د. صلاح أحمد الحبو
تكشف حروب القرن الحادي والعشرين أن السيطرة لم تعد تُقاس فقط بمن يملك السلاح أو المال، بل بمن يملك القدرة على تفسير الواقع وتحديد معناه. فالحرب الحديثة لا تدمّر المدن والمؤسسات فحسب؛ إنها تنتج أيضًا رواياتها، وذاكرتها، وصورتها عن العدو، ومبررات استمرارها. ومن هنا يصبح الوعي موردًا استراتيجيًا، ويغدو الإدراك جزءًا من اقتصاد الحرب، لا مجرد انعكاس لها.
في السودان، لا تبدو الحرب مجرد أزمة سلطة تتقاتل فيها قوى مسلحة على الدولة، بل تحولت إلى منظومة تعيد إنتاج شروطها السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد بيّن تقرير تشاتام هاوس أن الحروب المعاصرة تعمل داخل شبكات عابرة للحدود، وتحكمها تحالفات مرنة ومصالح اقتصادية متحركة، مستشهدًا بالسودان وتجارة الذهب العابرة للحدود نموذجًا لذلك.[1] (chathamhouse.orgAttachment.png)
غير أن ما يغيب عن تحليل اقتصاد الحرب هو أن للرصاصة اقتصادًا، وللذهب اقتصادًا، وللتهريب اقتصادًا، وللسردية أيضًا اقتصادها. فالحرب تحتاج إلى إنتاج معنى يبرر استمرارها: لغة تقسم المجتمع إلى «نحن» و«هم»، وذاكرة انتقائية تستدعي ما يخدم التعبئة، وإعلام يحوّل المعلومة إلى أداة صراع. وهكذا لا يبقى المواطن متلقيًا للحرب فقط؛ بل قد يتحول، دون أن يدرك، إلى أحد مصانعها الاجتماعية.
والأخطر أن الحرب لا تنتج وعيًا منحازًا فحسب، بل قد تنتج مجتمعًا يفقد القدرة على إنتاج وعي مستقل. فعندما تتآكل المدرسة والجامعة والنقابة والصحافة المهنية ومراكز البحث، لا يتوقف إنتاج المعرفة؛ بل تنتقل وظيفته إلى شبكات الدعاية والاستقطاب. وعندها تصبح وفرة المعلومات وسيلة لإرباك الحقيقة، ويصبح تعدد الروايات وسيلة لتعطيل القدرة على التمييز بينها.
وهنا لا تعود المشكلة مجرد تضليل إعلامي، بل تصبح أقرب إلى إعادة هندسة للإدراك الاجتماعي. فالمشكلة ليست أن المواطن قد يصدق رواية خاطئة، وإنما أن تتآكل لديه الأدوات التي تمكنه من اختبارها. وهذا هو الفارق بين مجتمع تنقصه المعلومات ومجتمع تُنتزع منه أدوات المعرفة. في الحالة الثانية يتحول الجهل من نقص في البيانات إلى عجز عن الحكم، ويتحول الوعي من أداة للتحرر إلى مادة قابلة للاستثمار السياسي.
ومن هذه الزاوية تكتسب أعمال حسين مروة أهمية منهجية؛ إذ تقوم قراءته للتراث على مساءلة الأفكار في سياقاتها التاريخية والاجتماعية، وعلى ممارسة «النقد» بوصفه قراءة مادية دقيقة لما أنتجته تلك السياقات.[2] (scholarworks.aub.edu.lbAttachment.png) وهذا المنهج يفتح سؤالًا ضروريًا للسودان: إذا كانت الأفكار تتشكل داخل شروطها الاجتماعية، فماذا يحدث عندما تصبح الحرب نفسها شرطًا لإنتاج الوعي؟
الجواب أن الحرب لا تكتفي بتغيير السلوك السياسي؛ إنها تعيد تشكيل البيئة التي ينتج فيها المجتمع تفسيره لذاته. ولذلك فإن تدمير الجامعة ليس خسارة تعليمية فقط، وتدمير الإعلام المستقل ليس خسارة مهنية فقط، وانهيار المجال العام ليس خسارة سياسية فقط؛ إنها جميعًا خسائر في البنية التحتية للوعي الوطني.
وهنا تتقاطع أزمة الوعي مع ما يسميه يان بوسبيسيل انتقال التفكير في الوساطة من «الهندسة» إلى «النظام البيئي» للسلام. فالسودان، في قراءته، لا يعيش مجرد تعدد أطراف يمكن جمعها حول طاولة، بل حالة تشظٍّ أصبحت شرطًا بنيويًا في بيئة الحرب والوساطة؛ كما أن الوساطة نفسها تعمل داخل صراعات الشرعية والنفوذ، وليست آلية تقنية محايدة.[3] (PeaceRepAttachment.png) وإذا كان التشظي السياسي يعيد إنتاج الحرب، فإن التشظي المعرفي يعيد إنتاج قابليتها الاجتماعية.
وهذا هو الخطر الأكبر: انتقال المجتمع من صراع الروايات إلى فقدان معيار الحقيقة نفسه. فلا يعود السؤال: أي رواية صحيحة؟ بل يصبح: هل توجد حقيقة يمكن الاتفاق على اختبارها أصلًا؟ وعندما ينهار هذا المعيار، تصبح الهوية والتاريخ والضحايا والجغرافيا كلها مواد قابلة للتعبئة، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب وأقل قدرة على بناء تسوية عقلانية.
لذلك لا تكفي قراءة الحرب بوصفها أزمة أمنية. فالبنك الدولي وصف آثارها بأنها أزمة ذات عواقب اقتصادية واجتماعية واسعة، شملت تدهور رأس المال البشري والنزوح وتدمير سبل العيش والمؤسسات.[4] (openknowledge.worldbank.orgAttachment.png) لكن رأس المال الذي يصعب قياسه هو رأس المال المعرفي: الثقة، والقدرة على التفكير النقدي، والذاكرة المشتركة، وإمكان التمييز بين المعلومة والدعاية.
من هنا يصبح الحق في الوعي حقًا تأسيسيًا، لا ترفًا ثقافيًا. إنه حق المجتمع في تعليم يحرر العقل، وإعلام مستقل، وجامعة قادرة على البحث، وأرشيف يحفظ الذاكرة دون تحويلها إلى وقود للكراهية، ومؤسسات عامة تنتج معرفة يمكن مساءلتها. فإعادة الإعمار التي تعيد المباني دون إعادة بناء هذه البنية ستعيد إنتاج دولة أكثر هشاشة، وربما حربًا أكثر قابلية للعودة.
إن المعركة السودانية ليست فقط حول من يملك السلاح، بل من يملك تعريف الواقع. ومن يملك تعريف الواقع يستطيع أن يؤثر في تعريف العدو، وفي حدود الممكن، وفي شكل المستقبل. ولهذا فإن السلام الذي يوقف إطلاق النار ولا يفكك اقتصاد السرديات يظل سلامًا مؤجلًا؛ لأنه يطفئ الأداة ويترك البنية التي أنتجتها قائمة.
إن تحرير السودان من الحرب يقتضي، إذن، تحرير الوعي من اقتصادها. فالسلام المستدام لا يبدأ فقط حين يصمت الرصاص، بل حين يستعيد المجتمع حقه في السؤال والشك والمقارنة والنقد، وحين يستطيع السوداني أن يرى وطنه خارج القوالب التي صنعتها الحرب. فالدولة التي تستعيد مؤسساتها دون أن تستعيد عقلها قد تنجو من الحرب، لكنها تظل قابلة لإعادة إنتاجها. أما حين يستعيد المجتمع قدرته على إنتاج الحقيقة، فإن الوعي يتحول من ضحية للحرب إلى أول أدوات الخروج منها.
الهوامش والمراجع
[1] Chatham House, Why Peacebuilding Fails and What to Do About It, London: Chatham House, 11 June 2025، ولا سيما القسم المتعلق باقتصادات الصراع ودراسة السودان وتجارة الذهب العابرة للحدود. (chathamhouse.orgAttachment.png)
[2] Husayn Muruwwa, Al-Nazaʿāt al-Māddiyya fī al-Falsafa al-ʿArabiyya al-Islāmiyya [النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية], Beirut, 1978؛ وانظر أيضًا Fadi Anselmetti, “Critical Hope: Critique in the Works of Husayn Muruwwa,” Critical Times, Vol. 6, No. 1, 2023، بشأن مفهوم النقد والمادية التاريخية في مشروع مروة. (read.dukeupress.eduAttachment.png)
[3] Jan Pospisil, From Architecture to Ecosystem: Repoliticising Mediation in Sudan’s Fragmented Peace Landscape, Austrian Forum for Peace Working Paper No. 1/2026, April 2026. (PeaceRepAttachment.png)
[4] World Bank, Sudan Economic Update: The Economic and Social Consequences of the Conflict – Charting a Path to Recovery, May 2025. (openknowledge.worldbank.orgAttachment.png)
