بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
أنا سوداني مقيم وأعمل في انجلترا وأزور السودان كل سنة. كنت اثناء زياراتي أرى كل يوم مروراً نهر النيل الذي أحبه، أتحسر لأنني لا أستطيع الجلوس تحت ظل مريح من شجرة وريفة على ضفته. هذه ليست مبالغة، بل هي مفارقة الخرطوم الصادمة. مدينة بين نهرين كبيرين تعاني من العطش الأخضر. بينما لندن التي بنيت على نهر صغير “حوّلت حيز كبير من مساحتها إلى حدائق”، تلهث عاصمتنا تحت غابات الخرسانة وتعاني من الحرارة وازدحام الشوارع الضيقة . فمتى يصبح النيل الذي يشق قلبها، بكل أريحية ورحابة ، مكاناً ينعش . الحياة والبهجة في قلب كل مواطن وكل زائر وليس مجرد منظر نمرّ به ونتخطاه؟ الأشجار الموجودة على شارع النيل وغيره من الأماكن هي ما تبقى من تركة الإنجليز
في النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي وفي الخرطوم بحري ، الميادين المهولة ومتعددة التي خططت لها الدولة عند ظهور تحويل مشروع كافوري لأراضي سكنية كانت خطة مرسومة على الورق جدا مغرية وراقية. دفعتنا معشر التكنوقراط المغتربين للتسابق وشراء القطع بالدولار إضافة إلي تكلفة ما سمي بالخدمات. لكن بمرور الزمن ومع الفساد الذي تفشى أخيرا في الدولة كحصاد الهشيم ، للأسف إختفت منها ميادين كثيرة . والأدهى وأمر أن الذين بنوا بيوتهم على أرض تلك الميادين لم يخافوا الله فاستولوا حتى على مساحات من الشوارع التي كانت توصل إلى تلك الميادين، بل قفلوها بغرس الأشجار. كان الغرض الحضاري حسب التخطيط إبقاء تلك الميادين لتتحول إلي مساحات خضراء ومنتزهات وملاعب ورياض للأطفال. كل ذلك لم يحدث لإنعدام الرقيب المحاسب
من تجربتي الشخصية في الحياة هنا في إنجلترا وفي السويد عقوداً من الزمن لابد في البدء من تسليط الضوء على أهمية الميادين والساحات العامة والخضراء في المدن والأحياء السكنية
الفوائد الرئيسية:
الصحة النفسية والبدنية:
توفر مساحات خضراء للترفيه، ممارسة الرياضة، والتواصل الاجتماعي مما يحسن مستوى الصحة العامة للصغار والكبار
وقديماً قالوا: “الماء والخضراء والوجه الحسن ….. ثلاثة يذهبن عن المرء الحزن”!
الاستدامة البيئية:
تنقية الهواء، تقليل حرارة المدن، ودعم التنوع البيولوجي
التلاحم الاجتماعي:
تشجيع التفاعل بين مختلف فئات المجتمع وتقوية الروابط الاجتماعية
السلامة العامة:
تقليل الجريمة من خلال زيادة العيون المراقبة (نظرية النوافذ المحطمة)
القيمة الاقتصادية: رفع قيمة العقارات المحيطة وجذب الاستثمارات السياحية والتجارية
المرونة الحضرية:
استخدامها كمناطق “تجمع إنقاذي” في حالات الطوارئ والكوارث
من المسؤول، الدولة أم المجتمع؟ . المسؤولية مشتركة وتكاملية
دور الدولة (الحكومة المحلية والمركزية) ، لأنها هي التي تثقل كاهل المواطن بالضرائب:
التخطيط الحضري وتخصيص المساحات
التمويل والتنفيذ والصيانة الأساسية
وضع المعايير واللوائح التنظيمية
ضمان العدالة في توزيعها بين الأحياء المختلفة
دور المجتمع (الأفراد والمؤسسات المدنية):
المشاركة في التصميم والرعاية المجتمعية
الاستخدام المسؤول والحفاظ على المرافق
المبادرات التطوعية للصيانة والتحسين
المراقبة المجتمعية والاقتراحات التطويرية
النموذج الأمثل:
الأكثر نجاحاً هو نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، حيث تتحمل الدولة المسؤولية الأساسية في التخطيط والتأسيس، بينما يشارك المجتمع في الإدارة والصيانة والاستخدام الأمثل، مع إمكانية مشاركة القطاع الخاص في التمويل والإدارة بضوابط تضمن استمرارية الوصول العام لهذه المساحات
هذه المساحات الخضراء وغيرها تعتبر من الخدمات الأساسية التي تساهم في جودة الحياة وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لذا هي مسؤولية وطنية بمشاركة مجتمعية
إنجلترا بلد صغير مقارنة ببلاد الغرب وأفريقيا لكنها قدّرت قيمة الطبيعة وجعلتها في صميم التخطيط الحضري. جعلت ستين في المائة من أراضيها مساحات خضراء. والغرض لكي يتنفس فيها الإنسان وحتى حيواناتهم .لذلك أهمية المساحات الخضراء تنعكس في الأثر النفسي بانتعاش الفرح والسرور والراحة النفسية وكذلك لممارسة بعض أنواع الرياضة مثال المشي والركض. كذلك تفيد الكبار وهم في مرحلة تحتاج إلي أماكن يجدون فيها الراحة والهدوء والاسترخاء وتنفس هواءً نقيا.المساحات الخضراء تشجع تكاثر الطيور وحتى الحشرات الجميلة مثل الفراشات والنحل وغيرها، المساحات الخضراء قد تتخللها البحيرات الصناعية التي بدورها يتربي فيها السمك والطيور البرمائية.
ذكر إنجلترا كمثال يلفت النظر إلى شيئين مهمين:
الأول “الكيف وليس الكم”:
الأمر لا يتعلق بحجم الدولة، بل بإرادة التخطيط ووضع البيئة والصحة العامة كأولوية قصوى. إنجلترا اختارت تخصيص مساحة كبيرة من أرضها للخضرة، وهذا قرار استراتيجي.
الثاني “النظرة المتكاملة للبيئة”:
لم تكن المساحات الخضراء مجرد “ديكور”، بل هي نظام بيئي متكامل كما أسلفت “مكان يتنفس فيه الإنسان، وتعيش فيه الحيوانات (من طيور ونحل وفراشات)، وتتوازن فيه المياه (بحيرات صناعية) مع النبات والحيوان (أسماك، طيور برمائية)”. هذه نظرة للتنمية الحضرية مستدامة ومرتكزة على الطبيعة.
المساحات الخضراء ليست ترفاً، بل ضرورة صحية ونفسية وبيئية. إنجلترا، كدولة صناعية متقدمة، أدركت ذلك مبكراً وعملت عليه. والسؤال المهم الآن: كيف يمكن للدول والمجتمعات الأخرى، “أعني هنا السودان” بغض النظر عن حجمها أو ثرواتها، أن تتعلم من هذا النموذج وتُدمج الطبيعة وفوائدها في نسيج مدنها لصحة وسعادة سكانها؟
“يتبع …….”
Alarabi AA © Sudanile February 2026
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم