المحرم سنة 1228هـ (1813م تقريباً)، سوداني من الشايقية، من بيت له نسب شريف ومكانة، حفظ القرآن صغيراً وطلب العلم مبكراً. لم يتلقّ الإدريسية في السودان ولا في المغرب، بل في الحجاز وعسير: فقد رحل إلى شيخه السيد أحمد بن إدريس الفاسي — الذي كان قد استقر بمكة نحو ثلاثين سنة ثم انتقل أواخر عمره إلى صبيا (عسير، جنوب الجزيرة) — فلازمه ملازمة تامة حتى صار أحد أقرب ثلاثة تلاميذ إليه (مع الشيخ السنوسي مؤسس السنوسية ومحمد عثمان الميرغني مؤسس الختمية — وتأمل هذا الثالوث: ثلاثة تلاميذ لشيخ واحد أسسوا ثلاث حركات غطت ليبيا والسودان معا). وبلغ من قرب الرشيد أنه هو الذي جمع كلام شيخه ومروياته بعد وفاته في كتاب “العقد النفيس”.
كيف “أدخلها” السودان: هنا التصحيح الدقيق — الرجل لم يعد إلى السودان حاملاً الطريقة عودة المستقر، بل ظل هو نفسه مقيماً بالحجاز يدير منها شبكة دولية لنشر تعاليم شيخه (يقول أوفاهي إنه عمل لنشرها “بلا كلل أكثر من ذوي ابن إدريس أنفسهم”[11])، وأدخل الطريقة إلى السودان بالوكالة المنظمة: أسس فيه أربعاً وعشرين خلوة للتوجيه والإرشاد خرّجت العلماء والحفظة، عبر تلاميذه وأهله من الشايقية. ومن مدرسته تفرعت لاحقاً طرق كاملة: الصالحية بالصومال (على يد ابن أخيه محمد صالح)، والدندراوية بمصر. توفي سنة 1291هـ/1874م. واللافت المؤثر في سيرته دعاؤه المحفوظ عند أتباعه: “يا الله، لا تجمع اسمي واسم السيد أحمد بن إدريس في اسم وكتابة” — تأدباً مع شيخه ألا يصير له ذكر بجواره، فاستجيب له على نحو ما: ذابت “الرشيدية” في السودان لاحقاً تحت مظلة الإدريسية الأم حين قدم أبناء ابن إدريس أنفسهم، وبقي هو في الظل الذي اختاره.

الشيخ عبد الباقي المكاشفي (1867-1960م):
مؤسس الطريقة القادرية المكاشفية وقطب الشكينيبة بالجزيرة، من أشهر أعلام التصوف السوداني في القرن العشرين، أقام حاضرته للتعليم والتسليك فقصدها الوافدون من سائر البلاد، وتوارث سجادته من بعده خلفاؤه من بيته، وبيته لا يزال عامراً بالمريدين وحفير مسيده الشهير باقٍ من آثاره إلى اليوم [23].

الشيخ محمد عثمان عبده البرهاني (1902-1983م):
السوداني الذي أعاد بعث الطريقة البرهانية الدسوقية الشاذلية من أرشيف التاريخ إلى حركة عالمية مقرها الخرطوم، فصار مريدوه يتوافدون من ألمانيا وغيرها على السودان، وخلفه من بعده ابنه ثم حفيده على السجادة[7].

القسم الثاني: المجددون

الفقيه المصلح محمود العركي (القرن السادس عشر الميلادي):
قادم من مصر، وصاحب أشهر جملة في تاريخ التعليم الديني السوداني: “قدم الشيخ محمود العركي وعلّم الناس”، كما سجلتها الطبقات. أقام خلاويه على النيل الأبيض وعلّم الناس أحكام دينهم في زمن كانت البلاد فيه حديثة عهد بالإسلام، فهو مجدد بمعنى التأسيس التعليمي قبل أن يكون شيخ سجادة[9].

الشيخ حجازي بن معين:
كتب ود ضيف الله إنه من خطّ مدينة أربجي قبل سنّار بثلاثين سنة — أي حوالي 880هـ/1475م — وأن ود ضيف الله لم يزد على هذه الجملة شيئاً عن أصله أو نسبه. وكان شيخاً ومعلّماً لا حاكماً، فتأسست المدينة على يديه في الفترة الانتقالية بين سقوط دولة علوة المسيحية وقيام السلطنة الزرقاء. وهو من الأسماء التي تحفظها ذاكرة التراجم السودانية ضمن رجال العلم والتسليك في عصر الفونج، ولكن ما وصلنا من تفاصيل سيرته أقل مما تستحق، وهذا حال كثير من رجال ذلك القرن الذين اكتفت المصادر بتسجيل أسمائهم وبركاتهم دون تواريخهم.

الشيخ محمد بن عيسى “سوار الذهب” (القرن السادس عشر الميلادي):
الشيخ محمد بن عيسى الشهير بـ”سوار الذهب” عاش ونشط في دنقلا العجوز (العتيقة) شمال السودان في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر الميلادي، وبلغت مكانته أن زوّجه ملك المنطقة حسن بن قشقش ابنته — وهي واقعة وثّقتها الطبقات وأكدها مؤخراً اكتشاف أثري لوثيقة ملكية باسم قشقش في قلعة دنقلا العجوز نفسها؛ وتذكر الطبقات أن التلمساني المغربي هو من سلّكه طريق القوم وعلّمه علم الكلام وعلوم القرآن تجويداً وروايات، دون أن تحدد المصادر التي وقفت عليها مكان هذا التسليك تحديداً (والأرجح أنه في دنقلا حيث كان يعمل، لكني لا أجزم) ؛ وهو لم يؤسس طريقة صوفية تحمل اسمه، بل كان عالماً معلّماً جمع بين الفقه والتوحيد والسلوك الصوفي على عادة فقهاء عصره، وأثره الباقي هو نشر علم التوحيد والتجويد في المنطقة وذريته من بعده [9]؛ أما آل سوار الذهب اليوم في أم درمان والأبيض — وأشهرهم المشير عبد الرحمن سوار الذهب رئيس السودان الأسبق (1985-1986) — فتُجمع روايات الأسرة وكتب التراجم على انتسابهم إليه بالنسب المتوارث مع الاسم نفسه.
“سلَّكه” (بتشديد اللام) في اصطلاح الصوفية يعني: أدخله في طريق التربية الروحية وأرشده خطوة بخطوة حتى يقطع منازل السلوك (المجاهدة، التخلي عن الرذائل، التحلي بالفضائل) وصولاً إلى المقام الذي يؤهله ليصير مريداً كاملاً أو خليفة. فحين نقول “سلّكه الشيخ فلان طريق القوم”، فالمعنى: أخذه بيده مرشداً ومربياً في المسار الصوفي، كما يأخذ المعلّم تلميذه في طريق وعرة يعرف هو دروبها ولا يعرفها المتعلم. ومنه اشتُقّ وصف “السالك” للمريد الذي لا يزال يقطع منازل هذا الطريق، ”السلوك” اسماً للمسار الروحي نفسه.

الشيخ دفع الله أبو إدريس المصوبن (القرن السابع عشر الميلادي):
شيخ أبي حراز بالجزيرة من البيت العركي، وخليفة الشيخ عبد الله العركي في طريقته القادرية، جلس للتعليم والتسليك في قريته فقصده الطلاب والمريدون، ومن مريديه الشيخ حمد النحلان ود الترابي وأخوه ننّة، وضريحه بأبي حراز الشرقية وذريته المعروفون بالمصوبناب من أعمدة بيوتات الجزيرة الدينية[10]

الشيخ أحمد بن علي بن عون بن عامر، أرباب العقائد (ت. أوائل القرن الثامن عشر الميلادي):
العالم المتصوف الذي لُقّب ب “أرباب العقائد” لتضلعه في علم العقائد (التوحيد) حتى غلب اللقب على الاسم، جمع بين علم الكلام والتصوف في زمن كان الجمع بينهما نادراً، وضريحه من مزارات الخرطوم المعروفة[10]. وهو فقية محسي من جزيرة توتي عبر الأزرق مع حيرانه وبنى مسجد الخرطوم الأول ومسيداً أمه الطلاب من كل حدب، من شمال وغرب أفريقيا. بذلك أقام نواة مدينة الخرطوم العاصمة الآن، في العام 1691 م. هذا المسجد حطمه الدفتردار في 1823 ثم رممه خورشيد باشا، صلي فيه المهدي أول جمعة بعد فتح المدينة عام 1885 ثم حطمه بنفسه وأخيراً أمر الملك فاروق بتجديده في 1946 ولم يفتتح حتى عام 1953 م. من طلاب أرباب العقائد الشيخ حمد ود أم مريوم وهو قادري الطريقة ومؤسس حلة حمد ببحري والشيخ خوجلي مؤسس حلة خوجلي.

الشيخ محمد المجذوب بن الشيخ الطاهر (وُلد بسواكن 1832م تقريباً):
مجدد المجذوبية الأكبر، تلقى العلم على والده ثم على شيوخ الحجاز، وأعاد إحياء طريقة جدّه حمد ود المجذوب ونشرها بين قبائل البجا شرقي البلاد، فربط بذلك بين حاضرة المجاذيب في الدامر وامتدادهم الجديد في الشرق، وترك عقباً عُرفوا جميعاً بالمجاذيب[8].

وعمر بن جلال جد العمران:
تحفظ له روايات الأنساب مكانه في سلسلة الذرية من جهة أمه وديدة بنت الشريف حمد أبي دنانة، فينتسب بذلك إلى أقدم البيوت الصوفية دخولاً إلى السودان، وإن كانت سيرته التفصيلية مما بقي في حفظ الرواة أكثر مما استقر في بطون الكتب.

القسم الثالث: أولياء الله الصالحون
وهؤلاء هم الذين قال فيهم ود ضيف الله أعذب صفحاته، رجال لم يمنحهم أحد مناصبهم، بل انعقد لهم القبول في القلوب انعقاداً. ويجدر بالذكر أن ازدهار جيلهم الذهبي تم في كنف دولة الشيخ عجيب المانجلك، عظيم العبدلاب، الذي امتدت دولته إحدى وأربعين سنة كانت أخصب مواسم قدوم العلماء والأولياء إلى البلاد، فكان بذلك راعي الحركة وإن لم يكن من رجالها[9].

الشيخ إدريس ود الأرباب (1507-1650م):
سلطان أولياء السودان بلا منازع، وُلد بالعيلفون وعاش – بحسب الروايات – نحو قرن ونصف قرن كاملين، وذكرت الطبقات أن ولايته ظهرت “من غير شيخ قدم عليه”، قيل أخذ عن رسول الله مباشرة بالمدد. كان صاحب الكلمة المسموعة عند ملوك الفونج والعبدلاب، سافر إلى سنّار أكثر من سبعين مرة شفيعاً للمتضررين، ورفض نصف أرض الملك بادي أبو رباط لأنها انتُزعت من مسيحيي سوبا اغتصاباً – وهذا وحده كافٍ لتفسير سر محبة الناس له إلى اليوم[9][13].
كراماته في أدبيات المريدين من باب الكشف والإخبار بالمغيبات: تنبأ بظهور الشيخ خوجلي بتوتي قبل ولادته (وكان خوجلي يقول عنه: “الشيخ إدريس أعرف بطرق السماء من طرق الأرض”) ، وتنبأ بأن الزين بن صغيرون سيفوق أباه إسهاماً في الدين فكان. وقالت الطبقات إنه “تكلم في علوم الأولين والآخرين من غير أن ينظر ذلك في كتاب، فكان أكابر العلماء بين يديه كالأطفال”. واللافت أن أدبيات مريديه أنفسهم تختم بعبارة تليق بروح مقالنا: “أكبر كراماته كانت الاستقامة مع الله وتحويل البلاد من المسيحية إلى الإسلام” — أي أن أعظم الخوارق عندهم كان أقلها خرقاً للعادة.

الشيخ حسن ود حسونة (ت. النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادي):
سوداني المولد والنشأة، وُلد ونشأ في منطقة الجزيرة بين النيلين حيث كانت حياته ومجاهداته (وخلوته الشهيرة “خلوة باعوضة”)، وبها ضريحه القائم شرقي النيل الأزرق في المنطقة المعروفة ببيته إلى اليوم، والتي ما زالت حاضرة القبيلة الروحية المعروفة بـ”أولاد حسونة”. أما أصل البيت فمن خارج السودان بحسب روايات أنسابهم — يذكرون أن جدهم قدم من الجزيرة الخضراء (بالأندلس عند بعض الرواة، وبالمغرب عند آخرين، والخلط بين الموضعين قديم في أنساب السودان لأن كليهما “جزيرة خضراء” في الذاكرة الشعبية) ، وينتهي نسبهم الشريف إلى الإمام موسى الكاظم من آل البيت.
ظهرت ولايته – كما تقول الطبقات – “بمدد من رسول الله” بعد ظهور ولاية الشيخ إدريس ود الأرباب بيسيرٍ من الزمن وقيل إن بينهم صلة نسب. جمع بين الولاية والثروة جمعاً أثار انتباه المؤرخين قبل المريدين، وضريحه بشرق النيل من أشهر المزارات[9].
أشهر كراماته وردت في نص الطبقات نفسه: جاءه رجل ظلمه غريمه في دَين لا يقدر على تحصيله (“ولد عجيب ما بجيب منك، مك الفونج ما بجيب منك”) ، فبكى الشيخ ثم رفع يده في الهواء فوقعت الحلقات الذهبية في كفيه “كع كع” حتى اكتمل قدر الدين لا يزيد شيئاً. العبارة بالعامية السودانية القديمة، وترجمتها: “ابن عجيب لن يُحصّله منك، وملك الفونج لن يُحصّله منك” — أي أن الرجل الغريم يقول للشيخ حسن ود حسونة عن دَينه الضائع: هذا حقٌّ لن يقدر على انتزاعه من مَدينه لا “ولد عجيب” (أي سلطان العبدلاب، ذرية الشيخ عجيب المانجلك حكام الشمال) ولا “مك الفونج” (ملك سنّار نفسه، صاحب السلطة العليا في البلاد).
فالمعنى الكامل للمشهد: الرجل يشكو للشيخ أن دَينه بلغ من التعذر حداً تعجز عنه أعظم سلطتين زمنيتين في السودان كله — سلطة العبدلاب وسلطة الفونج — فكأنه يقول: لا قوة على وجه الأرض تُرجع لي حقي، وأنت يا سيدي ظلمتني إذ لم تخلّصني. وهنا مربط الكرامة وبلاغة الحكاية معاً: فحين عجزت السلطتان الدنيويتان معاً، بكى الشيخ ثم رفع يده في الهواء فتساقطت الحلقات الذهبية في كفه “كع كع” بقدر الدَّين لا يزيد — أي أن قدرة الولي المستمدة من الله بدأت حيث انتهت قدرة الملوك. والحكاية بهذا البناء نموذج مكتمل لوظيفة الكرامة في وجدان ذلك العصر: إعلان أن سلطان الولاية فوق سلطان المُلك — وهو نفسه المعنى الذي رأيناه في شفاعات ود الأرباب التي لا يردها ملوك سنّار.
وقبل ذلك كله، كرامته التأسيسية أنه أخذ الطريقة “بالخطوة” — بمدد من النبي مباشرة من غير شيخ بشري — ومجاهداته الشهيرة في خلوة باعوضة من جوع وسهر وذكر لا يفتر [9].

الشيخ بان النقا الضرير:
جدّ اليعقوباب الذين صاروا من أعرق البيوتات الدينية في وسط السودان، وقد وردت الإشارات إليه وإلى ذريته في تضاعيف الطبقات ضمن رجالات ذلك العصر المبارك[9].
تُروى له دعوة مستجابة صارت من أشهر حكايات ذلك الجيل: جاءه الفقيه صباحي وزوجته عقيم، فدعا لنفسه وله بابنين صالحين “كالتوأمين”، فوُلد لبان النقا ابنه التوم وللصباحي ابنه الحسين، ونشأ بينهما تلازم عجيب حتى رُوي أنهما كانا يحتجمان في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين. أما ابنه عبد الرازق “الأغر المحجل” فتُروى له كرامة الرضيع الذي لا يرضع في نهار رمضان، وأنه بعد وفاته كان يجيب من ناداه من قبره — وهي من كرامات البيت التي حفظتها الطبقات. والميت في قبره أو برزخه هو في الطور بين الموت والبعث. فعند الصوفية يتسع مفهوم البرزخ اتساعاً خاصاً: فعالم البرزخ عندهم ليس سجن انتظار، بل عالمٌ حيٌّ يقظ، أرواح الأولياء فيه مطلقة من قيود الجسد، تسمع وتجيب وتُمِدّ — ومن هنا جاءت عقيدة “مدد” الأولياء الأموات التي رأيناها في المقال: فالشيخ المتوفى عندهم لم يغادر، بل انتقل من دار التكليف إلى دار الإطلاق، وصار عونه أقرب لا أبعد. وهذا هو الأساس العقدي الذي تقوم عليه زيارة الأضرحة والاستمداد من أصحابها، وعليه بنى ود ضيف الله روايته لجواب دشين من قبره في مسألة التنباك — مع تحفظه المنهجي اللطيف الذي نقلناه في مقال سابق عن كتابه [16]: أن سؤال الميت “لا يترتب عليه حكم شرعي، وإنما هو من باب كرامات الأولياء” — أي أن البرزخ عنده مصدر بركة، لا مصدر فتوى.

الشيخ حمد النحلان ود الترابي (ت. أوائل القرن الثامن عشر الميلادي):
لُقّب بالنحلان لأنه عاش بالكفاف والمجاهدة حتى نحل جسده، وهو صاحب الأحوال والجذب الذي حارت فيه الطبقات نفسها بين التوثيق والاعتذار [9]. “الأحوال” و”الجذب” مصطلحان صوفيان دقيقان: الحال (جمعها أحوال) هو وارد روحي يهجم على قلب السالك دون اكتساب منه — وجدٌ، أو قبضٌ، أو بسط، أو سُكر روحي — فيغلبه ويظهر أثره على سلوكه الظاهر. والفارق بينه وبين “المقام” أن المقام يُكتسب بالمجاهدة ويَثبُت، أما الحال فيَرِد ويزول كالبرق، ولذلك سُمي حالاً لأنه يتحول. أما الجذب: أن يجتذب الله العبد إلى حضرته دفعةً دون سلوك متدرج، فيغيب عن أحكام الوعي المعتاد وتصدر عنه أقوال وأفعال تخالف مألوف الناس — كلام غامض، أو سلوك ظاهره مخالفة العرف والناس يلتمسون له باطناً صحيحاً. وصاحب هذه الحالة يُسمى “مجذوباً”، وهو صنف يحار فيه الفقهاء: أيُعذر لغياب عقله التكليفي أم يُحاسب؟ وقصد الطبقات بهذه العبارة أن حمد النحلان كان من هذا الصنف الثاني تحديداً: رجل غلبت عليه الواردات والجذبات، فنقلت عنه أقوال وأفعال حارت فيها الطبقات نفسها — فود ضيف الله، وهو المحب المترجم لهؤلاء الرجال، وجد نفسه أحياناً يوثّق أخبار النحلان وأحياناً يلتمس لها الأعذار والتأويلات، لأن بعضها على ظاهره مشكل شرعاً أو عقلاً. وهذا هو معنى “حارت فيه الطبقات بين التوثيق والاعتذار”: الكتاب نفسه تأرجح بين تسجيل الظاهرة وتبريرها.

الشيخ عبيد ود بدر:
ولي أم ضبان الشهير من بيت ود بدر العريق، الذي صارت أضرحة رجاله من أشهر مزارات شرق النيل، ولا تزال حولياتهم تجمع الآلاف[10]. من كرامات بيته المروية أن خصوم دمٍ رفضوا شفاعة العلماء والوجهاء جميعاً ثم قبلوا كلمة الشيخ من أول مجلس، فلما اعترض أحد العلماء ومد يده مستنكراً يبست يده مرفوعة حتى استشفع له فعادت [19]. لكن كرامته الكبرى في الحقيقة مؤسسية لا خارقة: أم ضبان ذاتها، التي صارت من أعظم منارات تحفيظ القرآن في السودان وأفريقيا، تخرّج فيها نحو مئة ألف حافظ، وما زالت “نار القرآن” (التُقابة) توقد فيها رمزياً إلى اليوم [20].
هذه الكرامات مستقاة من أدبيات بيت ود بدر ومحبي أم ضبان أنفسهم — أي من جمهور المشجعين لا من حكَم محايد على أرض الملعب مدعوم بطاقم حكام الكاميرات — فهي توثيق لما يرويه المريدون ويؤمنون به، لا حكم تاريخي مستقل بالوقوع.
وهنا لا بد من مصارحة منهجية: هذه المصادر توثّق الرواية لا الواقعة — أي أنها تثبت أن هذه الكرامات مروية فعلاً ومتداولة في أدبيات كل طريقة، لكنها مصادر مريدين ومحبين، لا مصادر تحقيق تاريخي مستقل. وهذا طبيعي في باب الكرامات أصلاً: فهي بطبيعتها مادة تُروى في أدبيات الطرق ولا تُوثّق في الأرشيفات. ولذلك فان الصياغة الأمينة تصبح: “يُروى عنه” أو”من كراماته المروية” — نسبة للرواية لا جزماً بالوقوع، وهو نفس منهج ود ضيف الله نفسه حين كان يسند: “حدّثني فلان قال…”.

الشيخ إبراهيم الكباشي (ت. أواخر القرن التاسع عشر الميلادي):
ولي شمال الخرطوم الذي صار ضريحه ومنطقته المعروفة باسمه (الكباشي) قبلة زوار لا تنقطع، وذكره حاضر في المديح والحوليات إلى اليوم[10]. الشيخ إبراهيم الكباشي: وُلد بأبي قميص قرب المناقل عام 1201هـ، وقرأ بطيبة العركيين، ثم رحل شمال الخرطوم فنزل غابة موبوءة بالثعابين والهوام، فأمر تلميذه أن يبيت فيها ويؤذن فجراً وينادي في الهوام بالرحيل — فرآها الناس صباحاً راحلة أسراباً، فسجّل له مشايخ العبدلاب بالحلفايا الأرض من النيل إلى حيطة. ومن أشهر ما يُروى عنه “كرامة السم”: أن من أكرمهم الله من أبنائه وأحبابه أُمّنوا من سم العقارب والثعابين، حتى لُقّب “كباشي السم”، ومن كناه أيضاً “سكين الجوع” و” غوث الزمان” [21] [22].
كلمة أيضاً لا بد منها: المصدران الأخيران هنا، وكل المصادر عن الكرامات في هذا المقال [19، 20، 21، 22، 25]، منتديات ومدونات إلكترونية يديرها محبو الطريقة الكباشية وأم ضبان وآخرون — مريدون خُلّص يكتبون عن شيخهم بقلب المحب — فالروايات صادقة النسبة إلى تراث الطريقة، ولا يملك التحقيق التاريخي المستقل في وقائعها أكثر من إثبات تداولها وليس إثبات حوادثها.

الشيخ عبد الباقي النيل (أزرق طيبة):
شهرته: الشيخ عبد الباقي بن الشيخ حمد النيل (1845-1952م) — عاش أكثر من قرن — لُقّب “أزرق طيبة” لقامته المديدة ولونه الداكن، ولبسه طرقة سوداء من توب الزُّراق دلالة على التقشف، ومن ألقابه الأخرى: أبو طِرقة، أبو خلقاً رضية، الغوث، الشايب، أبو الطلاب، أبو الضيوف، أبو الأيتام. يمر نسبه ببيت يوسف أبو شرا، (راجل أبي حراز، المولود في 1724م) وهو مؤسس قرية أبي حراز الموازية لطيبة الشيخ عبد الباقي وتقع على الضفة الشرقية للنيل — أي أن حاضرة الأحفاد (طيبة) وحاضرة الأجداد (أبو حراز) تتقابلان عبر النهر، وهي لفتة جغرافية بليغة، اذ تقع قرية طيبة في ولاية الجزيرة، غربي النيل الأزرق قرب الطريق العام المعروف بشارع مدني.
حملت قرية طيبة الشيخ عبد الباقي (وهي غير طيبة العركيين التي جود القرآن فيها الشيخ الكباشي)، اسمه رسمياً منذ 1898 وهو حي يرزق، فهو مؤسسها الثاني بعد جده الشيخ يوسف أبو شرا. أقام تكيةً ومسيداً للقرآن هاجر إليه الناس من كل ربوع البلاد حتى أزعجت الهجراتُ المستعمرَ، فقال قولته التي جرت مثلاً: “لو ما عجيني، مين بجيني”. وأراضيه كانت اللبنات الأولى لمشروع الجزيرة، وأول مكتب زراعي بالمشروع أقيم عليها. وعلى يد تلاميذه انتشر الإسلام في مملكة تقلي بجبال النوبة. إذاََ، هو من بيت الشيخ حمد النيل القادري الذي يحمل ضريح جدهم بأم درمان أشهر حلقة ذكر مفتوحة في السودان، تلك التي تجتذب كل جمعة السائح والمريد والمصوّر الأجنبي في مشهد صار أيقونة بصرية للتصوف السوداني بأسره[10]. هو الوحيد من خلفاء العركيين المقبور خارج أبي حراز.
كراماته: المصادر — وهي أدبيات مريدين كسابقاتها — تحتفي به بمنطق مختلف عن الكرامات الخارقة: شهرته شهرة زهد وكرم وعلم (كان يصنع الطعام للضيوف بيده ويجلس مع الطلبة كأحدهم)، والمدائح التي قيلت فيه تلمّح إلى أسرار وكرامات دون أن تروي وقائع محددة كقصص الكباشي والمكاشفي. فكرامته في الوجدان هي طيبة ذاتها وقرنٌ كامل من نار قرآن لم تنطفئ.

الشيخ عبد الله بن إحمد، أزرق طيبة (الثاني) (1946-2021)
الأزرق الثاني بالوراثة: الشيخ عبد الله بن أحمد الريح (1946-2021) — وهو حفيد الأول (سلسلته: عبد الله بن أحمد الريح بن… عبد الباقي)، تولى السجادة عام 1990، فانتقل إليه اللقب انتقال المنصب: صار يعرف هو أيضاً بـ” أزرق طيبة” في الصحافة والمجالس، لا لزرقة لون أو طرقة، بل لأن اللقب التصق بالسجادة نفسها فصار من يجلس عليها “أزرقَ طيبة” زمانه. وهو صاحب المواقف السياسية والمبادرات وقائمة إهدار الدم.
فالقاعدة إذن: “أزرق طيبة” صار مثل “المجذوب” و” الميرغني” — عَلَماً على البيت والسجادة يتجدد حامله كل جيل، وأصله وصف جسدي لجدٍّ واحد بعينه.
عرف الشيخ عبد الله أزرق طيبة بالمواقف السياسية الأشهر في تاريخ البيت، وقصته تستحق الوقوف: مهندس خريج جامعة الخرطوم، زامل الشاعر محمد عبد الحي بحنتوب، وتولى الخلافة عام 1990 بعد أخيه الشيخ أبو عاقلة. وكانت مواقفه معارضة صريحة موثقة: جهر برؤية للسودان دولةً متعددة الثقافات والأديان، ودعم خط المعارضة منذ أيام الطلب، وطرح عام 2005 إبان مفاوضات السلام “مبادرة المشروع الوطني لبناء الثقة” التي أعلن جون قرنق نفسه تأييدها، ثم مبادرة “إكمال السلام” عام 2020. وبلغت به الجرأة أن جماعة متشددة أهدرت دمه عام 2006 ضمن قائمة الـ23 الشهيرة التي ضمت قيادات يسارية وناشطين — فلم يُلقِ للأمر بالاً. ومأثوره: “الإنسان الحر لا يقبل الظلم لنفسه ولا يرضاه لغيره”. فهو نموذج نادر لشيخ سجادة قادرية وقف في صف المعارضة المدنية علناً عبر ثلاثة عهود.

الشيخ بدوي ود أب صفية:
من الأولياء الذين تحفظ لهم الذاكرة الشعبية مقاماتهم ومزاراتهم وتُنشد فيهم المدائح، وإن شحّت المصادر المكتوبة عن تفاصيل سيرهم بما يليق. ولد بالأبيّض في القرن السابع عشر الميلادي — أي أنه سوداني المولد والنشأة، من مواليد حاضرة كردفان نفسها [26]، فجنسيته بالمعنى الحديث سودانية بلا لبس. أما أصل البيت فوافد: والده الشيخ موسى، المعروف بـ”أبو قصة” (وبأبي صفية نسبة إلى زوجته صفية أم البدوي)، قدم من أرض الشام، ومرّ في رحلته بأرض الشمالية ثم أم درمان قبل أن يستقر نهائياً بالأبيّض [27]. فالتركيبة إذن مألوفة في تراجمنا: أبٌ وافد من المشرق، وابنٌ سوداني صار عَلَم المدينة حتى ضُرب به المثل. واللافت أن والده موسى كان هو نفسه صاحب حال وشطحات صوفية مدونة شعراً، ودُفن بمنطقة الحمرة، بينما دُفن الابن البدوي بمقابر ود أب صفية بالأبيّض التي تحمل اسم البيت إلى اليوم.
مقامه بمقابر ود أب صفية جنوب غربي الأبيّض (وينبه المصدر إلى أن القبة وسط المقابر ليست له، بل للشيخ أحمد كنتيش التيجاني، وقبره هو غربها)، وأبوه الشيخ موسى “أبو قصة” وفد من أرض الشام واستقر بالأبيّض، وشهرته شهرة علم وفقه لا شهرة خوارق: حتى جرى به المثل الكردفاني الشهير “قاعد في الأبيّض وما عارف ود أب صفية وين؟ [26]”, كنايةً عن جهل القريب الواضح. ومن بناته زينب، حافظة القرآن التي تقول الروايات إنها قُتلت ومصحفها بيدها [26]. فكرامته الجارية هي المثل نفسه: وليٌّ صارت معرفته مقياساً للمعرفة.

الشيخ البطحاني
أيضاً من الأولياء الذين تحفظ لهم الذاكرة الشعبية مقاماتهم ومزاراتهم وتُنشد فيهم المدائح، وإن شحّت المصادر المكتوبة عن تفاصيل سيرهم بما يليق. فهذا الشيخ يمثل مجموعة من أولياء الله لم تورد الصادر التاريخية عنهم الكثير، بل تجد اسمائهم في المدائح والمرويات. وهذه الشحّة نفسها شاهد على أن الولاية في السودان تُحفظ في الصدور قبل السطور

ملحق القسم الثالث: نساء لهنّ في هذا الميدان قدَم
وحتى لا يُظن أن الولاية ذكورية بالوراثة، فإن أم طريق القوم، أي المنهج الصوفي بأسره، امرأة: رابعة العدوية البصرية (ت. 801م تقريباً)، صاحبة مذهب الحب الإلهي الخالص، التي علّمت الرجال قبل النساء أن العبادة طمعاً في الجنة أو خوفاً من النار تجارة، وأن الكمال عبادةُ الله لذاته – وما زال المتصوفة رجالاً ونساءً عيالاً على عبارتها تلك[8]. فهي التي نقلت التصوف نقلته المفصلية الأولى — من زهد الخوف من النار وطمع الجنة الذي كان عليه زهّاد القرن الأول، إلى الحب الإلهي الخالص: عبادة الله لذاته لا لثوابه ولا خوفا من عقابه. وهذه النقلة هي التي صارت قلب التصوف النابض بعدها: فمقامات المحبة والشوق والأنس والفناء التي بنى عليها الجنيد وابن عربي وكل من جاء لاحقاً، أصلها ذلك المذهب الذي أعلنته امرأة من البصرة في القرن الثاني الهجري وكان انقلاباً في زمانه.
والسيدة زينب بنت علي بن أبي طالب، عقيلة بني هاشم، التي يتنازع مقامَها الشام ومصر، وترى القاهرة أن ضريحها الذي يحمل اسمها – وحوله الحي والمسجد والموالد – هو الموضع الصحيح، وهو من أعظم مزارات مصر قاطبة، ومحبتها في الوجدان الصوفي السوداني امتداد طبيعي لمحبة آل البيت التي تشرّبتها الطرق كلها.
ومن نساء البيوتات الصوفية السودانية الست علوية بنت السيد هاشم الميرغني، التي دُفنت بمدينة مصوع على البحر الأحمر إلى جوار والدها، وضريحهما هناك من المزارات المعروفة، في شاهد على أن نفوذ البيت الميرغني الروحي – رجالاً ونساءً – كان عابراً للحدود قبل أن تُرسم الحدود نفسها[15].

اعتذار لا بد منه
لا بد من التوقف هنا لتقديم اعتذار صغير عن تكرار سِيَر بعض هؤلاء المؤسسين والمجدّدين والأولياء، وقد كنا أوردنا طرفاً من سيرهم في مقال سابق عن الكتاب المرجعي “طبقات ود ضيف الله” في هذه الفضائية ذاتها [16]. والدافع إلى هذا التكرار مزدوج: أولاً أن كثيراً من هؤلاء المجددين – وعلى رأسهم السيد محمد عثمان الميرغني نفسه – إنما برزوا على المسرح الصوفي بعد عهد الشيخ محمد النور بن ضيف الله، الذي توفي قبل تأسيس الختمية بعقود، فلم يكن بمقدور “الطبقات” أن تحدثنا عنهم أصلاً. وثانياً أن الغرض هذه المرة كان جمع أكبر عدد من كبار هؤلاء المجددين في مرجع واحد متسلسل زمنياً، بدل تشتيتهم بين مقالات متفرقة يصعب معها متابعة الخيط التاريخي الواحد. فإن وجد القارئ تكراراً في اسم أو تاريخ، فليعذر كاتباً يحاول أن يخدم موضوعاً واحداً من زوايا متعددة لا أن يُثقل عليه بذات الحكاية مرتين.

هل تعرّض عبد الله علي إبراهيم لشيوخ الصوفية في كتابه؟
في دراسته المرجعية “الصراع بين المهدي والعلماء”، ينصبّ اهتمام الدكتور عبد الله علي إبراهيم على مواجهة المهدي مع طبقة الفقهاء والعلماء الرسميين الذين اعتبرهم امتداداً لسلطة الحكم التركي – المصري، أكثر من انصبابه على شيوخ الطرق الصوفية بوصفهم فئة مستقلة. وقد أورد في ملحق كتابه نصوص رسائل المعارضة التي وجّهها للمهدي علماء من طراز الشيخ محمد الأمين الضرير شيخ علماء شرق السودان، والشيخ أحمد الأزهري شيخ علماء غربه[14]، وهما من صنف الفقهاء لا من صنف أرباب الطرق. أما شيوخ الطرق الكبرى، وعلى رأسهم الختمية، فقد آثر أغلبهم موقفاً أقرب إلى التحفّظ منه إلى المواجهة، إذ رفضوا الاستجابة لدعوة السلطات إلى تكفير المهدي على غرار ما فعله علماء الأزهر والخرطوم، وهو تمايز طريف بين موقف الفقيه الرسمي وموقف شيخ الطريقة الحذر، وإن لم يكن هذا التمايز محوراً رئيساً في دراسة عبد الله علي إبراهيم بقدر ما هو استنتاج يمكن قراءته بين سطور مصادر أخرى.

هل يتزايد عدد مريدي الطرق أم يتناقص؟ وما مصير الصوفية السودانية عند نهاية القرن؟
الإجابة الصادقة هي: كلاهما معاً، بحسب الزاوية التي تنظر منها. فمن حيث العدد الخام للمنتسبين اسمياً، لا تزال الطرق الصوفية تحتفظ بقاعدة جماهيرية واسعة، إذ يُقدّر عدد الطرق النشطة في السودان اليوم بنحو أربعين طريقة أساسية وفرعية [17]، ولا تزال المدائح والأذكار تملأ الإذاعة والمواصلات العامة والحياة اليومية بصبغة يصعب فصلها عن الهوية السودانية ذاتها. لكن من حيث الالتزام الفعلي والانضباط داخل هياكل الطرق التقليدية، فإن التحدي حقيقي: فقد شهدت العقود الأخيرة تصاعداً ملحوظاً للخطاب السلفي الذي هاجم الصوفية مفهوماً وممارسة طقوسها كطقوس “الحضرة”، بل طارد وتحدى الطرق الصوفية في أسواق الأرياف والمدن، مما قلّص من حضور الزوايا في الفضاء العام، خاصة قبل وبعد سقوط النظام السابق عام 2019[18].
والراجح أن الصوفية السودانية لن تندثر بنهاية القرن الحادي والعشرين، فهي أعمق من أن تُقتلع بجيل أو جيلين من الجدل الفقهي، لكنها ستتغيّر في شكلها: أقل تمركزاً حول السجادة الوراثية الصارمة، وأكثر ميلاً إلى صيغ شعبية مرنة تستعير من التصوف روحه ومدائحه دون التزام مؤسسي كامل بطريقة بعينها. وقد يكون مستقبلها الأرجح أن تتحول أكثر فأكثر من مؤسسة سياسية ذات ثقل انتخابي مباشر – كما كانت الختمية والمهدية إبان الاستقلال – إلى هوية ثقافية وروحية شعبية، تُستدعى في المناسبات وتُستحضر في الأزمات كخطاب وحدة وطنية بين مكونات بلد متعدد الأعراق[18]، أكثر مما تُستدعى كحزب أو جيش. وتلك، في نهاية المطاف، خاتمة لا بأس بها لفكرة بدأت زهداً فردياً في زاوية، وانتهت كجزء هام في تركيب هوية السودانى بوعي أو بدونه منه، المسلم وغير المسلم، المتصوف وغير المتصوف، وذلك بتبني أخلاقيات وقيم التصوف. وهكذا صارت – أو كادت – إلى أن تصير جزءاً من تعريف السودان لنفسه.
المراجع
[1] عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (الجزء الأول من كتاب العِبَر)، تحقيق: خليل شحادة، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1408هـ/1988م، الباب السادس: في علم التصوف.
[2] J. Spencer Trimingham, The Sufi Orders in Islam, Oxford: Clarendon Press, 1971 (ISBN 978-0198265245).
[3] د. علي صالح كرار، “الطرق الصوفية في السودان: منظور تأريخي”، صحيفة الراكوبة الإلكترونية، 8 نوفمبر 2013 (الرابط: alrakoba.net).
[4] حسن محمد الفاتح قريب الله، التصوف في السودان إلى نهاية عصر الفونج، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الدراسات العليا، جامعة الخرطوم، 1965.
[5] عبد الجليل عبد الله صالح أبو الحسن، مجدد التصوف في السودان: الشيخ أحمد الطيب البشير (1742-1824م)، نسخة إلكترونية متاحة عبر أرشيف الإنترنت (archive.org) ، رفعت بتاريخ 30 يونيو 2021.
[6] عبد الله مرداد أبو الخير، نشر النور والزهر في تراجم أفاضل مكة من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، عالم المعرفة للنشر والتوزيع، جدة، الطبعة الثانية، 1406هـ/1986م.
[7] “برهانية دسوقية شاذلية”، ويكيبيديا الموسوعة الحرة، النسخة العربية (الرابط: ar.wikipedia.org)، اطُّلع عليه في يوليو 2026.
[8] سليمان سليم علم الدين، التصوف الإسلامي: تاريخ، عقائد، طرق، أعلام، دار نوفل، بيروت، 670 صفحة (سنة الطبع غير مثبتة في فهارس المكتبات المتاحة).
[9] محمد النور بن ضيف الله، كتاب الطبقات في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان، تحقيق: يوسف فضل حسن، دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 1971 (وطبعات لاحقة).
[10] “أضرحة السودان… مزارات لا يطويها النسيان”، صحيفة النيلين الإلكترونية، 23 نوفمبر 2022 (الرابط: alnilin.com).
[11] R. S. O’Fahey, Enigmatic Saint: Ahmad ibn Idris and the Idrisi Tradition, London: Hurst & Company, 1990؛ ونقلاً عن إحالاته: حسن مكي، “أثر أحمد بن إدريس الفاسي على السودان وجواره الجغرافي”، صحيفة الراكوبة الإلكترونية، 17 نوفمبر 2017 (الرابط: alrakoba.net).
[12] “سيادة الطريقة الأحمدية الإدريسية”، الموقع الرسمي لمشيخة الطريقة الأحمدية الإدريسية (الرابط: alidrisiah.com)، اطُّلع عليه في يوليو 2026.
[13] “مسجد ومَسِيد إدريس ود الأرباب.. موحد الفونج والعبدلاب ومرسي دعائم سلطنة سنار”، الجزيرة نت، قسم الثقافة، 4 أبريل 2022 (الرابط: aljazeera.net).
[14] عبد الله علي إبراهيم، الصراع بين المهدي والعلماء، الخرطوم، 1968 (طبعة ثانية: القاهرة، 1995)، الملحق رقم 1.
[15] وحيد علي عبد المجيد الأمير يعقوب التعايشي، “السادة المراغنة: أصلهم.. جذورهم ومسارهم”، صحيفة الصيحة الإلكترونية، 30 يوليو 2021 (الرابط: assayha.net).
[16] الرشيد خليفة، طبقات ود ضيف الله: سِفر لم يطبع في وطنه، سودانايل 8 يوليو 2026، الرابط https://sudanile.com/
[17] “الصوفية في السودان… كل الطرق تؤدي إلى الله حتى الغناء والرقص”، رصيف22، 2 نوفمبر 2020 (الرابط: raseef22.net).
[18] “التصوف في السودان: بين التاريخ والتحديات المعاصرة”، سودانايل، 26 فبراير 2025 (الرابط: sudanile.com).
[19] “كرامات الشيخ ود بدر”، مدونة الشيخ العبيد ود بدر، wadbador.blogspot.com (أدبيات بيت ود بدر).
[20] “أم ضبان: مدينة نورية”، منتدى أم ضبان، omdoban.yoo7.com، 14 يونيو 2011؛ ”في وداع الخليفة الطيب الشيخ الجد”، موقع الرواية الأولى، alrewayaalola.net، أبريل 2026.
[21] “ترجمة سيدنا ومولانا الشيخ إبراهيم الكباشي”، منتدى أم ضبان، omdoban.yoo7.com، 10 مايو 2011 (أدبيات المريدين).
[22] “كرامة السم للشيخ إبراهيم الكباشي”، منتدى محبي الشيخ الكباشي، alkabshi.forumarabia.com، 5 ديسمبر 2011 (أدبيات الطريقة الكباشية).
[23] “عبد الباقي المكاشفي”، ويكيبيديا الموسوعة الحرة، النسخة العربية، ar.wikipedia.org، اطُلع عليه في يوليو 2026.
[24] “الشيخ عبد الباقي المكاشفي”، موقع دار الفتوى الأسترالية، darulfatwa.org.au، 27 فبراير 2024.
[25] “نبذة بسيطة عن الشكينيبة البلدة التي استقر فيها سيدي الشيخ عبد الباقي المكاشفي”، مدونة المكاشفي، mukashfy.blogspot.com، أكتوبر 2011 (أدبيات البيت المكاشفي).
[26] أبو بكر محمد الطاهر (بيكو)، “الشيخ بدوي ود أب صفية.. قاعد في الأبيّض وما عارف (ود أب صفية) بي وين؟!”، صحيفة الراكوبة الإلكترونية، 1 فبراير 2022 (الرابط: alrakoba.net).
[27] أمل فضل، “الشيخ موسى أبو قصة (أبو صفية)”، سودانايل، 25 أبريل 2026 (الرابط: sudanile.com).
[28] Colin Turner, Islam Without Allah? The Rise of Religious Externalism in Safavid Iran, Richmond: Curzon Press, 2000 — وهو أخص الدراسات بموضوعنا تحديداً: صعود “الظاهرية الدينية” في إيران الصفوية ودور محمد باقر المجلسي في الحملة على التصوف والعرفان أواخر العهد الصفوي.

[29] Moojan Momen, An Introduction to Shi’i Islam: The History and Doctrines of Twelver Shi’ism, New Haven: Yale University Press, 1985 — المرجع التمهيدي المعتمد في التشيع الإثني عشري، وفيه فصول العهد الصفوي ومكانة المجلسي وموقف المؤسسة الفقهية من التصوف والقطيعة التي أعقبت ذلك. ]
[30]“الدامر السودانية: مدينة الأبواب القديمة ونار المجاذيب”، صحيفة القدس العربي، لندن (الرابط: alqudsalarabi.co.
31]] “تُنسب الطريقة التجانية إلى الشيخ أبي العباس أحمد التجاني: تاريخها ودخولها السودان”، مدونة صوفية السودان، 22 سبتمبر 2012 (الرابط: sofiatalsudan.blogspot.com).

[32] R. S. O’Fahey, The Darfur Sultanate: A History, London: Hurst, 2008 — عبر عرضه العربي: عبد المنعم خليفة، “عرض كتاب تاريخ سلطنة دارفور”، أغسطس 2010 (وفيه دور الشنقيطي في تحويل السلطان محمد الحسين للتيجانية وصيرورتها طريقة دارفور الأولى).

rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

من الصعوبة بمكان ان ينكر المصريون فضل السودان ! .. بقلم: ‏عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي
فشل متكرر !!
منبر الرأي
علينا أن نتزكر دائما أن باب الله لايغلق
عبد الرحمن الأمين يفجر قنبلة عن اللاجئين السودانيين في مصر
الأخبار
تجمع المهنيين يشيد بقرارات لجنة إزالة التمكين

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

استراتيجية الاسلاميين في الاحتماء بالعسكريين والبرهانيين الجدد .. بقلم: محمد فضل علي .. كندا

محمد فضل علي
منبر الرأي

ثورة اكتوبر 1964 كما حدثت .. بقلم: الأستاذ/ على محمود حسنين/المحامى

طارق الجزولي
منبر الرأي

أَصْحَى يَا بريشْ! .. بقلم: كمال الجزولي

كمال الجزولي
منبر الرأي

عنزه ولو طارت .. بقلم: حسن عباس

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss