باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 31 أكتوبر 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
د. عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختار عرض كل المقالات

الرأي العام السوداني تجاه الجيش السوداني قبل حرب 15 أبريل 2023 وخلال مراحلها

اخر تحديث: 31 أكتوبر, 2026 7:06 مساءً
شارك

الرأي العام السوداني تجاه الجيش السوداني قبل حرب 15 أبريل 2023 وخلال مراحلها: بين الثقة المؤسسية ورفض الحكم العسكري وتجارب الحرب والاستقطاب وصناعة الشرعية

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال الرأي العام السوداني تجاه القوات المسلحة السودانية قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 وخلال مراحلها المختلفة، محللاً العلاقة بين الثقة في الجيش بوصفه مؤسسة وطنية، والموقف من الحكم العسكري، وتقييم أداء القيادة العسكرية، وتجارب المدنيين أثناء الحرب، والتصورات المتعلقة بالأمن والديمقراطية والعدالة ومستقبل الدولة. وينطلق من أن الرأي العام ليس موقفاً واحداً ثابتاً، بل مجموعة من الاتجاهات المتمايزة التي تتأثر بالزمان والمكان والتجربة الشخصية والأوضاع الاقتصادية والأمنية ومصادر المعلومات. فالثقة في الجيش لا تعني بالضرورة تأييد توليه الحكم، وانتقاد قرارات قيادته لا يعني تأييد قوات الدعم السريع، والدعوة إلى وقف الحرب لا تعني التخلي عن المساءلة أو قبول تسوية تكرس الإفلات من العقاب. وبناءً على ذلك، يميز المقال بين الثقة المؤسسية والشرعية السياسية، وبين السيطرة العسكرية والتأييد الشعبي، وبين التجارب الشخصية للمدنيين والاستنتاجات العامة بشأن اتجاهات المجتمع السوداني.

ويؤكد المقال ضرورة اتباع منهج علمي يفرق بين نتائج استطلاعات الرأي المباشرة والدراسات التحليلية للظواهر السياسية والاجتماعية والإعلامية. فالمسوح الكمية تقيس إجابات المستجيبين ضمن حدود عيناتها وأسئلتها، بينما تساعد الدراسات النوعية والتحليلية على تفسير الاستقطاب والدعاية والقيود التي تؤثر في تكوين الرأي العام. ولا يجوز اعتبار دراسة تناولت الأمن أو الديمقراطية أو العدالة دليلاً على نسبة تأييد الجيش ما لم تنشر نتائج صريحة تقيس هذا الموقف. كما ينبغي الإفصاح عن حجم العينة، وتوزيعها الجغرافي والاجتماعي، وتاريخ العمل الميداني، وطريقة اختيار المشاركين، والمناطق والفئات التي تعذر الوصول إليها، ومعدلات عدم الاستجابة، والقيود التي تحد من تعميم النتائج. ويشدد المقال على أن البيانات المتاحة لا تقدم سلسلة وطنية متجانسة تسمح بتحديد التغير الدقيق في تأييد الجيش أو معارضته في جميع مراحل الحرب حتى أكتوبر 2026.

وتكشف نتائج مسح الباروميتر الإفريقي الذي أُجري في ديسمبر 2022، قبل اندلاع الحرب، عن مزيج من الثقة في المؤسسة العسكرية والتفضيل الديمقراطي والشك في قدرة الحكم العسكري على معالجة مشكلات البلاد. فقد قال 53% من المستجيبين إنهم يثقون في القوات المسلحة السودانية، لكن 50% عارضوا الحكم العسكري، بينما رأى 77% أن الانتخابات هي أفضل وسيلة لاختيار القادة. كما رفض 70% حكم الحزب الواحد، ورفض 57% الدكتاتورية، ووافق 66% على أن التنمية تتطلب محاسبة القادة على جرائمهم السابقة. وفي المقابل، وافق 58% على احتمال تولي الجيش السلطة إذا أساء القادة المنتخبون استخدام السلطة لمصالحهم الخاصة، وهو ما يعكس قبولاً مشروطاً بالتدخل العسكري لدى قطاع واسع، وليس تفويضاً مفتوحاً للحكم العسكري.

وأظهرت النتائج أيضاً أن المواطنين كانوا منشغلين بدرجة كبيرة بالقضايا الاقتصادية والخدمية؛ فقد اعتبر 62% إدارة الاقتصاد أولوية حكومية، تلتها الصحة بنسبة 38%، والتعليم بنسبة 31%، والجريمة والأمن بنسبة 25%، والفساد بنسبة 13%، وعدم الاستقرار السياسي والتوترات الإثنية بنسبة 11%. وشكك 71% في قدرة الحكم العسكري على تقليل التفاوت في الدخل، و69% في قدرته على محاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين، و66% في قدرته على مكافحة الفساد، و61% في قدرته على تحسين الاقتصاد، و55% في قدرته على استعادة السلام. ورأى 50% أن نجاح الحكومة الانتقالية في إقامة حكم مدني أمر مرجح، مقابل 47% رأوا أنه غير مرجح. وتوضح هذه النتائج أن الثقة في الجيش لم تكن مرادفة للرضا عن أدائه السياسي أو الاقتصادي، وأن المطالبة بالانتخابات والمساءلة كانت متوافقة مع الاعتقاد بضرورة وجود مؤسسة عسكرية.

كما كشفت بيانات ما قبل الحرب عن أزمة في الثقة بالأحزاب والمؤسسات الانتخابية. فعلى الرغم من التفضيل الواسع للانتخابات، لم تتجاوز الثقة في لجنة الانتخابات 26%. وانخفض التأييد لنظام التعددية الحزبية إلى 38%، بينما رأى 55% أن تعدد الأحزاب يؤدي إلى الانقسام والارتباك، واعتقد 82% أن المنافسة الحزبية تؤدي غالباً أو دائماً إلى العنف السياسي. ولم يشعر بالقرب من حزب سياسي سوى 11%، مقارنة بـ41% في عام 2013. وتشير هذه المؤشرات إلى أن ضعف الثقة بالأحزاب والتنافس السياسي ساهم في خلق بيئة تتراجع فيها الثقة بالعملية السياسية، من دون أن يعني ذلك أن المواطنين تخلوا عن الانتخابات أو منحوا الجيش شرعية ديمقراطية دائمة.

ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تغيرت الظروف التي يُقيّم المواطنون في إطارها الجيش والأطراف المسلحة. فلم يعد التقييم مقتصراً على المواقف السياسية السابقة، بل أصبح مرتبطاً بحماية الأحياء والطرق والممتلكات، وتأمين الغذاء والمياه والدواء، وإتاحة العلاج والتعليم والكهرباء، وضمان العودة الآمنة للنازحين، ومنع الاعتقالات والانتهاكات. وقد تختلف هذه المعايير باختلاف المنطقة والخبرة الشخصية؛ فاستعادة السيطرة على مدينة قد تعزز الشعور بالأمن لدى بعض السكان، لكنها لا تثبت وحدها تأييدهم استمرار الحكم العسكري. كما أن استمرار القتال أو فقدان الممتلكات قد يغير أولويات المواطنين، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اتجاه سياسي واحد لدى الجميع. ولذلك لا يمكن استنتاج مستوى التأييد الشعبي من الخرائط العسكرية أو البيانات الرسمية عن الانتصارات والهزائم وحدها.

ويعرض المقال نتائج مؤشر الرأي العام العربي لعام 2025، الذي نُشرت نتائجه في فبراير 2026، واستند الجزء السوداني منه إلى عمل ميداني أُجري داخل السودان في نوفمبر 2024. فقد أفاد 47% من المستجيبين بأنهم أو أفراداً من أسرهم نزحوا منذ بداية الحرب. ومن بين الذين أبلغوا عن النزوح، قال 34% إنهم تمكنوا من العودة، بينما لم يتمكن 66% من العودة. وأقام 38% ممن لم يعودوا لدى الأسرة الممتدة أو الأقارب، واستأجر 31% مساكن، وأقام 15% في مراكز إيواء، بينما لجأ 11% إلى معارفهم. وتكشف هذه النتائج عن امتداد آثار الحرب إلى الاستقرار السكني والخصوصية والعمل والتعليم وشبكات الدعم الأسري، لكنها لا تعني أن نسبة النازحين بين جميع السودانيين تساوي بالضرورة نسبة المستجيبين الذين أبلغوا عن نزوحهم أو نزوح أفراد أسرهم.

وأظهر المؤشر أن 58% قالوا إن مياه الشرب متاحة، بينما أفاد 45% بعدم توافر الكهرباء، وقال 58% إن إمدادات الغذاء لم تكن متاحة لهم. كما أبلغ 71% عن عدم تمكنهم من الحصول على الأدوية المطلوبة، و72% عن عدم قدرتهم على الوصول إلى الرعاية الصحية عند الحاجة. وتبين هذه النتائج أن تقييم الأمن أثناء الحرب لا يقتصر على غياب الاشتباكات، بل يشمل قدرة الناس على الحصول على احتياجاتهم الأساسية. ومع ذلك، لا يمكن نسبة كل أوجه الحرمان إلى طرف واحد اعتماداً على بيانات توافر الخدمات وحدها؛ إذ يتطلب تحديد المسؤولية فحص السيطرة الجغرافية، وحالة البنية التحتية، والقيود على الإمدادات، وسلوك الأطراف، ودور الجهات المدنية والإنسانية.

وتناول المؤشر كذلك تجارب الانتهاكات التي أبلغ عنها المستجيبون. فقد قال 34% إن ممتلكاتهم سُرقت، ونسب 89% من الذين أبلغوا عن السرقة المسؤولية إلى قوات الدعم السريع، و2% إلى الجيش، و7% إلى جهات أخرى، بينما لم يحدد 2% الجهة المسؤولة. وأفاد 23% بأن منازلهم اقتُحمت، ونسب 95% من هذه الحالات إلى الدعم السريع، و1% إلى الجيش، ولم يحدد 4% المسؤولية. وقال 18% إن منازلهم احتُلت، ونسب 97% من هذه الحالات إلى الدعم السريع، و1% إلى الجيش، ولم يحدد 2% الجهة المسؤولة. وأفاد 17% بأنهم أو أفراداً من أسرهم تعرضوا لهجوم من فصائل مشاركة في المعارك؛ ومن بين هؤلاء، نسب 94% المسؤولية إلى الدعم السريع، و3% إلى الجيش، و3% لم يحددوا الجهة المسؤولة.

كما قال 9% إنهم أو أفراداً من أسرهم تعرضوا للاعتقال؛ ومن بين هذه الحالات، نسب 82% الاعتقال إلى الدعم السريع، و16% إلى الجيش، و2% لم يحددوا الجهة المسؤولة. وأفاد 4% بأنهم أو أحد أفراد أسرهم تعرضوا لاعتداء جنسي؛ ومن بين هؤلاء، نسب 86% المسؤولية إلى الدعم السريع، و5% إلى الجيش، و9% لم يحددوا الجهة المسؤولة. ويشدد المقال على أن هذه الأرقام تمثل إفادات المستجيبين عن تجاربهم أو تجارب أسرهم، وليست إحصاءً شاملاً لجميع الانتهاكات في السودان أو أحكاماً قضائية نهائية. كما أن انخفاض النسبة المعلنة عن تجربة معينة لا يثبت ندرتها في الواقع، خصوصاً في قضايا مثل العنف الجنسي التي قد تتأثر بالوصمة والخوف وصعوبة الإفصاح الآمن. ولذلك ينبغي الجمع بين بيانات المسح والتحقيقات المستقلة والأدلة الميدانية عند تقييم الوقائع والمسؤولية القانونية.

ويؤكد المقال ضرورة الفصل بين وقوع التجربة كما يصفها المستجيب، والجهة التي ينسب إليها المسؤولية، والاستنتاج بشأن موقفه السياسي من الجيش أو الدعم السريع. فالإبلاغ عن انتهاك منسوب إلى الدعم السريع لا يثبت تلقائياً تأييد الجيش، كما أن الإبلاغ عن انتهاك منسوب إلى الجيش لا يثبت تأييد الدعم السريع. ويمكن للمواطن أن يرفض الانتهاكات المنسوبة إلى الطرفين، وأن يطالب بحماية المدنيين والمساءلة ووقف الحرب في الوقت نفسه. كما أن مقارنة نتائج مؤشر الرأي العام العربي بنتائج الباروميتر الإفريقي لا تسمح بقياس تغير زمني دقيق في الثقة بالجيش، لأن المصدرين اختلفا في التوقيت والأسئلة والغرض البحثي؛ فالأول تناول تجارب الحرب، بينما ركز الثاني على المواقف السياسية والمؤسسية قبلها.

ويعرض المقال دراسة «رؤى سودانية» التي نشرها مختبر الديمقراطية التداولية بجامعة ستانفورد في أغسطس 2024، والتي بحثت مواقف السودانيين من الأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرب والأطراف المعنية بها والسيناريوهات المحتملة بعد الحرب. وأُجريت المقابلات وجهاً لوجه باللغة العربية بين 3 و11 يونيو 2024، وشملت 300 مشارك، بواقع 60 من عاصمة كل ولاية من الولايات الخمس المشمولة: نهر النيل والبحر الأحمر والجزيرة وشمال دارفور وجنوب كردفان. واختيرت ست محليات من كل عاصمة بطريقة شبه عشوائية، وأُجريت مقابلات مع عشرة مشاركين من كل محلية. وتكونت العينة من 150 رجلاً و150 امرأة، وذكر وصف الدراسة أن هامش خطأ المعاينة بلغ 3.5%.

وتتمثل قيمة دراسة ستانفورد في تنوع موضوعاتها وتوزيعها على خمس ولايات واستخدامها مقابلات مباشرة باللغة العربية، لكنها لم تشمل مخيمات النازحين واللاجئين أو المناطق ذات المخاطر الأمنية المرتفعة، واقتصرت على عواصم الولايات المختارة. ولذلك لا تمثل نتائجها جميع السودانيين، ولا سيما الفئات التي واجهت أشد درجات النزوح أو تعيش في مناطق يصعب الوصول إليها. كما أن هامش الخطأ التقليدي لا يلغي تحيز التغطية أو احتمال امتناع بعض المشاركين عن الإجابة أو إخفائهم مواقفهم خوفاً من العواقب. والأهم أن الصفحة المنشورة لا تعرض النتائج الكمية التفصيلية لكل سؤال؛ لذا لا يجوز اختلاق نسب لتأييد الجيش أو رفضه أو لتفضيل وقف إطلاق النار أو شكل الحكم بعد الحرب، بل يجب الاقتصار على ما يعلنه المصدر والتحقق من التقرير الكامل قبل نسبة أي نتيجة رقمية إليه.

ويتناول المقال كذلك دراسة الاستقطاب في السودان التي نشرها المعهد الدولي للتحولات المتكاملة في نوفمبر 2025، وأعدتها مريم السودي وسميّة تمبال. وتصف الدراسة الاستقطاب بأنه ظاهرة تعطل المشهد السياسي والاجتماعي، متجذرة في عقود من الحكم الإقصائي والانقسامات المرتبطة بالهوية، وقد تفاقمت مع حرب أبريل 2023 وأثرت في الحياة اليومية والثقة وفرص السلام. وأُجري المسح بواسطة مجموعة التفكير السودانية التابعة للمعهد، بدعم من مختبر الذكاء الاصطناعي المدني في جامعة نورث إيسترن. وأعلن المعهد أن العمل سيُستكمل بمجموعات نقاش مع مجتمعات متنوعة للتحقق من السياق وإعداد أدوات لتخفيف الاستقطاب. لكن الوصف المنشور لا يقدم نسباً كمية مفصلة لتأييد الجيش أو معارضته، ولذلك تُستخدم الدراسة لفهم جذور الاستقطاب وآثاره، لا لإسناد نتائج رقمية غير منشورة إليها.

ويبين المقال أن الاستقطاب قد يدفع بعض الناس إلى قبول الروايات الصادرة عن الطرف الذي يؤيدونه من دون تحقق كافٍ، ورفض المعلومات الصادرة عن خصومه حتى عندما تدعمها أدلة مستقلة. وقد تتحول المطالبة بالتحقيق في انتهاك إلى اتهام بالخيانة، أو تُفسر الدعوة إلى وقف الحرب باعتبارها تأييداً لطرف مسلح. ويؤدي ذلك إلى تقييد النقاش العام وإضعاف القدرة على تقييم الوقائع وفق الأدلة. ولذلك يجب الفصل بين النقد السياسي والتأييد العسكري، والامتناع عن تبرير الانتهاكات بسبب هوية مرتكبها أو الجهة التي قد تستفيد سياسياً من كشفها.

وفي ما يتعلق بالحرب على المعلومات، يعرض المقال دراسة سلمى العُبيد المنشورة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في أبريل 2026، والتي توضح أن التنافس بين القوات المسلحة والدعم السريع على تشكيل رواية الحرب في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية جعل التمييز بين المعلومات الصحيحة والكاذبة والمحرّفة أكثر صعوبة. وتوضح الدراسة أن ضعف التغطية الصحفية الميدانية سهّل انتشار الأخبار المضللة، وأن الطرفين عملا على تشكيل روايتيهما عن الحرب من خلال شبكات من المؤيدين، واستخدما أساليب تشمل التضليل والرقابة، من دون أن يتمكنا من السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات. وتعد منصتا فيسبوك وإكس من أبرز المنصات المستخدمة، كما يبرز أصحاب البث المباشر ومنتجو مقاطع الفيديو على يوتيوب بين صانعي المحتوى. وتضم شبكات المؤيدين أشخاصاً يتحركون بدافع القناعة السياسية أو العسكرية، إلى جانب آخرين قد تحركهم الأرباح أو المصالح أو الأجندات.

ويعرض المقال أيضاً تقرير مؤسسة طومسون الصادر في يناير 2026 عن التلاعب بالمعلومات في السودان، الذي أعدته عائدة القيسي وأمل حمدان بالتعاون مع منصة أنداريا وصحفيين ومنظمات مدنية سودانية، بدعم من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية. ويبين التقرير أن التلاعب بالمعلومات أصبح عنصراً متكرراً في الحرب، وأن خطاب الكراهية والروايات الكاذبة قد يسبقان العنف الميداني ويسهمان في استهداف الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني وتعطيل العمل الإنساني. كما يرصد شبكات منسقة وأساليب مختلفة بحسب المنصة ومحتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي في بعض الحالات، وتضخيماً للروايات بواسطة جهات أجنبية أو إقليمية. وتوضح هذه النتائج أن الدعاية لا تقتصر على تقديم رواية منحازة، بل قد تؤثر في سلامة المدنيين والثقة المجتمعية وإمكانات السلام.

وتشير معلومات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إلى تدهور البيئة الإعلامية السودانية وتحولها إلى ساحة موازية للمعركة، مع تراجع قدرة الصحافة المستقلة على التحقق من الوقائع. فقد نقلت الوكالة أن أكثر من 400 صحفي فروا من البلاد حتى نوفمبر 2025، وأن عدد الصحفيين النشطين داخل السودان في عام 2025 قُدّر بنحو 250 إلى 300، مقارنة بما لا يقل عن 1500 قبل الحرب، مع وجود نحو 70 صحفياً في مناطق النزاع. كما تناولت انقطاعات الإنترنت والاتصالات، والقيود على الوصول إلى المعلومات، وتوقف عدد من الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية، وانتشار مقاطع قديمة معاد تدويرها وتقارير كاذبة عن الخسائر ومحتوى دعائي ومقاطع مزيفة وخطاب إثني تحريضي. وأشارت كذلك إلى ظهور صفحات على فيسبوك في مايو 2025 تحت مسميات مثل «بلّغ عن متعاون»، وصفتها مجموعة محامو الطوارئ بأنها أداة لاضطهاد المدنيين.

ويخلص المقال من هذه الدراسات إلى ضرورة رفض سبع روايات شائعة غير مثبتة: أن جميع السودانيين يؤيدون الجيش؛ وأن انتقاد الجيش يعني تأييد الدعم السريع؛ وأن الجيش لا يرتكب انتهاكات أو أن كل الاتهامات الموجهة إليه مفبركة؛ وأن كل الأخبار الرسمية عن الانتصارات صحيحة؛ وأن كل دعوة إلى وقف الحرب تخدم الدعم السريع؛ وأن منشورات وسائل التواصل تكشف رأي السودانيين الحقيقي؛ وأن الانتصار العسكري يحسم الشرعية السياسية. فهذه الادعاءات تخلط بين الثقة والتأييد، وبين النقد والانحياز للطرف الآخر، وبين الاتهام والإثبات، وبين السيطرة الميدانية والشرعية الدستورية. ويؤكد المقال أن التحقق من الأخبار يستلزم البحث عن مصدرها الأول، وفحص تاريخ الصور ومقاطع الفيديو ومكانها، ومقارنة الادعاءات بمصادر مستقلة، وتوضيح ما ثبت وما لم يثبت، وتصحيح الأخطاء علناً، وحماية المدنيين من نشر معلومات قد تعرضهم للانتقام.

