تجربة الحزب الشيوعي السوداني 1946-2026 (الجزء 2)
الجزء 2: بين أكتوبر ومايو: حين امتحنت السلطة النظرية 1958-1971
إدوارد كورنيليو
17 نوفمبر 1958 لم يكن انقلاباً عادياً. كان إعلان إفلاس البرجوازية الوطنية. الأحزاب الطائفية التي قادت الاستقلال عجزت عن إدارة دولة مركبة. النخبة المدنية سلمت السلطة للجنرال إبراهيم عبود على طبق من ذهب. الحزب الشيوعي كان القوة الوحيدة التي قالت لا. لماذا؟ لأن قاعدته الاجتماعية؛ العمال والمزارعين، هي التي دفعت ثمن سياسات التقشف الأولى. عبود ألغى النقابات، اعتقل القيادات، حاول أن يحكم بالعصا. ست سنوات من القمع أنتجت ست سنوات من النضج السري. الحزب تعلم الكتابة بالشفرة، الطباعة في الأقبية، توزيع المنشور في الفجر. لكن الأهم أنه تعلم كيف يبني خلايا داخل الجيش نفسه. هذا الدرس التنظيمي الذي أنقذه من بطش عبود، هو نفسه الذي سيزرع فيه لاحقاً وهم أن الجيش يمكن أن يكون حزبه المسلح.
21 أكتوبر 1964 لم تسقط من السماء. كانت نتيجة تراكم كمي تحول إلى طفرة نوعية. مقتل الطالب القرشي كان الشرارة، لكن الحطب كان جاهزاً. الحزب لم يفجر الثورة، لكنه كان عقلها. لجان الإضراب، تنسيق الجامعات، بيان العصيان المدني؛ كلها خرجت من مطبخه السري. حين سقط عبود، خرج الحزب من تحت الأرض أقوى تنظيم سياسي في البلاد. الجماهير لم تكن شيوعية، لكنها رأت في الحزب الجدية والانضباط والقدرة على الفعل. تلك هي اللحظة التي يسميها لينين “لحظة الحزب”: حين تلتحم الطليعة بالجماهير فتصبح قوة مادية.
لكن السلطة لها منطقها. حكومة سر الختم الخليفة الانتقالية ضمت وزيرين شيوعيين. البرلمان المنتخب 1965 ضم 11 نائباً شيوعياً. الحزب أصبح جزءاً من اللعبة. هنا بدأ الانحراف الزاحف. بدلاً من استخدام البرلمان كمنبر فضح، بدأ يتعامل معه كأداة تغيير.
وتجلى ذلك في معركة طرد النواب نفسها. انشغل الحزب لأشهر في معارك لائحية ودستورية للدفاع عن مقاعده داخل قبة البرلمان، بينما تُركت معركة قانون الحد الأدنى للأجور والإصلاح الزراعي الجذري الذي كان يطالب به المزارعون في الجزيرة والرهد جانباً. النقابات التي قادت ثورة أكتوبر، تُركت لتعود إلى المطالب الاقتصادية الصرفة. التحالفات مع حزب الأمة والاتحادي لم تعد تكتيكاً لعزل العدو الرئيسي، بل أصبحت استراتيجية بقاء برلماني.
النتيجة: فراغ ملأه الإسلاميون الجدد. بين 1965 و1969، بينما كان الحزب يدافع عن وجوده القانوني، كانت جبهة الميثاق الإسلامي بقيادة الترابي تبني خلاياها في الجامعات والمعاهد وتنتقل من خطاب المساجد إلى خطاب الدولة البديلة. طرد النواب الشيوعيين من البرلمان في نوفمبر 1965 كان إنذاراً بأن قواعد اللعبة البرجوازية لن تحميه. الحزب رد بمظاهرات حاشدة، لكنه لم يعد إلى الشارع كاستراتيجية، بل كـرد فعل.
في هذا الفراغ جاء مايو. 25 مايو 1969 نفذه ضباط صغار تشبعوا بأدبيات الحزب. بابكر النور، هاشم العطا، فاروق حمد الله؛ كانوا يقرأون “الميدان” في الكلية الحربية. بيانهم الأول تحدث عن الاشتراكية ومعاداة الإمبريالية. الحزب أيدهم. هل كان مخطئاً؟ نعم ولا. نعم لأنه وضع مصيره في يد كتلة غير متجانسة طبقياً. لا لأن رفض مايو كان يعني الوقوف مع القوى الطائفية والرجعية. المأزق كان موضوعياً: غياب بديل جماهيري مستقل. الحزب اختار “الشر الأصغر”، لكن الشر الأصغر يلتهمك حين يستقوي.
سنتان من شهر العسل. الحزب دخل السلطة. وزراء، محافظون، قانون الإصلاح الزراعي. لكن النميري كان يلعب لعبة أكبر. يريد شرعية الحزب لضرب الطائفية، ثم يضرب الحزب ليرضي السعودية والإخوان. يوليو 1971 قرر أن اللحظة حانت. حل الحزب، اعتقل القيادات. رد الحزب كان انقلاب هاشم العطا 19 يوليو. ثلاثة أيام فقط. لماذا فشل؟ لأنه كان انقلاباً بلا جماهير. الطبقة العاملة التي قادت أكتوبر كانت تراقب من بعيد. المزارعون في الجزيرة لم يتحركوا. الحزب علّم الناس أن الجيش يمكن أن يكون أداة تغيير، ثم اكتشف أن الجيش له دينامياته الخاصة.
مجزرة الشجرة كانت الفاتورة. عبد الخالق محجوب سار إلى المشنقة فجر 28 يوليو في كوبر مرفوع الرأس، يهتف بحياة السودان وحياة الحزب، ويسأل جلاده ساخراً عن متانة الحبل. لم يقل وهو يصعد: “لا تبكوا عليّ، ابكوا على حزب لم يتعلم الدرس”، لكن سيرته كلها كانت تقول ذلك. جوزيف قرنق قُتل لأنه جنوبي وشيوعي؛ رسالة مزدوجة بأن الجنوبي حتى لو كان في المركز، سيظل مستهدفاً. الشفيع أحمد الشيخ أُعدم لأن النقابات يجب أن تُكسر. في ثلاثة أيام خسر الحزب رأساً وعموداً فقرياً. لكنه خسر شيئاً أكبر: ثقة قطاعات واسعة بأنه قادر على حماية نفسه، فكيف يحمي الجماهير؟
الدرس الذي كتب بالدم هو قانون التحالفات. الماركسية ليست ضد التحالفات. لينين تحالف مع الفلاحين الأغنياء أحياناً. لكن القاعدة الذهبية: لا تضع البندقية في يد حليفك ثم تعطيه ظهرك. الحزب سلّم سلاح التنظيم الجماهيري للعسكر، فوجده مصوباً إلى رأسه. بعد 1971 سيقضي 14 عاماً يدفع ثمن هذا الدرس. في الجزء الثالث سنرى كيف حوّل القمعُ الحزبَ إلى آلة سرية، وكيف أن الآلة التي أنقذته كادت أن تخنقه.
مصادر الجزء 2:
بيان الحزب 18 نوفمبر 1958، كتاب “ثورة شعب” 1965، محاضر طرد النواب من البرلمان نوفمبر 1965، T. Ismael عن تاريخ الحزب، وتوثيق مجزرة الشجرة وإعدامات كوبر 26-28 يوليو 1971 (سودارس).
tongunedward@gmail.com
