الحَامِلُ المُجْتَمَعِيُّ لِلسَلَامِ: رَأسُ المَالِ المَدنِيِّ الذِيْ أفْرَزِتْهُ الَحرْبُ
Community Peace Carrier: The Civil Capital Forged by War
بروفيسور مكي مدني الشبلي
المدير التنفيذي المؤسس – مركز الدراية للدراسات الاستراتيجية
ينظر كثيرون إلى حرب السودان بوصفها كارثة إنسانية وسياسية واقتصادية، وهذا صحيح. لكن الحروب، رغم مآسيها، قد تكشف أيضاً عن طاقات مجتمعية لم تكن ظاهرة من قبل. لقد أفرزت الحرب في السودان ثلاثة أشكال مهمة من رأس المال المدني يمكن أن تصبح أساساً لبناء السلام وابتناء السودان إذا أُحسن توظيفها. أولها لجان المقاومة، التي راكمت خبرة واسعة في التعبئة المجتمعية والعمل الطوعي والتنظيم الشعبي. وثانيها غرف الطوارئ، التي أثبتت قدرة استثنائية على تقديم العون الإنساني، وإدارة المبادرات التطوعية، وبناء الثقة بين المواطنين في أحلك الظروف. وثالثها لجان الأحياء والمبادرات المحلية، التي حافظت على تماسك المجتمعات، وأسهمت في حل النزاعات المحلية، وتنظيم الجهود المشتركة، ورعاية التعايش اليومي بين السكان. هذه الروافد الثلاثة ليست مؤسسات متنافسة، بل مكونات متكاملة لما يمكن تسميته الحَامِلُ المُجْتَمَعِيٌّ لِلسَلَامِ.
فالجنرالات قد يوقعون وقف إطلاق النار، والسياسيون قد يتوصلون إلى اتفاق، لكن المجتمع هو الذي يحول تلك الاتفاقات إلى سلام مستدام. ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لا يعتمد فقط على المفاوضات السياسية أو الترتيبات الأمنية، بل أيضاً على الاستثمار في رأس المال المدني الحاسم الذي ولد من رحم الحرب. إن أعظم إنجاز يمكن أن يخرج به السودان من مأساة الحرب الفاجرة هو أن تتحول شبكات التضامن التي نشأت في زمن الحرب إلى شبكات تبني السلام في زمن الهدنة، ثم إلى مؤسسات مجتمعية تسهم في ابتناء السودان. فما صنعه السودانيون من تضامن تحت القصف، يستطيعون أن يجعلوا منه أساساً لاستدامة السلام.
ومضة فكرية
ليست كل ثمار الحرب خراباً. فقد أنجبت الحرب، رغم فجورها، رأس مالٍ مدنياً ثميناً. وحين تجتمع لجان المقاومة، وغرف الطوارئ، ولجان الأحياء والمبادرات المحلية في الحَامِلِ المُجْتَمَعِيِّ لِلسَلَامِ ، يصبح المجتمع نفسه هو الضامن الأقوى لاستدامة الهدنة، وتحويلها إلى سلام دائم. فأعظم ما يمكن أن يرثه السودان من الحرب ليس السلاح، بل الثقة التي بناها الناس وهم يواجهونها معاً. قد يخلّف الصراع دماراً في الحجر، لكنه قد يبني أيضاً رأس مالٍ مدنياً في البشر. وحين يُحسَن توظيف هذا الرصيد، يصبح المجتمع هو أقوى حارسٍ للسلام وأمتن ساعدٍ لابتناء السودان.
melshibly@hotmail.com
