نزار عثمان السمندل
أخطر ما تخسره الأمم في الحروب لا يُقاس بعدد الأبنية المهدمة ولا بحجم الخراب الظاهر في الشوارع. الخسارة الأعمق تقع في تلك اللحظة التي يتعثر فيها انتقال المعرفة من جيل إلى جيل. وقتها يبدأ النزيف الحقيقي. وعندها تبدأ الشيخوخة المبكرة للأوطان.
أعتقد أن السودان يقف اليوم أمام هذا المشهد القاسي.
ثلاثة أعوام من الحرب كانت كافية لدفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث التعليمية في العالم. ملايين الأطفال ابتعدوا عن مقاعد الدراسة. آلاف المدارس والجامعات خرجت من الخدمة أو تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين.
أساتذة وطلاب تفرقت بهم طرق النزوح واللجوء. غير أن المأساة تجاوزت حدود الانقطاع عن التعليم.
تطور أكثر خطورة أخذ يتسلل إلى المشهد، عنوانه انتقال الحرب من محيط المؤسسات التعليمية إلى قلبها.
تصريحات وزير التعليم العالي في حكومة الأمر الواقع الحالية، بشأن مشاركة نحو ثلاثة آلاف طالب جامعي في القتال، بين قتيل وجريح وأسير، بدت كأنها إعلان رسمي عن سقوط جدار كان يفصل الجامعة عن ساحة المعركة.
ثم جاءت تهديدات وزير التربية بولاية الجزيرة بالاستعانة بعناصر من “كتائب البراء بن مالك” و”قوات درع السودان” للعمل في التدريس، لتكشف مقدار التحول الذي أصاب مفهوم التعليم نفسه خلال سنوات الصراع.
حين يُستدعى المقاتل إلى الفصل الدراسي، وحين يُحتفى بالطالب المشارك في القتال أكثر من الاحتفاء بالطالب المتفوق، يصبح السؤال متعلقاً بمصير المجتمع كله.
الحكاية أقدم من الحرب الراهنة.
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، شرعت سلطة الإنقاذ بقيادة الطاغية عمر البشير في إعادة هندسة المجال العام وفق مشروع عقائدي واسع. وكان التعليم أحد أهم ميادين ذلك المشروع.
داخل المدارس والجامعات جرى ضخ خطاب سياسي قاتم، وتوسعت برامج التعبئة والاستنفار، وارتبطت سنوات الدراسة لدى أعداد كبيرة من الشباب بتجارب التدريب العسكري والخدمة الوطنية.
تشكلت آنذاك ثقافة جديدة جعلت الحدود بين المعرفة والتعبئة أكثر هشاشة، وبين المؤسسة المدنية والمؤسسة الأمنية أقل وضوحاً.
بمرور السنوات، تراكمت التشققات بصمت.
تراجعت الجامعات السودانية في التصنيفات العالمية. تآكلت موازنات البحث العلمي. هاجرت أعداد كبيرة من الكفاءات الأكاديمية. ازدادت قبضة السياسة على الحرم الجامعي.
كانت الأعمدة التي يحملها التعليم تتآكل واحدة تلو الأخرى، فيما بدا المبنى واقفاً من الخارج.
ثم جاءت الحرب، فانهار كل ما كان مؤجلاً.
الأرقام التي تتحدث عن أكثر من سبعة عشر مليون طفل خارج النظام التعليمي تعكس جانباً من الصورة فقط. الجانب الآخر أكثر إيلاماً. جيل كامل ينمو بعيداً عن المدرسة، قريباً من مشاهد السلاح والقتل والنزوح والخوف.
جيل يتلقى دروسه اليومية من الحرب أكثر مما يتلقاها من المعلمين.
جيل يتعرف إلى القوة قبل أن يتعرف إلى المعرفة.
هنا تحديداً تكمن المعضلة الكبرى.
الدولة التي تعجز عن حماية المدرسة تبدأ تدريجياً في فقدان قدرتها على حماية المستقبل. والدولة التي تنظر إلى طلابها باعتبارهم طاقة قابلة للتعبئة العسكرية، تضعف قدرتها على إنتاج العلماء والأطباء والمهندسين والمفكرين الذين تحتاج إليهم بعد انتهاء المعارك.
الحروب تنتهي عادة بتوقيع اتفاق أو توقف إطلاق نار. أما آثارها على التعليم فتواصل عملها في الظل لسنوات طويلة. طفل يغادر المدرسة اليوم قد يصبح رقماً دائماً في سجلات الأمية والفقر غداً. وطالب جامعي يحمل السلاح قد يجد صعوبة في العودة إلى حياته السابقة حتى بعد أن تصمت البنادق.
لهذا تبدو معركة التعليم في السودان أكبر من كونها ملفاً خدمياً أو قضية قطاعية. إنها معركة تتعلق بالشخصية التي ستخرج بها البلاد من هذه الحرب. فالأمم تُبنى في الفصول الدراسية قبل أن تُبنى في قصور الحكم، وتنهض في الجامعات قبل أن تنهض في الثكنات.
فماذا يبقى من الدولة عندما يصبح الطريق إلى الجبهة أقصر من الطريق إلى المدرسة؟
ذلك السؤال ربما يحمل في داخله القصة الكاملة للمأساة السودانية الراهنة. الحرب التي بدأت صراعاً على السلطة، أخذت تلتهم بالتدريج المؤسسات التي تصنع المستقبل.
وعندما تصل النار إلى الكتاب، يصبح الوطن نفسه هو المادة القابلة للاحتراق.
onizar@hotmail.com
