الدولة… المحنة والضرورة

 


 

 

لا تزال الدولة بصورتها التقليدية تزداد تماسكاً كمؤسسة وحيدة قادرة على احتكار ممارسة العنف بشرعية وجودها، أو بقوة القانون حسب تعريفها التحليلي المتواضع. فما تشهده فرنسا من مظاهرات ضد قانون رفع سن التقاعد، وعزمها على تمرير القانون من دون تصويت، واستجابة حكومة الاحتلال الصهيوني في إسرائيل بالتراجع عن قانون الإصلاحات القضائية، وغيرها من دول تشهد توترات بين مؤسسات الدولة، وعلاقاتها مع مواطنيها أو رعاياها، أو دافعي الضرائب، تؤكد هذه المؤشرات على بقاء نموذج الدولة التقليدية، بعد عقود من الجدل حول نهاية الدولة، وتراجع دورها في ظل تمدد القطاع الخاص، خاصة في الدولة الديمقراطية ذات التوجه الليبرالي.
ففي أعقاب الأزمة المالية عام 2008 وتدخل الدولة لإنقاذ القطاعات المنهارة ماليا، كتب الناقد المنظر البريطاني تيري إيغلتون كتاباً بعنوان لافت «لماذا كان ماركس محقا؟» ناقش فيه تصورات الماركسية الطوباوية وأن المهم أن يكون رأي ماركس نفسه الذي كان معارضا لسلطة الدولة التعسفية، التي برزت لاحقاً في الاتحاد السوفييتي السابق وأوروبا الشرقية، أي الدولة الأيديولوجيا، كما نظّر لها لينين في إطروحته «الدولة والثورة». وأن يكون قد نظر إليه كنقد ماركسي Marxist Critique محض متهكماً على التجربة الرأسمالية، وهي تشهد أزمات مالية وأخلاقية في قمة مؤسساتها الاقتصادية.
شهد انهيار البنوك في الولايات المتحدة، كبنك وادي السليكون في الولايات المتحدة وتدخل الدولة لتأمين مدخرات المودعين، بضخ مليارات الدولارات في خزانة البنوك المتعثرة، ولم تكن المرة الأولى، التي تتدخل فيها الدولة الرأسمالية، وليست الاشتراكية في صلب عملية التداول المالي، فقد سبق للحكومة الفيدرالية التدخل في أزمة الرهن العقاري مع تداعيات الأزمة المالية عام 2008. فوجود الدولة كراع أو الأخ الأكبر، كما في رواية جورج أورويل (1984) يبرهن على أهميتها، وبالتالي دورها. فإذا غابت أو انتقص دورها عادت بالوصف الفلسفي السياسي الطبيعي، أو الهمجية البربرية، فأصبحت كياناً جاثماً على البشر بقوانينها الرادعة وضرورة في تأمين حياة الفرد والدفاع عنه.
كرست الدولة منذ اختراعها جهودها على المحافظة على مؤسساتها التقليدية، بل وازداد تشددها في الرقابة والتحكم، من السلاح النووي إلى البيانات الشخصية على تطبيقيات التواصل الاجتماعي. وظلت ذريعة حماية المصالح القومية أو العليا والأمن القومي، من بين أكثر الذرائع استخداماً في تجاوز القانون، أو التدخل في حرية الأفراد، لا فرق بين النظم السياسية التي تحكم البلد، ديمقراطية (الغرب) أو نظم ديكتاتورية سلطوية (الدول العربية) أو شمولية الصين المركزية.
وتشمل معظم دساتير الدولة على حالة الطوارئ أو فرض الأحكام العرفية كسلطة تقديرية بيد رأس الدولة مثل، المادة 16 من الدستور الفرنسي، التي تخول الرئيس استخدام السلطة الاستثنائية. وما بشرت به العولمة من تجاوز للحدود والتجارة الدولية والشركات العابرة للقارات والتواصل الجغرافي المتزامن، ما أطلق على مبشري العولمة بالعالم المسطح، في وصف الصحافي الأمريكي توماس فريدمان، بلا عوائق وغيرها من عوامل ستجعل من وجود الدولة وجوداً هامشياً وبداية لعصر بدا فيه الإنسان راشداً ومنضبطاً سلوكياً، وفق منظومة قيم ليبرالية على الأرجح، بعد زوال الحلم الماركسي بزوال طبقة الدولة، ولكن بدت هذه البشريات نماذج مثالية عصية على التحقق. فكلما ازدادت وطأة الأزمات كشرت الدولة عن أنيابها في مواجهة لما قد يتهددها ويتحدى نظمها القائمة، وربما ازدادت الدولة عمقاً لما بات يعرف بالدولة العميقة تعبير عن الهيمنة الغامضة. وإذا كانت الديمقراطية في قول ونستون تشرشل: إن الديمقراطية هي أسوأ أشكال الحكم؛ باستثناء كل الأشكال الأخرى، التي تمت تجربتها، فهل تظل الدولة من بين أفضل أسوأ المؤسسات السياسية، ولا بديل لها؟ وهي في نهاية الأمر ليست سوى مؤسسة تمارس السلطة النافذة بأشكالها البيروقراطية كافة، حسب تعبير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، تختلف تجلياتها وتعريفاتها وآلياتها القهرية وتعبر عن هوية الإنسان والوصايا عليه. ويختلف التفسير في الخروج أو مواجهة هذا الوحش من خروج على الحاكم في سياق الفقه الإسلامي السلفي، أو تمرد وتحد لسلطة القانون وتهديداً للأمن العام يستوجب المواجهة المضادة باستخدام الذراع الأمنية، أهم أدوات الدولة في التصدي والردع. ومن هنا كانت تستمد الدولة أو النظام شرعية القمع. ولعل الفرق بين نظام الدولة ووسيلة الحكم التي لم تتغير لعقود بين وسائل ديمقراطية وسيلتها الانتخابات أو تزوير لإرادة الناخبين في انتخابات محسومة النتائج لصالح الزعيم في بلدان تدعي ممارسة الديمقراطية.
إن الإداء الاقتصادي من بين أعقد الأزمات التي تواجه الدول في ظل التراجع الاقتصادي وركود اقتصاديات كبرى الدول والتصدي للأزمات المالية والبيئية. فقد وضعت هذه الأزمات مؤسسة الدولة في تناقضات صارخة اتضحت في وقت الأزمات بين الاستمرار وفرض قوانين تخضع بها أفرادها ومؤسسات السوق إلى مسار يحافظ على وجود الدولة نفسها، حسب تفسيرها لهذه المصالح. وما زالت الدولة مؤسسة تقود الحروب وتعقد اتفاقيات السلام، من دون تفويض في أغلب الأحايين إلا من تفويض عقد التنازل الضمني بين الفرد والدولة. وإن ما يرد في الكتابات الغربية بشأن أفول الدولة وانهيار الديمقراطية، على أسس من التحليل الاقتصادي والتاريخي إلا أنه في ما يبدو لم يزل الوقت مبكراً للتنبؤ بزوال أكثر المؤسسات الإنسانية السياسية رسوخا.
نشر بصحيفة _القدس العربي اللندنية# 01/04/2023م
كاتب سوداني

anassira@msn.com

 

آراء