الدستور؟!(5)

 


 

د. عمر القراي
24 نوفمبر, 2011

 

وضع المرأة في الشريعة يتناقض مع الدستور:

ومن الأدلة الواضحة على ان الشريعة الإسلامية لا تحوي الدستور، أنها لا تساوي بين الرجل والمرأة كمواطنين في الدولة. فقوانين الشريعة، لأنها قامت على الوصاية، كما فصلنا في الحلقات الماضية، جعلت عموم الرجال اوصياء على عموم النساء.. قال تعالى في ذلك (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا). ولقد جاء في شرح هذه الآية الكريمة: ("الرجال قوامون على النساء" أي الرجل قيم على المرأة أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها اذا اعوجت.. "بما فضل الله بعضهم على بعض"، أي لأن الرجال افضل من النساء، والرجل خير من المرأة، ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الأعظم لقوله صلى الله عليه وسلم: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة (رواه البخاري) وكذا منصب القضاء.. "وبما انفقوا من اموالهم"، أي المهور والنفقات والكلف التي اوجبها الله عليهم في كتابه وسنة نبيه.. فالرجل أفضل من المرأة في نفسه وله الفضل عليها والافضال فناسب ان يكون قيماً عليها.. قال الحسن البصري: جاءت امرأة الى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو ان زوجها لطمها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: القصاص. فانزل الله عز وجل "الرجال قوامون على النساء" الآية، فرجعت المرأة بغير قصاص.. "واللاتي تخافون نشوزهن" أي و النساء اللاتي تتخوفون ان ينشزن عن أزواجهن، والنشوز هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها التاركه لأمره المعرضة عن المنفعة له، فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظها وليخوفها عقاب الله في عصيانه، فان الله أوجب حق الزوج عليها وطاعته وحرم عليها معصيته، لما له عليها من الفضل والافضال.. قوله "واهجروهن في المضاجع" قال علي بن طلحة عن ابن عباس الهجر هو الا يجامعها ويضاجعها على فراشها ويولها ظهره، وزاد آخرون منهم السدّي والضحاك وعكرمة: ولا يكلمها ولا يحادثها.. "واضربوهن" اذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران فلكم ان تضربوهن ضرباً غير مبرح" (تفسير ابن كثير: الجزء الأول ص 491). وذهب بعض المفسرين ومنهم الطبري، الى ان المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها لها، ولا تهتم باعراضه عنها، ولذلك رأوا ان كلمة "واهجروهن" لم تشتق من الهجران وهو الأعراض، وانما من الهجار وهو القيد الذي يشد به البعير حتى لا يهرب!! "واهجروهن" اذاً تعني قيدوهن في المضجع حتي يظهرن الخضوع والطاعة!! (راجع تفسير الطبري الجزء الثامن ص 298). ولقد فهم الفقهاء الأوائل ان طاعة المرأة لزوجها من جنس طاعة الخدم والعبيد، فقد سئل ابن تيمية الذي كان يلقب بشيخ الاسلام: هل يجب على المرأة ان تخدم زوجها أم لا؟ فقال: "وقيل وهو الصواب وجوب الخدمة، فان الزوج سيدها في كتاب الله، وهي عانية عنده بسنة رسول الله، وعلى العاني والعبد الخدمة"!! (ابن تيمية: فتاوي النساء ص 265).
ولقد انبنى على القوامة، وفهمها بهذه الصورة، ان تكون حقوق المرأة منقوصة بإزاء حقوق الرجل في المجتمع.. فهي ربعه في الزواج، ونصفه في الشهادة، وفي الميراث. ثم هي كمواطنة لا يحق لها أن تترشح لرئاسة الدولة، أو القضاء، أو ما يجعلها تلي أمور الرجال.. فقد جاء في الحديث (ما افلح قوم ولوا أمرهم إمرأة)، وجاء أيضاً (النساء ناقصات عقل ودين)!! ومع ان هذا الوضع، وهذه النصوص حكيمة في وقتها، كما أوضحت في المقالات السابقة، إلا أنّ مفكري الجماعات الاسلامية، لا يدركون ان هذه النصوص الفرعية مرحلية، ولهذا اتعبهم هذا الحديث واضطرهم الى صور من التدليس، لا تبقي لأحد ديناً ولا خلقاً، حتى بلغ بهم الحد ان يحاولوا اقناع النساء، بان الحديث لا يعتبر ذماً وانما هو في مقام المدح!! فقد كتب د. محمد عمارة الكاتب الاسلامي المصري  المعروف (ونحن هنا نود ان نتساءل هل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نقصان العقل والدين يعني "الذم" ام انه يعني تقرير واقع غير مذموم، بل قد يكون هو الواقع "المحمود"، ان النقص المذموم في أي أمر من الأمور هو الذي يزول بتغييره، فهل يجوز للمرأة ان تجبر النقص في شهادتها عن شهادة الرجل فتزيل الذم عنها؟ بالطبع لا، فهي مثابة ومحمودة على هدا النقص لأنها به تمتثل شرع الله فهو ليس بالنقص المذموم، انما هو "المحمود") ( محمد عمارة: هل الاسلام هو الحق؟ ص152).
فهل كان د. محمد عمارة سيجد فرصة لهذا الالتواء، لو أورد الحديث كاملاً؟ فقد جاء "عن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: يا معشر النساء تصدقن وأكثرن الاستغفار فاني رايتكن أكثر أهل النار. فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله أكثر أهل النار؟ فقال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن. قالت: يا رسول الله ما نقصان العقل والدين؟ قال: أما نقصان عقلها فشهادة إمراتين تعدل شهادة رجل، فهذا نقصان العقل. وتمكث الليالي لا تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين"!! (ابن كثير الجزء الاول ص 335). هذا هو الحديث فهل يمكن ان يكون د. محمد عمارة قد فهم منه ان دخول النساء النار، وكفرهن العشير، ونقص عقلهن، ودينهن، ليس ذماً لأنهن لا يستطعن ان يغيرنه؟! واذا كان هذا الوضع لا يتغير، فما الداعي لموعظة النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟! إن عدم المساواة بين الرجال والنساء في الشريعة، يجعلها غير دستورية، لأن هذا التمييز يترتب عليه إنتقاص حقوق النساء كمواطنات في الدولة.. فأنت لا يمكن ان تتحدث عن دستور يحرم نصف المجتمع من الحقوق السياسية، والقانونية، والإجتماعية المتساوية.
أكثر من ذلك!! نجد أن تطبيق القوانين الإسلامية، غالباً، ما يتفرع منه قوانين أخرى، معتمدة على بعض آراء الفقهاء، تكون اكثر تعنتاً، وسلباً لحقوق المرأة.. ولقد رزئنا في السودان بهذه النوعية الغريبة من القوانين، ومن ذلك مثلاً، القانون الجنائي لسنة 1991م المادة 154 (1) (يعد مرتكباً جريمة الدعارة، من يوجد في محل للدعارة بحيث يحتمل أن يقوم بممارسة أفعال جنسية أو يكتسب من ممارستها، يعاقب بالجلد بما لا يجاوز مائة جلدة أو بالسجن مدة لا تجاوز 3 سنوات). (2) (يقصد بمحل الدعارة، أي مكان معد لإجتماع رجال أو نساء أو رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربى وفي ظروف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية). هذه المادة العجيبة، تعتبر كل من يوجد في محل للدعارة، وقت مداهمة الشرطة، قد مارس الزنا، وتعاقبه بمائة جلدة، وهي عقوبة الزنا، الذي لا يثبت في الشريعة، إلا بأربعة شهود عدول يرون الفعل "كالمرود في المكحلة" كما قال الفقهاء. وتبني المادة  تبريرها على نصها (يحتمل أن يقوم بممارسة أفعال جنسية) فهل يعاقب شخص على ما يحتمل أن يرتكبه قبل أن يرتكبه؟! أين هذا من الإسلام الذي يقول رسوله (إن الله قد غفر لأمتي ما حدثوا به نفوسهم ما لم يقولوا أو يفعلوا)(رواه البخاري). وإذا كان الإنسان يعاقب على جرم قبل ان يرتكبه، فمن الذي ينجى من طائلة القانون؟!  ثم هل رأيت كيف عرّفت هذه المادة محل الدعارة (أي مكان معد لإجتماع رجال أو نساء أو رجال ونساء لا تقوم بينهم علاقات زوجية أو صلات قربى )!! إن اي قاعة إجتماع، في دار أي من الاحزاب، يمكن ان ينطبق عليها هذا الوصف!! وحين لاحظ واضعوا القانون، أن وصفهم يمكن ان ينطبق على اي مكان، أضافوا ( في ظروف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية)!! دون أن يبينوا لنا ما هي هذه الظروف؟! وكيف يرجح فيها حدوث ممارسات جنسية؟! ومن الذي يقوم بهذا الترجيح؟! أهو شرطة النظام العام التي داهمت المكان؟! وهل هي جهة محايدة، أم أنها تسعى لتبرير هجومها، بأي وسيلة حتى لا تساءل على خطئها.. وهل هذا الترجيح يكفي لإعتبار أن المكان محل دعارة، وأن من يوجد فيه يعاقب بحد الزنا لمجرد تواجده هناك؟! ماذا لو كان الشخص عامل جاء للمنزل لاصلاح عطل ما؟! ألا تفتح هذه المادة باباً واسعاً من أخذ الناس بالشبهات، وتخويفهم من الإجتماع، خاصة إذا كانوا من الجنسين؟! ثم ألا تخالف هذه المادة الإتجاه العام للإسلام؟! فقد جاء (وروي أن عمر رضي الله عنه كان يعس  بالمدينة ذات ليلة، فرأى رجلاً وإمرأة على فاحشة. فلما أصبح قال للناس: أرأيتم لو أن إماماً رأى رجلاً وامرأة على فاحشة، فأقام عليهما الحد ما كنتم فاعلين؟  قالوا: إنما أنت إمام، فقال علي رضي الله عنه: ليس ذلك لك، إذن يقام عليك الحد إن الله لم يأمن على هذا الأمر، أقل من أربعة شهود، ثم تركهم ما شاء الله أن يتركهم ثم سألهم، فقال القوم مقالتهم الأولى، فقال علي رضي الله عنه مثل مقالته الاولى. وهذا يشير الى ان عمر رضي الله عنه كان متردداً في أن الوالي هل له ان يقضي بعلمه في حدود الله؟ فلذلك راجعهم في معرض التقدير لا في معرض الإخبار خيفة ألا يكون له ذلك فيكون قاذفاً بإخباره، ومال الى رأي علي في انه ليس له ذلك. وهذا من أعظم الأدلة على طلب الشرع لستر الفواحش فإن أفحشها الزنا، وقد نيط بأربعة من العدول – يشاهدون ذلك منه في ذلك منها كالمرود في المكحلة- وهذا قط لا يتفق. إن ما علمه القاضي تحقيقاً لم يكن له ان يكشف عنه.) (الإمام الغزالي: إحياء علوم الدين – المجلد الثاني ص 182 طبعة دار الفكر العربي بيروت). وفي الحديث (من أذنب ذنباً في الدنيا فستره الله عليه وعفا عنه، فالله أكرم من أن يرجع في شئ قد عفا عنه، ومن أذنب في الدنيا فعوقب عليه، فالله أعدل من أن يثني العقوبة على عبده) (أخرجه الحاكم والترمزي من حديث علي) وفي الحديث أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية (إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت تفسدهم)( أخرجه ابو داؤد). إن أخذ الناس بالشبهات، الذي تتورط فيه قوانين الدولة، باسم الشريعة، مفارق لروح الدين ولدقة الشريعة في تحري الحقوق.
ومن ابلغ النماذج على التأثر بالشعارات الإسلامية، في المزيد من الظلم، قانون النظام العام لسنة 1996م، الذي قهر النساء، وطاردهن في لبسهن، وجلد الآلاف منهن.. فقد جاء فيه: المادة 7: "يجب على كل شخص حدد له تصديق حفل غنائي مراعاة الضوابط التالية:- (ب) عدم السماح بالرقص المختلط بين النساء والرجال أو السماح برقص النساء أمام الرجال. هذه المادة تمنع تماماً رقص النساء في الحفلات التي يحضرها الرجال، حتى ولو رقصن مع بعضهن، لأن رقصهن ممنوع في حضرة الرجال!! ولما كانت جميع المجتمعات السودانية اقيم حفلاتها مختلطة، فإن هدف المادة منع النساء، من الرقص في الحفلات والمناسبات الأسرية العامة. مما يخالف أعراف الشعب السوداني في كافة أقاليمه، حيث ان المرأة ترقص أمام الرجال في كافة أنحاء البلاد، دون ان يثير ذلك ما من شأنه الطعن في العفة، أو خدش الحياء، مما يدل على ان العقلية التي وضعت القانون لا تنبع من ثقافة الشعب، ولا تتحلى بقيمه التي نبتت من تربة التصوف، لا من زواجر التطرف.. ويأتي عدم الإتساق الداخلي من كون المادة لا تمنع رقص الرجال أمام النساء، وكأن رقص الرجال أمام النساء، في نظر المشرع، لا يسوق للغواية، التي يمكن أن يؤدي لها رقص النساء أمام الرجال!! فالمرأة هي مصدر الغواية، حينما ترقص أمام الرجال، وأن الرجال لا يعصمهم عاصم من الوقوع في الغواية، ولذلك يهدف المشرع لحمايتهم بمنع النساء من الرقص في حضرتهم!! ولقد وردت العقوبة على كل مفارقة لمواد قانون النظام العام فيما حددته المادة 26 من العقوبة بالسجن مدة لا تزيد عن 5 سنوات، والغرامة، أوالعقوبتين معاً، والجلد، ومصادرة الأدوات، وسحب الترخيص. وهكذا بهذا القانون الجائر جلد النساء بحجة الرقص امام الرجال!!
جاء في المادة 9 (ب) من نفس القانون ( يمنع منعاً باتاً تواجد الرجال أو جلوسهم في المكان المخصص للنساء وكذلك يمنع تواجد النساء في المكان المخصص للرجال) وهذه المادة تتحدث عن المركبات العامة كالبصات.. فهل تريد ان تحقق عزل النساء عن الرجال، في مجتمع مختلط، في كافة مناحي الحياة؟! فالنساء يختلطن بالرجال في الاسواق، والقطارات، والطائرات، ودور العلم، والاماكن العامة كالحدائق، والمطاعم، ومكاتب الدولة، فكيف يعاقب الرجل إذا جلس قرب المرأة في البص، ولا يعاقب إذا جلس قربها في القطار، أو الطائرة، أو السوق أو الجامعة؟! إن المشرع يتذرع في هذه المادة بحماية النساء من التحرش الجنسي الذي يحدث في المواصلات العامة، وكأن التحرش أمر طبيعي ينتج بالضرورة من الإختلاط، ولا يمكن علاجه إلا بإبعاد المرأة وفصلها عن الرجال.. مع ان التحرش الجنسي جريمة يجب ان يعاقب عليها القانون، وهي يمكن ان تحدث في الشارع، وفي السوق، وفي اماكن الدراسة والعمل، فهل نبعد المرأة من كل هذه الميادين، خوف التحرش الجنسي، أم نصر على وجودها، ومعاقبة المتحرشين بها؟!
إن هذه القوانين الجائرة، بعيدة عن روح الدين، وبعيدة عن حكمة الشريعة، ولكن أهم من ذلك فيما نحن بصدده من أمر الدستور، انها غير دستورية، لأنها لا توفر الحق المتساوي في الحرية بين المواطنين.
إذا وضح مما ذكرنا ان الشريعة ليس فيها دستور، فالسؤال هو أين يوجد الدستور؟ وما هي مرجعيته الحقيقية؟


omergarrai@gmail.com

 

آراء