يبدو أن انشغال قيادة الجيش السوداني بالنشاط التجاري والاقتصادي، بعد أن هيأت لها سياسة التمكين فرص احتكار مقدرات الدولة وثرواتها، قد أسهم في إفراغ المؤسسة العسكرية من جانب مهم من وظائفها المهنية والقتالية. فقد أشارت تصريحات الدكتور عبد الله حمدوك، حين كان رئيساً للوزراء، إلى أن المؤسسات العسكرية والأمنية كانت تستحوذ على نحو 80% من ميزانية البلاد، في ظل غياب الرقابة المدنية والشفافية المالية.
وفي هذا السياق، يبدو أن قيادة الجيش كانت قد اتجهت فعلياً إلى تحويل قوات الدعم السريع إلى ما يشبه نواة لقوات المشاة، بما يخفف عنها أعباء المواجهات البرية المباشرة، ويتيح لها التفرغ لإدارة شبكة المصالح الاقتصادية والسياسية التي نشأت حول المؤسسة العسكرية.
وقد كشفت الحرب عن جانب من هذه المفارقة؛ إذ استعان الجيش بكتائب الظل التابعة للحركة الإسلامية، إلى جانب مليشيات الحركات المسلحة، مثل المشتركة والعدل والمساواة وغيرها، في محاولة لتعويض ما أصاب بنيته القتالية من اختلال. وفي المقابل، تبدو قوات الدعم السريع، من حيث تماسك القيادة والقدرة على إدارة العمليات العسكرية، أكثر انسجاماً في بعض جوانب أدائها.
ويتجلى هذا التباين أيضاً في المواقف المعلنة تجاه وقف الحرب والبحث عن تسوية سياسية، وكذلك في طبيعة العمليات العسكرية واستهداف المنشآت. فقد أظهرت قوات الدعم السريع اهتماماً معلناً بمسار التفاوض، بينما ارتبط أداء الجيش في عدد من العمليات بقصف مناطق مأهولة بالسكان، كما حدث في نيالا ومناطق أخرى من غرب البلاد.
ولا يعني ذلك، بأي حال، تبرئة قوات الدعم السريع من الانتهاكات والجرائم المنسوبة إليها، أو منحها صك براءة مسبقاً. فهذه الانتهاكات ينبغي أن تخضع لتحقيق مستقل وشفاف، بعيداً عن الدعاية السياسية والإعلامية لأي من طرفي الحرب، وأن تتم محاسبة المسؤولين عنها أياً كانت مواقعهم وانتماءاتهم.
لكن ما يعنيني في هذا المقال يتجاوز المقارنة العسكرية المباشرة بين الطرفين، إلى محاولة الكشف عن حقيقة سياسية بدأت تتضح لي بصورة متزايدة من خلال مجريات الأحداث، منذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 وحتى اندلاع هذه الحرب اللعينة.
فالحرب لم تكن مجرد انفجار عسكري ناجم عن صراع بين قيادتين عسكريتين، بل جاءت في سياق سياسي كانت فيه قوى النظام السابق تسعى إلى قطع الطريق أمام الاتفاق الإطاري، الذي كان من المفترض أن يفتح الباب أمام إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية، وإنهاء تعدد الجيوش والمليشيات، واستكمال مسار الانتقال الديمقراطي الذي أجهضه انقلاب 25 أكتوبر. وكان ذلك يعني بالضرورة تفكيك شبكات النفوذ والتمكين وإبعاد رموز النظام السابق الذين فقدوا مواقعهم عقب ثورة ديسمبر 2018.
إننا، فيما يبدو، أمام مفارقة سياسية وعسكرية تستحق التأمل؛ إذ أخذت الأدوار تتبادل مواقعها على نحو يثير الدهشة. فالمؤسسة التي يفترض أن تحتكر استخدام القوة وفق قواعد الدولة والقانون تحولت، في جانب من ممارستها، إلى مظلة لتجميع المليشيات والتشكيلات الأيديولوجية والمسلحة، بينما تحاول قوات تأسيس تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً لقوة عسكرية أكثر انضباطاً وتماسكاً، تنأى بنفسها عن استهداف المدنيين وتوجه عملياتها نحو المنشآت والأهداف العسكرية.
وهنا تتجلى المفارقة التي أود التوقف عندها: الجيش يتقمص صورة المليشيا، بينما تحاول المليشيا تقمص صورة الجيش.
إنها حالة من انقلاب الأدوار، أو ما يمكن وصفه باستعارة الروح الهيجيلية في صورة نقيضة؛ حيث تفقد المؤسسة العسكرية هويتها المفترضة، بينما تسعى قوة نشأت خارج بنية الدولة إلى تقديم نفسها باعتبارها نقيضاً لها ومشروعاً بديلاً عنها.
غير أن هذا الانقلاب في الأدوار لا ينبغي أن يقودنا إلى الخلط بين الصورة التي يقدمها كل طرف عن نفسه وبين حقيقة ممارساته على الأرض.
إن المعيار الحقيقي يظل هو احترام حياة المدنيين، والخضوع للقانون، والمساءلة عن الانتهاكات، والقبول بسلطة مدنية ديمقراطية تحتكر القرار العسكري والأمني.
وتلك هي المفارقة الكبرى في الحرب السودانية: أن الصراع لم يعد فقط حول من ينتصر عسكرياً، بل حول طبيعة الدولة التي ستخرج من تحت أنقاض هذه الحرب، وما إذا كانت ستقوم على المواطنة والمؤسسات أم ستظل رهينة للسلاح وشبكات المصالح.
طلعت محمد الطيب
