نزار عثمان السمندل
الثورات لا تخسر دائماً عندما يسقط شهداؤها في الشوارع والميدين.
تبدأ خسارتها أحياناً من داخل صفوفها، عندما يتعب بعض الذين حملوا اسمها، أو يكتشفون أن مصالحهم صارت في الضفة الأخرى، أو يعيدون تفسير الماضي بحيث يصبح انتقالهم هم من الثورة إلى خصومها أمراً مشروعاً.
كانوا هناك. في الأيام التي كانت فيها ديسمبر أكبر من حزب، وأوسع من تنظيم، وأعلى من كل حساب سياسي. كانوا يتحدثون بلغتها، ويعيشون على إيقاعها، ويقدمون أنفسهم باعتبارهم جزءاً من الحلم الذي خرج السودانيون من أجله.
بعضهم استعاد بالثورة موقعاً حُرم منه، وبعضهم وجد فيها اسماً لم يكن ليصبح معروفاً بدونه، وبعضهم اقترب من السلطة الجديدة باعتباره أحد أبناء اللحظة التي أسقطت النظام القديم.
ثم تغيرت الأشياء.
لم يتغير الجميع بالطريقة نفسها، ولا للأسباب نفسها. فالاختلاف مع الثورة ليس جريمة، ومراجعة مواقفها ليست خيانة، والخروج من تحالفاتها حق لكل سياسي. الثورات نفسها ليست نصوصاً مقدسة، وأبناؤها بشر يخطئون ويصيبون، ويمكن للإنسان أن يكتشف بعد سنوات أن موقفاً حمله ذات يوم لم يعد مقنعاً له.
لكن ثمة فرقاً بين مراجعة الفكرة وإعادة كتابة الذاكرة.
المسألة تأخذ معنى آخر عندما يعبر الرجل من خلافه مع الثورة إلى الوقوف في الجهة التي قامت الثورة أصلاً لإسقاطها، ثم يبدأ في إعادة تفسير ماضيه نفسه.
عند هذه النقطة يدخل السؤال إلى منطقة الذاكرة، وإلى الإنسان نفسه، وإلى المسافة التي يمكن أن يصنعها بين الرجل الذي كانه والرجل الذي صار إليه.
الحارث إدريس يقدم إحدى صور هذه المفارقة. وقف في مجلس الأمن، في 24 أغسطس 2026، مدافعاً عن رواية حكومة بورتسودان بشأن انقلاب 25 أكتوبر 2021، ومتحدثاً عن استقالة مدنية وفراغ ملأه الجيش، بينما كانت وقائع اعتقال حمدوك وحل حكومته ثم عودته إلى منصبه في نوفمبر واستقالته في يناير 2022 محفوظة في سجلات المؤسسة التي كان يخاطبها.
من كان هذا الرجل قبل أن يصبح صوتاً للسلطة التي جاءت الثورة أصلاً لتطوي صفحتها؟
الحارث نموذج للرجل الذي صعد مع الثورة إلى موقع الدولة، ثم انتهى إلى تمثيل السلطة التي انقلبت عليها.
وفي مسار آخر يقف أمجد فريد. ارتبط اسمه بمكتب عبدالله حمدوك وبمرحلة الانتقال المدني، ثم ظهر مستشاراً لرئيس مجلس السيادة، ودخل في مواجهات سياسية حادة مع قوى مدنية وثورية ترفع شعار استعادة الانتقال الديمقراطي.
وأمجد يمكن أن يمثل مساراً آخر، رجل الثورة الذي تحول، عبر الخصومة مع قوى مدنية وثورية، إلى موقع سياسي يضعه عملياً في المعسكر المناهض لبعض قوى الثورة.
يختلف المساران في التفاصيل والدوافع والمواقع، لكنهما يلتقيان عند مفارقة واحدة، إذ يمكن لأبناء اللحظة الثورية أن ينتهوا، بعد سنوات قليلة، إلى مواقع تجعلهم جزءاً من الصراع على روايتها، وربما من الدفاع عن الجهة التي غلبتها.
لم يكتف بعضهم بالابتعاد عن الثورة، وإنما انتهى بهم الطريق إلى الوقوف في الجهة التي قامت الثورة أصلاً لإسقاطها.
الثورة تمنح أبناءها حق المراجعة والاختلاف وتغيير المواقع. وتترك في الوقت نفسه مسؤولية الذاكرة، مسؤولية الرجل تجاه ما قاله وما فعله وما شهده في الموقع الذي انطلق منه.
ماذا يفعل الإنسان بذاكرته عندما يصبح موقعه الجديد متعارضاً مع ما كان يقوله في موقعه القديم؟
هل يعيد قراءة الماضي، أم يعيد اختراع الماضي؟
وربما كان هذا هو السؤال الذي تركته ديسمبر لأبنائها، بعدما سقط النظام وتبدلت المواقع وتفرقت الطرق. ماذا تفعل الثورة بأبنائها، وهل ينتهي الانتماء إليها بسقوط النظام الذي ثاروا عليه؟
الثورة التي خرجت لتغيير السلطة وجدت نفسها، بعد سنوات الحرب والانقسام، أمام معركة أخرى تتعلق بمن يملك حق رواية ما حدث.
الذين كانوا في صفوفها يستطيعون اليوم أن يختلفوا معها، وأن ينتقدوا أخطاءها، وأن يحملوا خصومها مسؤولية ما آل إليه السودان. تلك المراجعة حقهم، وربما كانت ضرورية. لكن الذاكرة تضع حداً آخر؛ فإعادة كتابة اللحظة بحيث تبدو الجهة التي أطاحت بها الثورة وكأنها لم تفعل، تذهب بالتجربة إلى مكان مختلف.
القتلى لا يستطيعون مراجعة مواقفهم. الذين خرجوا إلى الشوارع في ديسمبر لا يستطيعون تعديل هتافاتهم. والذين سقطوا بعد 25 أكتوبر لا يملكون فرصة لتصحيح شهاداتهم.
وحدهم الأحياء يستطيعون تغيير الرواية.
وأحياناً تبدأ خسارة الثورة من المكان الذي تتغير فيه ذاكرة بعض الذين حملوا اسمها؛ فتتبدل مواقعهم، ثم تتبدل اللغة، ثم يعاد ترتيب الماضي بما يلائم الحاضر.
عندها يصبح ما حدث في ديسمبر أكثر من ذكرى سياسية. يصبح امتحاناً للإنسان نفسه، ولقدرته على أن يحتفظ بذاكرته كاملة، حتى بعد أن تتغير حياته ومصالحه وموقعه.
