بقلم مرتضى القسم عوض الكريم
لماذا كثرت الخرافات والشعوذات في سوداننا الحبيب عقودا وعقودا؟
ولماذا صار المخرج السخيف المضحك لتبرير الهزائم المذلة، والنكسات المتتالية، والفشل والاندحار والإخفاق، هو الصراخ بأن “السودان يتعرض دائما لمؤامرات من الخارج”، وأن “الشرق والغرب يتآمرون علينا”؟
هذا الانطباع لم يعد حبيس القصور الرئاسية والأنظمة القومجية البائدة، ولا حكرا على من يرفعون شعارات الصمود والتصدي الفارغة في وجه الصهيونية والإمبريالية.
بل تسرب إلى العظم، فصار دارجا في المقاهي والأسواق، وفي المنابر والإعلام، وخاصة في مواقع التواصل، حيث يردد الغوغاء خرافات بالية أكل الدهر عليها وشرب، بلا عقل يزنها، ولا منطق يمحصها.
لماذا تكثر الخرافات والشعوذة ونظرية المؤامرة في بلادنا؟
اولا: الهروب من مواجهة الذات
الفشل مؤلم، والاعتراف بالمسؤولية اوجع.
فإذا انقطعت الكهرباء، وانهار التعليم، ومات المريض على باب المستشفى، كان الاسهل ان نقول: “مؤامرة خارجية”.
ولان “الشرق والغرب والصهيونية والإمبريالية” تحيك لنا المؤامرات، ولان الفساد مستشر، والإبداع معدوم، صارت الخرافة مسكنا لالم نفسي جماعي. نرمي اللوم الى الخارج، حتى لا نواجه عجزنا في الداخل.
ثانيا: فراغ المؤسسات وغياب التعليم النقدي
عقود من تدمير التعليم وتغييب العقل العلمي جعلت العقل الجمعي يبحث عن تفسيرات جاهزة سهلة.
الشعوذة تمنحك “حلا سحريا” لمشكلة مركبة.
ونظرية المؤامرة تمنحك “عدوا جاهزا” بدل ان تعترف: المشكلة فينا. في الفساد، في المحاصصة، في غياب التخطيط، في بيع الغد من اجل اليوم.
ثالثا: استغلال السياسة للخرافة
الانظمة البائدة والانظمة الشمولية كانت تحتاج الى شماعة تعلق عليها اخفاقاتها.
فكلما سقطت، صاحت: “العالم كله ضدنا”.
ومع تكرار الكذبة تحولت من خطاب سياسي الى ثقافة شعبية.
فصار المواطن العادي في “الفيسبوك” يردد الخزعبلات نفسها دون وعي، كما الببغاء.
رابعا: اليأس يولد الخرافة
حين يفقد الانسان الامل في التغيير بالعمل والعلم، يلجا الى السحر والودع والتنجيم.
وحين يفقد المجتمع الامل في دولته، يلجا الى نظرية المؤامرة ليبرر: لماذا نحن في القاع وهم في القمة؟
النتيجة المرة
صرنا امة فاشلة ودولة متخلفة تبرر هزائمها بـ “الجن الازرق” بدل ان تحاسب المقصر.
صرنا نصدق ان “يدا خفية” هي سبب قطوعات الكهرباء، وننسى ان السبب الحقي هو الاهمال، والفساد، وبيع الاصول، وغياب الصيانة، وقلة الاخلاق.
فما الحل؟
- التعليم ان نعود للتفكير بالمنطق لا بالعاطفة، وبالبرهان لا بالشائعة. نريد تعليما تقنيا قويا يبني هذا البلد المفجوع بظلم بنيه.
- الشفافية والحوكمة ان تنشر كل العقود وكل الميزانيات. فلا مكان لخرافة “المؤامرة السرية” في دولة زجاجية. واتباع نظام محاسبي موحد مركزي رقمي لضبط نفقات الدولة، وبهذا ينصلح حال السودان.
- المحاسبة
من فشل يقال، ومن اجرم يحاكم. لا حصانة باسم “الوطنية”. ولا حصانة لفاسد مهما علا شانه وكبر مقامه. - تجديد الخطاب الديني
فالدين بريء من الدجل والشعوذة. الدين عمل وعدل واتقان، لا بخور وتمائم ولا كذب ولا كبر حناجر. انما هو دين “قل اعملوا” ودين اخلاق لا نفاق. - محاربة الخرافة وبناء العقل النقدي
لا نهضة بلا عقل يسال ويشك ويحلل. يجب ادخال “مادة التفكير النقدي” في المدارس والجامعات. وتجريم الترويج للشعوذة والدجل في الاعلام. وتمويل مراكز بحث علمي تفك الخرافة بالحجة والدليل. فالشعوب التي صدقت الخرافة نامت، والشعوب التي ايقظت العقل قامت.
{إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}
لا مؤامرة تغلب شعبا واعيا منتجا.
المشكلة ليست في الخارج، المشكلة اننا رفضنا طويلا ان نعترف: نحن الداء، ونحن الدواء
