بقلم: إدوارد كورنيليو
محمد الفيتوري لم يكن مجرد شاعر يكتب عن أفريقيا، بل كان صوتاً يتشكل من طين الأرض التي داستها أقدام المستعمر ومن عرق الرجال الذين كسروا الصخر في المناجم دون أن يملكوا حجراً واحداً منها. حين نقرأه اليوم نكتشف أن كلماته لا تزال تمشي في شوارع الخرطوم وطرابلس ودكار؛ ليس لأنها جميلة فقط، بل لأن الشروط التي أنتجتها لم تتغير كثيراً.
وُلد الفيتوري عام 1936 في الجنينة على تخوم متداخلة بين ليبيا والسودان، وكأن الجغرافيا أرادت منذ البداية أن تجعل منه كائناً عابراً للحدود التي رسمها غيره. هذا الترحال لم يكن خياراً ثقافياً بقدر ما كان نتيجة مباشرة لتاريخ طويل من تقطيع القارة إلى كانتونات تخدم مصالح بعيدة. هكذا يصبح اغترابه مزدوجاً؛ فهو لا ينتمي بالكامل إلى دولة، ولا تملك الفئة التي يتحدث باسمها وطناً حقيقياً لأنها لا تملك ما يُبنى عليه الوطن. من هنا نفهم سرّ إلحاحه على كلمة “أخي” في قصائده الأولى؛ فالأخوة التي ينشدها ليست رابطة دم أو عرق، بل رابطة مصير مشترك بين كل من وُضع في أسفل السلم وحُرم من ثمرة تعبه.
في أغاني أفريقيا 1955، التي صدرت وهو في التاسعة عشرة، يقلب الفيتوري الطاولة على كل الخطاب السائد. السواد الذي كان يُستخدم سُبّة يتحول بين يديه إلى راية؛ لكنه لا يحتفي باللون كجوهر ثابت، بل كعلامة على موقع محدد في العالم. حين يصرخ:
“قلها لا تجبن… أنا زنجي / وأبي زنجي الجد”
فهو لا يعلن انتماءً بيولوجياً، بل يكشف عن انتماء إلى ملايين البشر الذين نُهبت مواردهم وسُخّروا في مزارع الآخرين ومصانعهم. كراهيته المعلنة للأب في قوله “أكره أبي… لأنه عبد” صادمة لمن يقرأها سطحياً؛ لكنها في عمقها رفض لإعادة إنتاج القهر، رفض لأن يرث الابن قيود الأب ويُسمي ذلك قدراً. الأب هنا ليس شخصاً، بل نظام كامل جعل من الأب عبداً وأراد للابن أن يكمّل الدور.
علاقة الفيتوري بالاستعمار تتجاوز الإدانة الأخلاقية المعتادة. هو يراه آلة ضخمة دخلت القارة لا لتُعلّم أو تُطوّر كما ادّعت، بل لتنتزع القطن والصمغ والذهب والبشر أنفسهم وتحولهم إلى أرقام في دفاتر بعيدة. هذا النهب ترك الأفريقي غريباً عن أرضه؛ فالأرض لم تعد له، والعمل لا يعود عليه، والتاريخ كُتب بيد غيره. لذلك تتكرر في شعره صور الوجه المسافر والريح والضياع؛ فالإنسان الذي لا يملك ناتج يومه يغترب حتى عن ملامحه. حتى الدين يخضع عنده للمساءلة حين يُستخدم لتثبيت الواقع بدل تغييره؛ فالدرويش في “معزوفة درويش متجول” يطوف ويصرخ:
“يا سيدي الحسن… ضاقت فمن لها غيرك”
لكن الصراخ وحده لا يكسر قيداً ولا يطعم جائعاً.
المرحلة التي تلت الاستقلال الرسمي كانت الاختبار الأقسى للفيتوري. رأى الأعلام تتغير والوجوه الحاكمة تتبدل، لكنه رأى أيضاً أن الفلاح ظل بلا أرض والعامل بلا أجر عادل والأسود ظل في الهامش. من هنا جاءت مرارته في دواوين مثل اذكريني يا أفريقيا 1965؛ فالثورة التي حلم بها سُرقت قبل أن تكتمل، وتحولت السلطة الجديدة إلى حارس للمصالح القديمة بلون محلي. عبارته “يا أخي في كل أرض عريت من ضياها / وتغطت بدماها / صرنا عبيداً للعبيد” تلخص مأزقاً كاملاً: التحرر الشكلي الذي لا يمس جوهر العلاقات القائمة ينتج عبودية جديدة أشد قسوة لأنها ترتدي قناع الأهل. لهذا السبب تحديداً دفعت الأنظمة ثمن صدامه؛ فسُحبت جنسيته السودانية عام 1974 ونُفي، وعاش متنقلاً بين المغرب وليبيا وسوريا، لأن السلطة بطبعها لا تحتمل من يكشف أن بنيتها لم تتغير وإن تغيرت أسماء الجالسين على الكراسي.
قوة الفيتوري أنه لم يعزل قضية اللون عن قضية الخبز، ولم يفصل معاناة الزنجي في أمريكا عن بؤس الفلاح في دارفور أو عامل الميناء في بنغازي. كان يرى خيطاً واحداً يربط كل هؤلاء: أنهم الطرف الذي يُنتج ولا يملك، الذي يُهمّش ويُطلب منه أن يصمت باسم الاستقرار. لذلك امتلأت قصائده بالبركان والعاصفة والدم؛ لا حباً في العنف، بل إيماناً بأن التاريخ لا يتقدم بالمواعظ وحدها. مع ذلك، لا يمكن إنكار أن شاعريته وقعت أحياناً في أسر التمجيد الرومانسي للألم، وكأن المعاناة تمنح صاحبها تفوقاً أخلاقياً؛ بينما الحقيقة أن الهدف هو إلغاء الألم لا تقديسه. كما أنه برع في التشخيص أكثر من وصْف العلاج؛ فقد حفر في الجدار بعناد، لكنه لم يرسم دائماً شكل البيت الذي يجب أن يُبنى بعد سقوط الجدار.
تحالفاته السياسية في الستينات والسبعينات تكشف جانباً من تعقيد المرحلة. مديحه لأنظمة القذافي ونميري كان يرى فيها واجهة لمشروع تحرري، بينما كانت تلك الأنظمة تحافظ على بنى اقتصادية قديمة وتقمع المعارضين. هذا يظهر المأزق الذي وقع فيه كثير من المثقفين آنذاك؛ فالرغبة في الخلاص من الهيمنة الخارجية دفعتهم أحياناً إلى التساهل مع هيمنة داخلية جديدة. ورغم ذلك، ظل بوصلة شعره تشير إلى الجهة الصحيحة: إلى الناس الذين لا صوت لهم، إلى الذين تُسرق ثروات بلادهم ثم يُتهمون بالتخلف.
اليوم حين تُقرأ قصيدته “أصبح الصبح” 1956 في الساحات، فهي لا تُقرأ كنص تراثي، بل كنداء حيّ. البيت الذي يقول فيه:
“سأظل أحفر في الجدار / فإما فتحت ثغرة للنور / أو مت على وجه الجدار”
ليس استسلاماً للموت، بل تعريف للعمل الحقيقي: أن تغيّر الواقع يبدأ من الإصرار اليومي على نقب صخره، حتى لو كلّف ذلك عمراً كاملاً. الفيتوري يعلمنا أن الشعر لا يُقاس بوزنه اللغوي فقط، بل بقدرته على فضح ما هو مسكوت عنه؛ أن يُسمي الأشياء بأسمائها، أن يقول إن الفقر ليس طبيعة، وإن التهميش ليس قدراً، وإن اللون ليس تهمة. لهذا السبب يبقى حاضراً، لأن الأسئلة التي طرحها لا تزال معلقة، ولأن الحفر في الجدار لم ينتهِ بعد. توفي الفيتوري في الرباط عام 2015، لكن معوله لا يزال في يد كل من قرأه.
tongunedward@gmail.com