ويعرض المقال عدة تفسيرات محتملة لتغير المواقف تجاه الجيش، منها الالتفاف حول المؤسسة العسكرية في ظروف الخطر، والتأييد المشروط بالأداء، وتأثير الاستقطاب والضغط الاجتماعي، والتفاوت الجغرافي والاجتماعي، وأثر الدعاية، والأزمة الاقتصادية والخدمية. ويؤكد أن هذه التفسيرات ليست حقائق مثبتة بالتساوي، بل فرضيات ينبغي اختبارها من خلال بيانات تربط تجارب الأفراد بمواقفهم السياسية. فقد يزداد تقدير بعض المواطنين لقدرة الجيش على حماية منطقتهم، بينما يتراجع تقدير آخرين له بسبب الإخفاق في الحماية أو استمرار القتال أو تجارب الانتهاكات. كما قد تتغير أولويات الفرد بين الأمن ووقف الحرب والعدالة والعودة وإعادة الإعمار بمرور الوقت. ولذلك فإن التفسير الأكثر اتزاناً يجمع بين الأمن والأداء والخبرة الشخصية والمعلومات والأوضاع المعيشية والتوقعات السياسية، مع الاعتراف بأن الوزن النسبي لهذه العوامل قد يختلف بين المناطق والفئات والمراحل.

ويقترح المقال إنشاء مرصد مستقل للرأي العام السوداني، يعمل وفق قواعد منهجية شفافة، ويجري مسوحاً متكررة تسمح بمقارنة المواقف عبر الزمن، ويشمل السكان داخل السودان والنازحين واللاجئين والشتات مع تحليل كل فئة بصورة مناسبة. وينبغي أن يقيس المرصد الثقة في الجيش والقيادة العسكرية، وتأييد الحكم العسكري أو المدني، وتقييم حماية المدنيين، والموقف من وقف إطلاق النار والمساءلة، والثقة في القضاء والشرطة والمؤسسات الانتخابية، وتوافر الخدمات وتجارب النزوح وفقدان الممتلكات والاعتقال والعنف. كما يجب نشر صياغة الأسئلة وحجم العينات وتوزيعها الجغرافي ومعدلات عدم الاستجابة والأوزان الإحصائية والمناطق المستبعدة، مع الإفصاح عن حدود التعميم.

ويشدد المقترح على أهمية الجمع بين المسوح الكمية والدراسات النوعية والمقابلات الآمنة ومجموعات النقاش، مع حماية البيانات الشخصية وتشفير الملفات وتقييد الوصول إليها وعدم تسليم البيانات الفردية إلى الأطراف المسلحة أو الجهات السياسية. كما ينبغي أن يتعاون المرصد مع الجامعات والصحفيين المستقلين وخبراء البيانات ومنظمات المجتمع المدني، وأن ينشر بروتوكولات التحقق وتصحيح الأخطاء وبيانات التمويل وتضارب المصالح. ويمكن استخدام نتائجه في تحديد الاحتياجات الخدمية ورصد التوترات المحلية وتقييم برامج العودة وإعادة الإعمار وفهم الثقة في آليات العدالة، من دون تحويله إلى أداة لمراقبة السكان أو تصنيفهم سياسياً.

وفي ما يتعلق بإصلاح الدولة، يخلص المقال إلى أن السلام المستدام يتطلب مؤسسة عسكرية مهنية موحدة تؤدي مهامها الدفاعية ضمن القانون، وتخضع لسلطة دستورية مدنية، مع رقابة مؤسسية على الإنفاق والقرارات الاستراتيجية، وإصلاح القطاع الأمني، ومعالجة تعدد مراكز القوة المسلحة، ووضع ترتيبات قانونية قابلة للتحقق لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أو إعادة الهيكلة. كما يتطلب حماية المدنيين، والتحقيق المستقل في الانتهاكات، وضمان وصول الضحايا إلى العدالة، ومنع الاعتقال التعسفي والعنف الجنسي والنهب والتهجير القسري، وتوفير ضمانات لعودة النازحين واستعادة مساكنهم وممتلكاتهم وخدماتهم الأساسية.

ويؤكد المقال أن الانتقال السياسي لا ينبغي أن يقتصر على الدعوة إلى الانتخابات، بل يجب أن يتضمن بناء مؤسسات انتخابية موثوقة، وحماية حرية التنظيم والتعبير، وضمان المنافسة السلمية، وتعزيز استقلال القضاء، وإصلاح الأحزاب والمؤسسات العامة. كما يجب حماية الصحفيين ومصادرهم واستعادة المؤسسات الإعلامية المستقلة وضمان الوصول إلى المعلومات ومواجهة خطاب الكراهية من دون استخدام مكافحة التضليل ذريعة لإسكات النقد. ولا ينبغي تحويل نتائج الاستطلاعات إلى تفويض مفتوح لأي طرف؛ فحقوق الإنسان وحماية المدنيين واستقلال القضاء لا تتوقف على اتجاهات التأييد المؤقتة، كما أن استطلاعاً محدوداً لا يحل محل القانون أو المؤسسات الدستورية أو التحقيقات المستقلة.

ويخلص المقال في نهايته إلى أن الأدلة المتاحة ترسم صورة مركبة للرأي العام السوداني: ثقة في الجيش لدى جزء كبير من المستجيبين قبل الحرب، مع تفضيل واسع للانتخابات والمطالبة بالمحاسبة والشك في قدرة الحكم العسكري على معالجة المشكلات الأساسية؛ وتجارب إنسانية قاسية أثناء الحرب تشمل النزوح والحرمان من الخدمات والانتهاكات؛ وبيئة إعلامية تتسم بالاستقطاب والتضليل وصعوبة التحقق. لكنها لا توفر سلسلة وطنية متجانسة تسمح بالجزم بأن الرأي العام كله اتجه إلى تأييد الجيش أو معارضته خلال الحرب. وتتمثل الأولوية في إنهاء القتال وحماية المدنيين وتيسير عودة النازحين واستعادة الخدمات ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وإصلاح القطاع الأمني وبناء سلطة مدنية دستورية ومؤسسات ديمقراطية موثوقة. فالمعيار الحقيقي لنجاح الدولة ليس حجم التأييد اللحظي لأي طرف مسلح، بل قدرتها على حماية المواطنين وصون حقوقهم وإتاحة اختيار حكامهم وضمان خضوع القوة المسلحة للقانون والمساءلة.

النص الكامل للمقال

مقدمة تحليلية: لماذا لا يمكن اختزال موقف السودانيين من الجيش في التأييد أو الرفض؟

يتطلب فهم الرأي العام السوداني تجاه القوات المسلحة السودانية قبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 وخلال مراحلها اللاحقة التمييز بين مواقف متباينة كثيراً ما تُدمج في خطاب سياسي وإعلامي واحد: الثقة في الجيش بوصفه مؤسسة وطنية، وتأييد تدخل القيادة العسكرية في السياسة، وتفضيل الحكم العسكري على الحكم المدني، وتأييد قيادة الجيش في إدارة الحرب، وتقييم أدائه في حماية المدنيين واستعادة الأمن، والموقف من الانتهاكات المنسوبة إلى أطراف القتال، وأخيراً التصور الشعبي لشكل الدولة والنظام السياسي بعد انتهاء الحرب. ولا يجوز علمياً افتراض أن من يثق في الجيش يؤيد حكماً عسكرياً دائماً، أو أن من يعارض استمرار الحرب يساند قوات الدعم السريع، أو أن من يطالب بمحاسبة العسكريين يرفض وجود مؤسسة عسكرية مهنية. فهذه مواقف مختلفة من حيث موضوعها ومعايير الحكم عليها، وقد تجتمع لدى الشخص الواحد من دون تناقض.

تنبع أهمية هذا التمييز من أن السودان دخل الحرب وهو يعاني أصلاً من أزمة عميقة في العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسات العسكرية، ومن تعثر الانتقال السياسي بعد إسقاط نظام عمر البشير في أبريل 2019، ثم انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتنافس مراكز القوة المسلحة والاقتصادية، وتدهور الأوضاع المعيشية، وضعف الثقة في الأحزاب والمؤسسات الانتخابية. وتوضح نتائج الجولة التاسعة من مسوح الباروميتر الإفريقي التي أُجريت في ديسمبر 2022، أي بعد الانقلاب وقبل الحرب، أن 53% من المستجيبين قالوا إنهم يثقون في القوات المسلحة السودانية، لكن 50% عارضوا الحكم العسكري، بينما رأى 77% أن الانتخابات هي أفضل وسيلة لاختيار القادة، ووافق 66% على أن تنمية البلاد لا تتحقق إلا بمحاسبة القادة على جرائمهم السابقة. هذه النتائج لا تصف مجتمعاً متفقاً على تفويض الجيش بالحكم، بل مجتمعاً جمع بين قدر من الثقة بالمؤسسة العسكرية وبين تفضيل واضح للانتخاب والمساءلة، مع وجود استعداد لدى قطاع واسع لقبول تدخل الجيش إذا أساء القادة المنتخبون استخدام السلطة (Mustun, 2025).

وتزداد ضرورة التمييز بين هذه المواقف عند الانتقال من مرحلة ما قبل الحرب إلى مرحلة القتال. فالحرب ليست حدثاً واحداً ثابتاً، بل سلسلة من التحولات في السيطرة الجغرافية، والأمن الشخصي، والنزوح، وتوافر الغذاء والدواء والكهرباء والمياه، والقدرة على الوصول إلى المعلومات، وتصور المواطنين لمخاطر كل طرف. وقد يتغير موقف الفرد من قيادة عسكرية بسبب تجربة النزوح أو فقدان الممتلكات أو تعرض أسرته للاعتقال أو العنف، كما قد يتغير نتيجة استعادة منطقة أو انهيار الخدمات أو انتشار رواية إعلامية لم تُتحقق صحتها. لذلك ينبغي التعامل مع الرأي العام باعتباره ظاهرة متحركة تتأثر بالمكان والزمان والتجربة الشخصية والمعلومات المتاحة، لا باعتباره كتلة وطنية متجانسة يمكن استنتاج اتجاهها من تصريحات الناشطين أو مشاهد الاحتشاد أو منشورات وسائل التواصل الاجتماعي.

يعتمد هذا المقال على ترتيب تحليلي يبدأ بتحديد معنى الرأي العام وحدود قياسه، ثم يعيد بناء صورة المواقف قبل الحرب، وينتقل إلى الحرب وتجارب المدنيين والنزوح والخدمات والانتهاكات، ثم يناقش استطلاع «رؤى سودانية» الذي أجرته جامعة ستانفورد عام 2024 ومؤشر الرأي العام العربي الذي نُشرت نتائجه عام 2026، ويتناول الاستقطاب والدعاية والتضليل، قبل أن يختتم بتفسير التحولات المحتملة واقتراح إطار عملي مستقل لقياس الرأي العام. ويهدف هذا الترتيب إلى الانتقال من خط الأساس السابق للحرب إلى الخبرة المعيشة أثناءها، ثم إلى حدود الأدلة والتفسيرات المتنافسة، وأخيراً إلى الدروس المؤسسية والسياساتية القابلة للتنفيذ. ولا يعني هذا الترتيب أن الأدلة المتاحة تسمح بإعادة بناء مسار زمني كامل ومقارن لكل شهر من الحرب؛ إذ لا تتوافر في الدراسات التي نوقشت هنا سلسلة استطلاعات وطنية متكررة، متطابقة الأسئلة، تغطي جميع الولايات ومناطق النزاع والنازحين واللاجئين في كل مرحلة.

وتستند المعالجة إلى التمييز بين ثلاثة مستويات من الأدلة. المستوى الأول هو المسوح التي تقيس آراء المستجيبين مباشرة، مثل مسح الباروميتر الإفريقي قبل الحرب ومؤشر الرأي العام العربي الذي تناول تجارب السودانيين في نوفمبر 2024. والمستوى الثاني هو الدراسات التي تستطلع مواقف السكان من الأمن والديمقراطية والعدالة والحرب، مثل دراسة «رؤى سودانية» المنشورة على موقع مختبر الديمقراطية التداولية بجامعة ستانفورد في أغسطس 2024. أما المستوى الثالث فيشمل الدراسات التحليلية للتضليل والاستقطاب والبيئة الإعلامية، وهي تساعد على تفسير الظروف التي تتشكل فيها الآراء، لكنها لا تعادل استطلاعاً وطنياً لمدى تأييد الجيش أو معارضته. ويجب الالتزام بهذا الفصل المنهجي حتى لا تتحول دراسة إعلامية إلى دليل مزعوم على اتجاهات الرأي، أو تُفسر تجربة عينة محدودة على أنها موقف جميع السودانيين (Stanford University, 2024; Alsoudi and Tambal, 2025; El Obeid, 2026).

الفصل الأول: ما الذي نقيسه عندما نقيس الرأي العام تجاه الجيش؟

الرأي العام تجاه الجيش ليس مؤشراً واحداً، بل مجموعة من الأحكام والاتجاهات التي تتعلق بمهمات المؤسسة العسكرية وقيادتها وسلوكها وموقعها الدستوري. ويمكن أن يثق المواطن في قدرة الجيش على حماية الحدود أو منع انهيار الدولة، لكنه يرفض أن يتولى قادته اختيار الحكومة أو التشريع أو إدارة الاقتصاد. وقد يؤيد مقاومة هجوم مسلح على مدينة معينة، لكنه يرفض تمدد الحرب أو استهداف المدنيين أو الاعتقال على أساس الهوية والانتماء السياسي. وقد يطالب بتوحيد القوات المسلحة وإخضاعها لسلطة مدنية دستورية، من دون أن يطالب بإلغاء الجيش أو إضعاف قدرته المهنية. وفي المقابل، قد يساند شخص قيادة عسكرية في مرحلة معينة لأنه يرى فيها الطرف القادر على توفير الأمن، ثم ينتقدها إذا أخفقت في حماية السكان أو منع الانتهاكات أو توفير شروط العودة الآمنة للنازحين.

ويقتضي القياس الدقيق فصل الثقة عن الشرعية. فالثقة تعبر عن اعتقاد ذاتي بأن المؤسسة جديرة بالاعتماد عليها في مجال أو أكثر، أما الشرعية السياسية فتتصل بحق المؤسسة في ممارسة السلطة، والأساس القانوني والدستوري لذلك الحق، ومدى قبول المجتمع بالقواعد التي تحدد اختصاصاتها. ولا تثبت نسبة الثقة وحدها أن المؤسسة تملك تفويضاً للحكم، كما لا تثبت معارضة الحكم العسكري أن الجمهور يرفض الجيش بوصفه مؤسسة دفاعية. ويكشف مسح الباروميتر الإفريقي هذا الفرق بوضوح: قال 53% من المستجيبين إنهم يثقون في القوات المسلحة، لكن نصفهم عارض الحكم العسكري، وفضّل 77% الانتخابات باعتبارها الطريقة الأفضل لاختيار القادة (Mustun, 2025).

ويجب كذلك التمييز بين الموقف من الجيش والموقف من قوات الدعم السريع. فرفض انتهاكات الدعم السريع لا يثبت تلقائياً تأييد كل سياسات قيادة الجيش، كما أن إدانة انتهاكات منسوبة إلى القوات المسلحة لا تعني تبرير انتهاكات الدعم السريع. ويمكن للمدني أن يرفض الطرفين في جوانب مختلفة، أو أن يطالب بحماية السكان من كليهما، أو أن يميز بين المسؤولية القيادية والمسؤولية الفردية، وبين المؤسسة الرسمية والأفراد الذين يعملون داخلها. أما تحويل النقاش إلى ثنائية «مع الجيش أو مع الدعم السريع» فيختزل التجربة المدنية ويجعل تقييم الأداء والمساءلة تابعين للولاء السياسي بدلاً من الوقائع.

ويستلزم التحليل أيضاً الفصل بين اتجاهات الرأي والسلوك المعلن. فقد يتجنب المواطن التصريح بموقفه الحقيقي بسبب الخوف من الاعتقال أو الانتقام أو الوصم الاجتماعي، وقد يشارك في حملة إلكترونية بسبب الضغط أو الرغبة في حماية أسرته أو الحصول على منفعة، لا بسبب قناعة مستقرة. كما قد تتأثر الإجابات بطريقة صياغة السؤال، ومكان إجراء المقابلة، وحضور أفراد الأسرة، ونوع الباحث، واللغة المستخدمة، ومدى أمان المستجيب. ولهذا لا تكفي متابعة وسائل التواصل الاجتماعي أو تحليل تصريحات الشخصيات العامة لإنتاج تقدير موثوق للرأي العام الوطني، خصوصاً في بيئة حرب يتعرض فيها الصحفيون والمدنيون للتهديد ويصعب فيها التحقق المستقل من الوقائع.

ومن الناحية المنهجية، ينبغي أن يقيس أي استطلاع جاد عدة أبعاد مستقلة: الثقة في الجيش؛ والثقة في قيادته السياسية والعسكرية؛ وتأييد الحكم العسكري أو رفضه؛ وتأييد وقف إطلاق النار أو استمرار القتال في ظروف محددة؛ وتقييم حماية المدنيين؛ وتقييم الانتهاكات والمساءلة؛ وتفضيل النظام السياسي بعد الحرب؛ والثقة في القضاء والشرطة والإدارة المدنية؛ والاستعداد لقبول دمج القوات أو تسريحها ضمن عملية إصلاح أمني؛ والتجربة الشخصية للنزوح أو فقدان الممتلكات أو الحرمان من الخدمات. وعند تحليل النتائج، يجب نشر صياغة الأسئلة، وحجم العينة، وأسلوب اختيارها، وتوزيعها الجغرافي، ومعدل عدم الاستجابة، والأوزان الإحصائية، وتاريخ العمل الميداني، وحدود التعميم. ومن دون هذه المعلومات، قد تبدو النسبة الرقمية دقيقة، لكنها لا تجيب عن السؤال السياسي الذي يُراد الاستدلال بها عليه.

الفصل الثاني: قبل الحرب، ثقة في المؤسسة العسكرية من دون تفويض شعبي مطلق بالحكم

تقدم نتائج مسح الباروميتر الإفريقي الذي أُجري في ديسمبر 2022 أهم خط أساس كمي متاح في الدراسات المشار إليها هنا لفهم موقف السودانيين من الجيش قبل حرب أبريل 2023. وقد جاء المسح بعد انقلاب أكتوبر 2021 وفي سياق تعثر الانتقال المدني، لكنه سبق اندلاع الحرب بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. لذلك لا يجوز وصف نتائجه بأنها قياس للرأي العام أثناء الحرب أو بعد تغير السيطرة على المدن، كما لا يجوز إسقاطها آلياً على مواقف السودانيين في عام 2026. ومع ذلك، فإن أهميته كبيرة لأنه يوضح التوتر الذي سبق الحرب بين الحاجة إلى الأمن والاستقرار، والشك في قدرة الحكم العسكري على معالجة المشكلات، والرغبة في اختيار القادة عبر الانتخابات (Mustun, 2025).

كانت إدارة الاقتصاد القضية الأكثر إلحاحاً في نظر المستجيبين؛ إذ اختارها 62% باعتبارها أولوية للعمل الحكومي. وجاءت الصحة والمرض في المرتبة التالية بنسبة 38%، ثم التعليم بنسبة 31%، والجريمة والأمن بنسبة 25%، والفساد بنسبة 13%، وعدم الاستقرار السياسي والتوترات الإثنية بنسبة 11%. وتكشف هذه الأرقام أن تصور المواطنين لوظيفة الدولة لم يكن محصوراً في الأمن بمعناه العسكري، بل ارتبط بقوة بالأداء الاقتصادي والخدمات العامة. فالجيش الذي يتولى السلطة لا يُقيَّم في نظر السكان فقط بقدرته على السيطرة على الميدان، وإنما أيضاً بقدرته الفعلية أو المفترضة على تحسين الأوضاع المعيشية، وإتاحة العلاج والتعليم، ومكافحة الفساد، وتوفير الأمن اليومي. وعندما تتقدم القضايا الاقتصادية والصحية والتعليمية على كثير من القضايا الأخرى، فإن ذلك يشير إلى أن شرعية أي سلطة، عسكرية كانت أو مدنية، ستتأثر بمدى استجابتها للاحتياجات اليومية للسكان، لا بمجرد الخطاب الوطني أو الوعود السياسية (Mustun, 2025).

وفي ما يتعلق بالانتقال إلى الحكم المدني، رأى 50% أن نجاح الحكومة الانتقالية في إقامة حكم مدني أمر مرجح، بينما رأى 47% أنه غير مرجح. ويشير التقارب بين النسبتين إلى انقسام واضح في التوقعات، لا إلى إجماع على نجاح المسار الانتقالي أو استحالته. وقد كانت هذه النتيجة مهمة لأنها أظهرت أن جزءاً كبيراً من الجمهور لم يكن قد فقد الأمل تماماً في الانتقال المدني، بينما كان جزء مماثل تقريباً متشككاً في إمكان تحقيقه. ولا يمكن، من دون بيانات إضافية، معرفة مقدار ما يعود إليه هذا التشكيك من أداء الحكومة المدنية، أو تدخل الجيش، أو انعدام الثقة بالأحزاب، أو الصعوبات الاقتصادية والأمنية. لكن النتيجة نفسها تكفي لرفض التفسير الذي يصور المجتمع السوداني قبل الحرب باعتباره قد حسم أمره لمصلحة الحكم العسكري.

وتزداد دلالة النتائج عندما ننتقل من الثقة العامة إلى تقييم قدرة الحكومة العسكرية على تحقيق أهداف محددة. فقد شكك 71% في قدرة الحكم العسكري على تقليل التفاوت في الدخل، و69% في قدرته على محاكمة المسؤولين عن قتل المتظاهرين، و66% في قدرته على مكافحة الفساد، و61% في قدرته على تحسين الاقتصاد، و55% في قدرته على استعادة السلام. وتدل هذه النسب على أن الشك لم يكن مقتصراً على مجال واحد، بل شمل العدالة الانتقالية والتوزيع الاقتصادي والنزاهة الإدارية والاستقرار. ومن ثم فإن الثقة التي عبّر عنها 53% تجاه القوات المسلحة لا ينبغي تفسيرها بوصفها حكماً إيجابياً شاملاً على أداء الحكم العسكري، لأن أغلبية المستجيبين كانت متشككة في قدرته على تحقيق عدد من الأهداف الأساسية للدولة (Mustun, 2025).

وفي ما يتعلق بطبيعة النظام السياسي، رفض 70% حكم الحزب الواحد، ورفض 57% الدكتاتورية، وعارض 50% الحكم العسكري. ورأى 77% أن الانتخابات هي أفضل طريقة لاختيار القادة، وهي نسبة تتجاوز بوضوح نسبة المعارضين للحكم العسكري؛ ما يؤكد أن التفضيل الانتخابي كان واسعاً، حتى في بيئة تراجعت فيها الثقة بالأحزاب والمؤسسات السياسية. لكن الثقة في لجنة الانتخابات الوطنية ظلت محدودة، إذ لم تتجاوز نسبة الذين قالوا إنهم يثقون فيها إلى حد ما أو بدرجة كبيرة 26%. وتكشف هذه المفارقة عن ضرورة التمييز بين تفضيل المبدأ الديمقراطي والثقة بالمؤسسات المسؤولة عن تطبيقه. فقد يرغب المواطن في الانتخابات، لكنه يشك في نزاهة الجهة التي ستديرها، أو في قدرة الأحزاب على التنافس السلمي، أو في ضمان قبول الخاسرين بالنتائج.

وتعزز ذلك نتائج أخرى تتصل بالحياة الحزبية. فقد انخفض التأييد لنظام التعددية الحزبية إلى 38% من البالغين في عام 2022، بينما قال 55% إن تعدد الأحزاب يؤدي إلى الانقسام والارتباك. ورأى 82% أن المنافسة بين الأحزاب تؤدي غالباً أو دائماً إلى صراع عنيف، ولم يقل سوى 11% إنهم يشعرون بالقرب من حزب سياسي، مقارنة بـ41% في عام 2013. ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن الجمهور تخلى عن الديمقراطية؛ إذ إن تفضيل الانتخابات ورفض حكم الحزب الواحد ظلا واضحين. لكنها تشير إلى أزمة ثقة في الأحزاب وقدرتها على تمثيل المواطنين وإدارة التنافس من دون عنف. وفي مثل هذا السياق، يمكن أن تزداد جاذبية المؤسسة العسكرية لدى بعض المواطنين باعتبارها تنظيماً قائماً ومتماسكاً نسبياً مقارنة بالمشهد الحزبي المتشظي، من دون أن يعني ذلك قبولهم بحكم عسكري دائم أو تنازلهم عن حقهم في انتخاب الحكومة (Mustun, 2025).

ومن أكثر النتائج أهمية أن 58% وافقوا على احتمال تولي الجيش السلطة إذا أساء القادة المنتخبون استخدام السلطة لمصالحهم الخاصة، في حين عارض ذلك 39%. وتكشف هذه النتيجة عن قبول مشروط بالتدخل العسكري لدى قطاع كبير من المستجيبين، لكنها لا تساوي تأييداً عاماً للحكم العسكري في كل الظروف. فالسؤال يفترض حالة محددة، هي إساءة القادة المنتخبين استخدام السلطة، ولا يثبت أن المستجيبين يفضلون الانقلاب العسكري على جميع البدائل الدستورية، أو أنهم يؤيدون استمرار العسكريين في الحكم بعد زوال الحالة المفترضة. ومن الخطأ تحويل قبول مشروط إلى تفويض مطلق، أو التعامل معه كأنه استفتاء على شرعية أي قيادة عسكرية وأي قرار تتخذه.

وفي الاتجاه المقابل، وافق 66% على أن تنمية البلاد لا تتحقق إلا إذا حوسب القادة على جرائمهم السابقة. وهذه النتيجة مهمة لفهم العلاقة بين الأمن والمساءلة: فالاستقرار في تصور غالبية المستجيبين لا ينفصل عن المحاسبة، ولا تكفي السيطرة العسكرية أو إعادة تشغيل المؤسسات لإغلاق ملف الانتهاكات. وبذلك تكشف بيانات ما قبل الحرب عن ثلاثة اتجاهات متزامنة: ثقة في القوات المسلحة لدى أكثر من نصف المستجيبين، وتفضيل واسع للانتخابات، ومطالبة قوية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم. ويكون الاستنتاج الأكثر اتزاناً أن الرأي العام قبل الحرب لم يمنح الجيش تفويضاً سياسياً غير مشروط، بل عبّر عن مزيج من الثقة المؤسسية والشك في الأداء العسكري وتفضيل الاختيار الانتخابي والاستعداد المشروط لقبول التدخل العسكري في حال فشل الحكم المنتخب (Mustun, 2025).

ويجب وضع هذه النتائج في سياقها التاريخي. فقد جاءت بعد الثورة التي أطاحت بعمر البشير في أبريل 2019، وبعد فترة من الشراكة بين المكونين العسكري والمدني، ثم انقلاب أكتوبر 2021 الذي عطل مسار الانتقال. كما جاءت في ظل التنافس على ترتيبات دمج قوات الدعم السريع في القوات المسلحة، وهو أحد الملفات التي تصاعد الخلاف حولها قبل اندلاع الحرب. غير أن المسح لا يثبت بمفرده أن هذه المواقف هي التي تسببت في الحرب، ولا أنه يمكن استنتاج دوافع قيادة أي طرف من إجابات المستجيبين. إنه يصف آراء الجمهور في لحظة سابقة، ويتيح تحديد التناقضات التي ينبغي لأي تفسير للحرب أن يأخذها في الاعتبار: المطالبة بالأمن، والشك في الحكم العسكري، وتراجع الثقة بالأحزاب، والتمسك بالانتخابات والمساءلة (Mustun, 2025).

الفصل الثالث: الحرب تغيّر معيار الحكم على الجيش من الذاكرة السياسية إلى التجربة اليومية

منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023، لم يعد تقييم الجيش مقتصراً على المواقف السابقة من المؤسسة العسكرية أو من الانقلاب والانتقال المدني، بل أصبح مرتبطاً بتجارب مباشرة تشمل حماية الأحياء، وتأمين طرق الخروج، والسيطرة على المناطق، واستمرار الخدمات، وحماية الممتلكات، والتعامل مع المدنيين، وإمكان العودة إلى المنازل. وقد ينتج عن هذه الخبرات تحول في اتجاهات الرأي، لكن تحديد حجمه واتجاهه يتطلب استطلاعات متكررة تقارن الأفراد أنفسهم أو عينات ممثلة على نحو متسق عبر الزمن. ولا تكفي الوقائع العسكرية وحدها لإثبات أن التأييد الشعبي ارتفع أو انخفض، لأن الأثر النفسي والسياسي للحدث الواحد قد يختلف بين شخص يعيش في منطقة استعاد الجيش السيطرة عليها، وآخر نزح منها، وثالث يقيم في منطقة تحت سيطرة الدعم السريع، ورابع يعيش خارج السودان ويتابع الأخبار من بعيد.

تتغير معايير الحكم الشعبي تبعاً للمخاطر التي يواجهها السكان. ففي المراحل التي يخشى فيها المدنيون انهيار الأمن أو سيطرة قوة مسلحة على مناطقهم، قد تزداد أهمية القدرة على الردع واستعادة الطرق وتأمين الأحياء. لكن استمرار القتال أو تكرار النزوح أو تدمير المساكن قد يدفع المواطنين إلى إعطاء أولوية أعلى لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين وإيصال المساعدات. وفي المناطق التي تتعرض فيها البنية التحتية للدمار، قد تصبح القدرة على إصلاح المياه والكهرباء وإعادة فتح المستشفيات والمدارس معياراً عملياً للحكم على أداء السلطة المسيطرة. ولا يوجد ما يبرر افتراض أن هذه المعايير تتبدل في اتجاه واحد لدى جميع السكان؛ فالمواطن قد يؤيد استعادة منطقة من الناحية الأمنية، لكنه يظل قلقاً بشأن الاعتقالات أو الانتقام أو استمرار انقطاع الخدمات.

ومن المهم أيضاً التمييز بين السيطرة العسكرية والشرعية السياسية. فاستعادة الجيش مدينة أو طريقاً أو منشأة استراتيجية يمكن أن تغير الظروف الأمنية وتؤثر في تقييم السكان لقدرته القتالية، لكنها لا تثبت وحدها أن السكان في تلك المنطقة يوافقون على استمرار الحكم العسكري أو على خيارات القيادة في إدارة المرحلة الانتقالية. وبالمثل، فإن تراجع السيطرة العسكرية في منطقة لا يعني بالضرورة أن السكان يفضلون الطرف الذي سيطر عليها؛ فقد يكون موقفهم مبنياً على الخوف، أو انعدام البدائل، أو الرغبة في النجاة، أو اعتبارات اجتماعية ومحلية لا تظهر في الخطاب السياسي العام. ولهذا فإن أي استنتاج عن الرأي العام يستند إلى الخرائط العسكرية أو البيانات الرسمية عن الانتصارات والهزائم، من دون مسوح مستقلة، يخلط بين النتيجة الميدانية والتفضيل السياسي.

كما أن الحرب لا تؤثر في المواطنين بالطريقة نفسها. فالنزوح القسري، وفقدان مصدر الدخل، وانقطاع التعليم، وصعوبة الحصول على الدواء، وفقدان أفراد الأسرة، والتعرض للعنف أو مشاهدة آثاره، كلها تجارب قد تغير الأولويات السياسية. لكن ليس من المنهج العلمي افتراض أن جميع المتضررين سيستنتجون النتيجة السياسية ذاتها؛ فقد يرى بعضهم أن استعادة سلطة الدولة شرط للأمن، ويرى آخرون أن وقف القتال شرط لأي استعادة، ويطالب فريق ثالث بمساءلة الأطراف جميعاً، بينما يركز آخرون على المساعدات والعودة وإعادة الإعمار. وتظهر هذه الاحتمالات أن الحرب لا تنتج بالضرورة اصطفافاً سياسياً بسيطاً، بل قد توسع التباين بين المواقف وتعيد ترتيب الأولويات على نحو يتغير بمرور الوقت.

وتعقّد الحرب عملية القياس نفسها. فالعينة التي تُجمع من المناطق الأكثر أماناً قد تستبعد سكاناً يواجهون أكبر المخاطر، في حين أن الوصول إلى المناطق الخاضعة للقتال قد يكون مستحيلاً أو محفوفاً بالتهديد. وقد لا يتمكن النازحون من المشاركة في الاستطلاع بسبب تنقلهم أو فقدان الاتصال أو عدم توافر مأوى ثابت. كما قد يتردد المستجيبون في التعبير عن رأيهم إذا اعتقدوا أن الإجابات ستصل إلى طرف مسلح أو جهة سياسية. وقد يؤدي انقطاع الإنترنت والكهرباء والاتصالات إلى استبعاد شرائح من المسوح الهاتفية أو الإلكترونية، بينما قد تعكس المقابلات المباشرة ظروفاً محلية لا يمكن تعميمها على بقية السودان. ومن ثم فإن أي تقدير للرأي العام أثناء الحرب يجب أن يعلن بوضوح من استطاع الباحثون الوصول إليه ومن بقي خارج العينة.

ولا يمكن، في ضوء هذه القيود، القول إن الرأي العام السوداني انتقل بصورة موحدة من تأييد الجيش قبل الحرب إلى تأييده أو معارضته بعدها. الأدلة المتاحة تسمح بوصف تجارب المدنيين واتجاهات بعض العينات، لكنها لا توفر سلسلة وطنية متجانسة تقيس التحول لدى المجتمع كله. ولذلك ينبغي تجنب عبارات مثل «الشعب كله مع الجيش» أو «السودانيون فقدوا الثقة بالجيش» ما لم تكن مدعومة بمسوح قابلة للمقارنة. والبديل العلمي هو وصف الفروق بين المناطق والفئات والخبرات، وتحديد ما تثبته البيانات وما لا تسمح باستنتاجه.

الفصل الرابع: النزوح وانهيار الخدمات والانتهاكات كما رصدها مؤشر الرأي العام العربي

يقدم مؤشر الرأي العام العربي لعام 2025، الذي نُشرت نتائجه في 13 فبراير 2026، أحد أهم المصادر الكمية المتاحة لفهم تجارب السودانيين خلال الحرب. وقد أُجري العمل الميداني الخاص بالسودان داخل البلاد في نوفمبر 2024، بينما شملت الجولة الإقليمية للمؤشر خمسة عشر بلداً عربياً، وبلغ مجموع المشاركين فيها 40,130 مستجيباً. واتبع المؤشر تصميماً عينياً متعدد المراحل والطبقات والعناقيد، مع مقابلات وجهاً لوجه. ويذكر التقرير هامش خطأ عاماً يتراوح بين ±2 و3 نقاط مئوية للجولة الإقليمية، لكن لا ينبغي نسبة هذا الهامش إلى العينة السودانية على وجه الخصوص من دون الرجوع إلى التفاصيل المنهجية الخاصة بها. كما ينبغي التمييز بين تاريخ العمل الميداني وتاريخ نشر التقرير؛ فنتائج السودان تعكس إجابات نوفمبر 2024، ولا تمثل قياساً مباشراً للرأي العام في أكتوبر 2026 (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

أفاد 47% من المستجيبين السودانيين بأنهم أو بعض أفراد أسرهم نزحوا منذ اندلاع الحرب. ومن بين الذين أبلغوا عن النزوح، قال 34% إنهم تمكنوا من العودة إلى منازلهم، بينما قال 66% إنهم لم يعودوا حتى وقت إجراء الاستطلاع. وذكر 38% من الذين لم يعودوا أنهم يقيمون لدى الأسرة الممتدة أو الأقارب، وقال 31% إنهم يستأجرون مساكن أخرى، وأفاد 15% بأنهم يقيمون في مراكز إيواء، بينما قال 11% إنهم يقيمون لدى معارفهم. وتكشف هذه الأرقام عن أثر يتجاوز الانتقال الجغرافي؛ إذ قد يؤدي النزوح إلى فقدان الاستقلال السكني، والاعتماد على الأقارب أو المساعدات، وتراجع الخصوصية، وتعطل التعليم والعمل، وصعوبة الوصول إلى الخدمات. لكنها لا تعني أن 47% من جميع السودانيين قد نزحوا بالضرورة، لأن النسبة تتعلق بالمستجيبين الذين شملهم الاستطلاع، ولأن تعريف التجربة في السؤال شمل النزوح الفردي أو نزوح بعض أفراد الأسرة أو جميعهم (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

وتتضح شدة الأزمة عند النظر إلى الخدمات الأساسية. فقد قال 58% من المستجيبين إن مياه الشرب كانت متاحة، بينما أبلغ 45% عن عدم توافر الكهرباء، وقال 58% إن إمدادات الغذاء لم تكن متاحة لهم. وأفاد 71% بأنهم لم يتمكنوا من الحصول على الأدوية التي يحتاجون إليها، في حين قال 72% إنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الرعاية الصحية عندما احتاجوا إليها. وهذه النتائج لا تقتصر على تقييم أداء مؤسسة بعينها، لكنها تشكل جزءاً من السياق الذي تتكون داخله أحكام المواطنين على قدرة الدولة والأطراف المسلحة على حماية الحياة اليومية. فحين يعجز الفرد عن الحصول على دواء ضروري أو الوصول إلى مستشفى، يصبح معيار الأمن أوسع من غياب الاشتباكات، ويشمل القدرة على الحركة والعلاج والحصول على الغذاء والمياه والكهرباء. ومع ذلك، لا يمكن نسبة هذه الإخفاقات كلها إلى طرف واحد استناداً إلى أرقام توافر الخدمات وحدها؛ إذ يتطلب تحديد المسؤوليات تحليل السيطرة الجغرافية، وحالة البنية التحتية، والقيود المفروضة على الإمدادات، وسلوك الأطراف، وقرارات الجهات المدنية والإنسانية (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

وتناول المؤشر كذلك تجارب الاعتداء على الممتلكات والمساكن والعنف والاعتقال. فقد قال 34% من المستجيبين إن ممتلكاتهم سُرقت، ومن بين الذين أبلغوا عن السرقة، نسب 89% المسؤولية إلى قوات الدعم السريع، و2% إلى الجيش، و7% إلى جهات أخرى، بينما لم يحدد 2% الجهة المسؤولة. وأفاد 23% بأن منازلهم اقتُحمت؛ ومن بين هذه الحالات، نسب 95% المسؤولية إلى قوات الدعم السريع، و1% إلى الجيش، ولم يحدد 4% الجهة المسؤولة. وقال 18% إن منازلهم احتُلت؛ ومن بين هذه الحالات، نسب 97% المسؤولية إلى قوات الدعم السريع، و1% إلى الجيش، ولم يحدد 2% الجهة المسؤولة. وتدل هذه الأرقام على أن نسبة كبيرة من المستجيبين الذين أبلغوا عن هذه التجارب نسبت المسؤولية إلى الدعم السريع، لكن لا ينبغي تحويل الإسناد الوارد في المسح إلى حكم قضائي نهائي على كل واقعة، كما لا ينبغي اعتبار نسب الإجابات تقديراً شاملاً لجميع حوادث السرقة أو اقتحام المنازل في السودان. إنها إفادات مستجيبين عن تجاربهم أو تجارب أسرهم، وتحتاج إلى وضعها إلى جانب التحقيقات المستقلة والأدلة الميدانية عند تحديد المسؤولية القانونية عن وقائع بعينها (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

وأفاد 17% بأنهم أو أحد أفراد أسرهم تعرضوا لهجوم من فصائل مشاركة في المعارك، بينما قال 82% إنهم لم يتعرضوا لذلك، وامتنع 1% عن الإجابة. ومن الذين أبلغوا عن التعرض للهجوم، نسب 94% المسؤولية إلى قوات الدعم السريع، و3% إلى الجيش، و3% لم يحددوا الجهة المسؤولة. وقال 9% إنهم أو أفراد أسرهم تعرضوا للاعتقال؛ ومن بين هذه الحالات، نسب 82% الاعتقال إلى قوات الدعم السريع، و16% إلى الجيش، و2% لم يحددوا الجهة المسؤولة. أما الاعتداء الجنسي، فقد قال 4% إنهم أو أحد أفراد أسرهم تعرضوا له؛ ومن بين هؤلاء، نسب 86% المسؤولية إلى الدعم السريع، و5% إلى الجيش، و9% لم يحددوا الجهة المسؤولة. وينبغي التعامل مع هذه الأرقام بحساسية منهجية وأخلاقية خاصة؛ إذ إن الإفصاح عن الاعتداء الجنسي قد يتأثر بالخوف والوصمة وصعوبة إجراء المقابلات في ظروف آمنة، كما أن العينة المسحية لا تمثل سجلاً شاملاً لجميع الضحايا. ولا يجوز استخدام النسب المحدودة الواردة في المسح للقول إن الاعتداءات النادرة إحصائياً في العينة نادرة بالضرورة في الواقع، أو للانتقاص من خطورة أي انتهاك. كما لا يجوز الاستنتاج من الإسناد الذاتي وحده أن المسؤولية الجنائية قد ثبتت على مستوى الأفراد أو القيادات (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

وتكشف هذه النتائج عن أهمية فصل ثلاثة أسئلة. السؤال الأول: ما التجارب التي قال المستجيبون إنهم تعرضوا لها؟ والسؤال الثاني: إلى أي جهة نسبوا المسؤولية عنها؟ والسؤال الثالث: ما الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه بشأن موقفهم السياسي من الجيش أو الدعم السريع؟ يجيب المؤشر مباشرة عن السؤالين الأول والثاني ضمن حدود العينة، لكنه لا يجيب تلقائياً عن السؤال الثالث. فمن الممكن أن ينسب مستجيب مسؤولية الاعتداء إلى الدعم السريع، وفي الوقت نفسه يطالب الجيش بحماية المدنيين أو وقف الانتهاكات أو العودة إلى الحكم المدني. ومن الممكن أيضاً أن يثق في قدرة الجيش على استعادة الأمن، لكنه يرفض ممارسات معينة أو يطالب بالتحقيق فيها. ولا تتضمن الأرقام المذكورة قياساً مباشراً لمستوى التأييد السياسي للجيش، ولذلك لا يجوز تقديمها باعتبارها نسبة تأييد أو رفض له.

وتقتضي المقارنة بين هذه النتائج ومسح الباروميتر الإفريقي مراعاة اختلاف التوقيت والأسئلة والغرض البحثي. فمسح الباروميتر الإفريقي قاس مواقف سياسية ومؤسسية قبل الحرب في ديسمبر 2022، بينما ركز الجزء السوداني من مؤشر الرأي العام العربي على تجارب الحرب والحرمان والنزوح والانتهاكات في نوفمبر 2024. ويمكن استخدام المصدرين معاً لبناء صورة تحليلية عن اختلاف السياق قبل الحرب وأثناءها، لكن لا يمكن طرح النسبتين في مقارنة مباشرة توحي بقياس تغير زمني دقيق؛ فالسؤال عن الثقة في الجيش ليس مكافئاً للسؤال عن التعرض للسرقة أو فقدان الخدمات. كما لا يمكن القول إن تجربة معينة أدت إلى تغير محدد في الثقة إلا إذا ربطت البيانات بين تجربة المستجيب وموقفه السياسي، أو توافرت مسوح متكررة تسمح بقياس هذا التغير.

وتبرز هنا أهمية التفاوت الجغرافي والاجتماعي. فالسودانيون الذين عاشوا القتال أو النزوح في الخرطوم أو دارفور أو الجزيرة أو كردفان أو مناطق أخرى لم يتعرضوا بالضرورة للظروف نفسها، كما تختلف خبرات من بقي في منزله عن خبرات من نزح داخلياً أو عبر الحدود. وتؤثر كذلك القدرة على الوصول إلى الغذاء والمياه والدواء، وتوافر شبكات الدعم الأسري، والوضع الاقتصادي السابق للحرب، والعمر والنوع الاجتماعي والإعاقة، في كيفية إدراك المخاطر وتقييم الاستجابة لها. ولا توفر النسب الإجمالية وحدها تفسيراً كاملاً لهذه الاختلافات. لذلك ينبغي أن تنشر الدراسات اللاحقة النتائج مفصلة حسب الولاية أو المنطقة متى سمحت السلامة وحجم العينة بذلك، وأن تميز بين النازحين وغير النازحين وبين من عادوا إلى مناطقهم ومن لم يتمكنوا من العودة، مع حماية الهوية الشخصية للمشاركين.

ولا تقتصر الدلالة السياسية لهذه البيانات على تقييم الأطراف المسلحة؛ فهي تشير أيضاً إلى أن استعادة الشرعية في السودان ستتطلب أكثر من تغيير السيطرة العسكرية. فعودة النازحين تحتاج إلى الأمن وإزالة المخاطر وإعادة الخدمات وحماية الممتلكات، واستعادة الثقة تحتاج إلى عدالة يمكن الوصول إليها وتحقيقات مستقلة وضمانات ضد الانتقام، وإعادة بناء الحياة اليومية تحتاج إلى توفير الماء والكهرباء والغذاء والدواء والرعاية الصحية. وقد تنجح قوة مسلحة في تحقيق مكسب ميداني، لكنها لا تضمن بذلك استعادة الثقة المدنية إذا ظل السكان عاجزين عن العودة أو الحصول على الخدمات أو معرفة مصير ممتلكاتهم. وفي المقابل، فإن توفير الخدمات وحده لا يعوض عن المساءلة عن الانتهاكات، لأن المؤشر نفسه يبين أن تجارب السرقة والاقتحام والاعتقال والعنف جزء من ذاكرة الحرب التي ستؤثر في الثقة بالمؤسسات بعد توقف القتال (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

الفصل الخامس: دراسة جامعة ستانفورد «رؤى سودانية» وحدود ما يمكن استنتاجه منها

نشر مختبر الديمقراطية التداولية في جامعة ستانفورد في 5 أغسطس 2024 وصفاً لدراسة «رؤى سودانية»، التي استهدفت فهم مواقف السودانيين من قضايا سياسية وأمنية مؤثرة في البلاد، مع اهتمام خاص بالحرب الجارية والأطراف المعنية بها والتصورات المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب. وشملت موضوعات الدراسة الأمن والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة، كما سعت إلى التعرف على توقعات المشاركين بشأن السيناريوهات المحتملة بعد الحرب، وتصوراتهم لشكل الحكم الذي يأملون فيه مستقبلاً. وجاء الاستطلاع تحضيراً لتمرين لاحق في الديمقراطية التداولية، أي نهج يهدف إلى إتاحة النقاش المنظم بين المواطنين حول قضايا عامة، وليس مجرد جمع إجابات منفصلة عن تفضيلاتهم (Stanford University, 2024).

أُجريت المقابلات وجهاً لوجه باللغة العربية بين 3 و11 يونيو 2024، باستخدام منصة لجمع البيانات، واستهدفت بالغين تبلغ أعمارهم 18 عاماً فأكثر ويعيشون في أسر اعتيادية. وبلغ إجمالي العينة 300 مشارك، بواقع 60 مشاركاً من عاصمة كل ولاية من الولايات الخمس المشمولة: نهر النيل، والبحر الأحمر، والجزيرة، وشمال دارفور، وجنوب كردفان. واختيرت ست محليات من كل عاصمة بطريقة شبه عشوائية، وأُجريت مقابلات مع عشرة مشاركين من كل محلية. وتكونت العينة النهائية من 150 رجلاً و150 امرأة، وذكر وصف الدراسة أن هامش خطأ المعاينة بلغ 3.5%. ونفذت المقابلات مؤسسة متخصصة في إجراء المسوح في إفريقيا جنوب الصحراء (Stanford University, 2024).

وتمنح هذه المنهجية الدراسة قيمة مهمة لأنها لم تقتصر على منطقة واحدة، وشملت خمس ولايات ذات سياقات مختلفة، واستخدمت المقابلات المباشرة باللغة العربية، وحققت توازناً عددياً بين الرجال والنساء. كما أن أسئلتها لم تقتصر على طرفي الحرب، بل شملت الأمن والديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان ومستقبل الحكم. وهذا الاتساع الموضوعي يجعلها ذات صلة مباشرة بتحليل العلاقة بين الموقف من الحرب والموقف من الجيش والدولة والنظام السياسي. لكن وصف الدراسة المنشور يوضح أيضاً قيوداً أساسية: فقد استبعدت المناطق ذات المخاطر الأمنية المرتفعة، ولم تشمل مخيمات النازحين أو تجمعات اللاجئين، واقتصرت على عواصم الولايات المختارة. لذلك لا تمثل العينة جميع السودانيين، ولا سيما الأشخاص الذين تعرضوا لأشد درجات النزوح أو يعيشون في مناطق يتعذر الوصول إليها أو تخضع لظروف أمنية مختلفة (Stanford University, 2024).

ومن الضروري هنا تصحيح نقطة منهجية كثيراً ما تُغفل عند تداول اسم الدراسة: الصفحة المنشورة التي تعرض «رؤى سودانية» تقدم الغرض من المسح وتصميمه وتوزيعه الجغرافي وتركيبته الديموغرافية وتاريخ المقابلات، لكنها لا تعرض في نصها المنشور النتائج الكمية التفصيلية لكل سؤال. وبناءً على ذلك، لا يصح اختلاق نسب لتأييد الجيش أو رفضه، أو نسب لتفضيل وقف إطلاق النار، أو أرقام عن تفضيلات الحكم بعد الحرب، ثم نسبتها إلى ستانفورد من دون الرجوع إلى جدول النتائج أو التقرير الكامل والتحقق منه. فذكر أن الدراسة سألت عن مواقف السودانيين تجاه الحرب والأطراف والسيناريوهات المستقبلية لا يعني أن جميع نتائج هذه الأسئلة متاحة في ملخصها المنشور. والأمانة العلمية تقتضي التفريق بين النتائج التي يعلنها المصدر فعلاً وبين الموضوعات التي صمم المسح لدراستها (Stanford University, 2024).

ولا ينبغي كذلك التعامل مع هامش خطأ المعاينة البالغ 3.5% باعتباره ضماناً بأن نتائج الدراسة تمثل جميع سكان السودان ضمن هذا الهامش. فهامش الخطأ التقليدي يتعلق بتقلبات المعاينة وفق افتراضات إحصائية معينة، لكنه لا يلغي تحيز التغطية الناتج عن استبعاد مخيمات النازحين واللاجئين والمناطق الأعلى خطراً، ولا يضمن أن الاختيار شبه العشوائي داخل العواصم يعكس التوزيع الوطني للسكان، ولا يعالج احتمال امتناع أشخاص عن المشاركة أو إخفائهم مواقفهم خوفاً من العواقب. كما أن العدد الإجمالي البالغ 300 مشارك يجعل تحليل الفئات الفرعية الصغيرة أكثر حساسية للتقلبات، خاصة إذا قُسمت النتائج حسب الولاية والعمر والنوع الاجتماعي والتجربة الشخصية للنزوح في الوقت نفسه.

ومع هذه القيود، تقدم الدراسة إطاراً مهماً لما ينبغي أن يتضمنه البحث في الرأي العام أثناء الحرب. فالسؤال عن الأمن يجب أن يُربط بالسؤال عن حقوق الإنسان، والسؤال عن الطرف الذي يفضله المستجيب يجب أن يُفصل عن السؤال عن شكل الحكم الذي يريده، والسؤال عن نهاية الحرب يجب أن يُفصل عن السؤال عن المساءلة والعدالة. وقد يكون الشخص راغباً في انتهاء القتال فوراً، لكنه لا يقبل تسوية تعيد إنتاج الإفلات من العقاب؛ وقد يؤيد استعادة سلطة الدولة، لكنه يفضل أن تخضع القوات المسلحة لسلطة مدنية؛ وقد يرفض الحكم العسكري، لكنه يرى ضرورة وجود جيش مهني موحد يحمي البلاد. وتسمح هذه الأسئلة المركبة بفهم مواقف المواطنين على نحو أدق من الاستقطاب الثنائي الذي يفرض عليهم الاختيار بين تأييد طرف مسلح ورفض الطرف الآخر.

ومن ثم، فإن الاستخدام السليم لدراسة ستانفورد في المقال لا يتمثل في نسب نتائج كمية غير منشورة إليها، بل في عرض نطاقها الموضوعي ومنهجيتها وحدود تمثيلها، ثم مقارنتها بمصادر أخرى تتوافر فيها نتائج كمية منشورة. ويظل من الضروري الحصول على التقرير الكامل أو ملف النتائج للتحقق من النسب الفعلية المتعلقة بمواقف المشاركين من الحرب والجيش والدعم السريع والعدالة والديمقراطية. وإلى أن تتاح تلك البيانات بصورة قابلة للفحص، ينبغي الاكتفاء بما تؤكده الصفحة المنشورة، وعدم تحويل وجود سؤال في الاستبيان إلى نتيجة بحثية غير موثقة.

الفصل السادس: الاستقطاب السياسي والاجتماعي والحرب على المعلومات

لا تتشكل المواقف تجاه الجيش في فراغ، بل داخل بيئة سياسية واجتماعية تتنافس فيها الروايات حول أسباب الحرب ومسؤوليات أطرافها ومستقبل الدولة. وقد نشر المعهد الدولي للتحولات المتكاملة في نوفمبر 2025 دراسة بعنوان «الاستقطاب في السودان: نتائج مسح للتصورات»، أعدتها مريم السودي وسميّة تمبال. وتصف الدراسة الاستقطاب بأنه سمة معطلة للمشهد السياسي والاجتماعي السوداني، ذات جذور في عقود من الحكم الإقصائي والانقسامات القائمة على الهوية، تفاقمت مع الحرب التي بدأت في أبريل 2023، وأصبحت تؤثر في الحياة اليومية والثقة وإمكانات السلام. وأُجري المسح بواسطة مجموعة التفكير السودانية التابعة للمعهد، بدعم من مختبر الذكاء الاصطناعي المدني في جامعة نورث إيسترن. وأعلن المعهد أن النتائج ستُستخدم في مراحل لاحقة تشمل مجموعات نقاش مع مجتمعات متنوعة للتحقق من السياق، وإعداد أدوات مخصصة لتخفيف الاستقطاب في السودان (Alsoudi and Tambal, 2025).

لكن وصف الدراسة المنشور لا يعرض نسباً كمية مفصلة تسمح بتحديد نسبة السودانيين الذين يثقون في الجيش أو يرفضونه، ولا يقدم في الملخص المنشور توزيعاً رقمياً يمكن استخدامه لإثبات حجم تأييد طرف مسلح بعينه. ولذلك ينبغي استخدام الدراسة بوصفها تحليلاً لظاهرة الاستقطاب ومنهجاً لفهم أثر الانقسامات على الثقة والحياة اليومية، لا مصدراً لنسب غير منشورة. كما أن الإشارة إلى جذور الاستقطاب في الحكم الإقصائي والانقسامات المرتبطة بالهوية لا تعني أن الحرب نتجت عن سبب واحد أو أن جميع الانقسامات متساوية في طبيعتها أو آثارها. بل تشير إلى ضرورة تحليل العلاقة بين الإرث السياسي السابق والحرب الحالية، مع التمييز بين العوامل البنيوية طويلة المدى والقرارات المباشرة التي أدت إلى اندلاع القتال واستمراره (Alsoudi and Tambal, 2025).

ويؤثر الاستقطاب في كيفية تفسير المواطن للوقائع. فقد تُقبل الرواية التي تصدر عن الطرف الذي يؤيده من دون تحقق كافٍ، بينما تُرفض رواية الطرف المقابل حتى عندما تتوافر أدلة مستقلة تدعم أجزاء منها. وقد تتحول المطالبة بالتحقيق في انتهاك إلى اتهام بالخيانة، أو يُصوَّر الحديث عن حماية المدنيين ووقف الحرب باعتباره دعماً للطرف الخصم. وفي مثل هذه البيئة، لا يصبح الخلاف حول الوقائع وحدها، بل حول هوية المتحدث وولائه المفترض أيضاً. ويؤدي ذلك إلى تضييق المجال المتاح للنقاش العام، ويجعل تقييم أداء الجيش أو الدعم السريع محكوماً في بعض الحالات بالانتماء السياسي أكثر من الأدلة المتاحة.

ويزيد هذا الاستقطاب من أهمية الفصل بين النقد السياسي والتأييد العسكري. فانتقاد قرار اتخذته قيادة الجيش لا يثبت تأييد الدعم السريع، كما أن إدانة انتهاك منسوب إلى الدعم السريع لا تعني تأييد جميع قرارات الجيش. ولا يمكن أن تقوم المساءلة على مبدأ أن الانتهاك يصبح مقبولاً إذا ارتكبه الطرف الذي يراه الشخص ضرورياً في الحرب. فالمعيار القانوني والأخلاقي لحماية المدنيين لا ينبغي أن يتغير بحسب هوية مرتكب الانتهاك أو الخصم السياسي الذي قد يستفيد من كشفه. كما أن الموقف الرافض للحرب لا يتطابق بالضرورة مع موقف مؤيد لأي من الطرفين، بل قد يستند إلى اعتبار أن استمرار القتال يهدد المجتمع والدولة معاً.

الدعاية الرقمية والتضليل: كيف تُصنع صورة الجيش وأطراف الحرب؟

تتناول دراسة سلمى العُبيد المنشورة في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية في 15 أبريل 2026 الحرب الدعائية الرقمية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع. وتوضح الدراسة أن التنافس على تشكيل رواية الحرب في وسائل الإعلام التقليدية والاجتماعية جعل التمييز بين المعلومات الصحيحة والكاذبة والمحرّفة أكثر صعوبة، وأن ضعف التغطية الصحفية الميدانية سهّل انتشار الأخبار الزائفة والمضللة. وتبحث الدراسة في الجهات التي تنتج الدعاية وأدواتها وأساليبها وخطابها وآثارها السياسية والإنسانية، وتوضح أن الجيش والدعم السريع عملا على تشكيل روايتيهما عن الحرب من خلال شبكات واسعة من المؤيدين، واستخدما أساليب تشمل التضليل والرقابة، لكنهما لم يعودا قادرين على السيطرة الكاملة على تدفق المعلومات (El Obeid, 2026).

وتشير الدراسة إلى أن منصتي فيسبوك وإكس من أبرز المنصات المستخدمة في المجال العام السوداني، وأن من الأنماط البارزة لصانعي المحتوى أصحاب البث المباشر ومنتجو مقاطع الفيديو على يوتيوب. وتضم شبكات المؤيدين أفراداً يتحركون بدافع قناعة سياسية أو عسكرية، إلى جانب آخرين قد تحركهم الأرباح أو المصالح أو الأجندات الخفية. كما تتداخل حسابات السياسيين والعسكريين والمؤثرين والمتابعين في شبكات تبادل معقدة تتضمن الخصومات والدعاية والمعلومات المضللة. وتخلص الدراسة إلى أن حملات الدعاية أثرت بعمق في المجتمع والمشهد السياسي، وأضعفت الوحدة الوطنية، وعطلت جهود السلام، وأسهمت في إطالة أمد الحرب (El Obeid, 2026).

ولا تعني هذه النتائج أن كل محتوى مؤيد للجيش أو للدعم السريع كاذب، أو أن كل حساب ينشر أخباراً عسكرية يعمل بتوجيه مباشر من طرف مسلح. فالتمييز الضروري هنا هو بين المعلومة الموثقة والدعاية، وبين الخطأ غير المتعمد والتضليل المتعمد، وبين الحسابات ذات النشاط المنسق والمستخدمين الأفراد الذين يعيدون نشر محتوى من دون معرفة مصدره. كما أن وجود حملة تضليل لا يثبت وحده أن كل رواية صادرة عن الجهة المستهدفة بها خاطئة. ولذلك ينبغي فحص كل ادعاء على حدة، والتحقق من زمن الصورة ومكانها ومصدرها، ومقارنة المعلومات بالمصادر المستقلة، وتجنب الاستنتاج من عدد المشاركات أو الإعجابات أن المحتوى يعكس رأي غالبية السودانيين.

وتقدم مؤسسة طومسون في تقرير «التلاعب بالمعلومات في السودان: تقييم أساسي للجهات الفاعلة والروايات والتكتيكات»، الذي أُعلن في 8 يناير 2026، تحليلاً إضافياً لبيئة المعلومات خلال الحرب. وأعدت التقرير عائدة القيسي وأمل حمدان بالتعاون مع منصة أنداريا وصحفيين ومنظمات مدنية سودانية، بدعم من وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية. ويشير التقرير إلى أن التلاعب بالمعلومات أصبح عنصراً متكرراً في الحرب، وأن خطاب الكراهية والروايات الكاذبة قد يسبقان العنف الميداني، ويسهمان في استهداف الصحفيين ومنظمات المجتمع المدني وتعطيل العمل الإنساني. كما يرصد استخدام شبكات منسقة وأساليب تختلف بحسب المنصة، ومحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي في بعض الحالات، وتضخيماً للروايات بواسطة جهات أجنبية أو شبكات إعلامية إقليمية. وتؤكد المؤسسة أن التلاعب بالمعلومات ليس مجرد أثر جانبي للحرب، بل أصبح جزءاً من استراتيجياتها (Al-Kaisy and Hamdan, 2026).

وتتصل هذه النتائج بالرأي العام تجاه الجيش من خلال تأثير المعلومات في تقدير الأداء العسكري والإنساني. فقد ينتشر ادعاء غير متحقق عن تحرير مدينة أو خسارة موقع، أو تُستخدم صورة قديمة بوصفها دليلاً على واقعة جديدة، أو يُنشر تقرير عن خسائر بشرية من دون توثيق مستقل. وقد يؤدي نشر معلومات كاذبة عن ممر آمن أو منطقة إيواء إلى تعريض المدنيين للخطر، بينما قد يساهم خطاب يتهم فئة سكانية كاملة بالتعاون مع طرف مسلح في تبرير التمييز أو الانتقام ضدها. وفي المقابل، قد تُستخدم الاتهامات العامة بالتضليل لرفض أدلة حقيقية على انتهاكات. ولهذا فإن مواجهة التضليل لا تتحقق بتأييد رواية رسمية بديلة دون تحقق، بل ببناء قواعد مستقلة لفحص الأدلة وتصحيح المعلومات ونشر نتائج التحقيق بشفافية.

وتضيف وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، في قسم المعلومات القُطرية الخاص بالسودان الصادر ضمن تقريرها في أكتوبر 2026، تفاصيل عن تدهور البيئة الإعلامية والقيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات. وتوضح الوكالة أن البيئة الإعلامية التي شهدت قدراً من التعددية بعد الثورة تحولت إلى ساحة موازية للمعركة، وأن الأطراف المتحاربة فرضت قيوداً على تدفق المعلومات والاتصال بالإنترنت، بينما أدت الأعطال الواسعة وانقطاع الكهرباء إلى تراجع القدرة على الوصول إلى الأخبار والخدمات. وأشارت الوكالة إلى أن نحو 90% من البنية التحتية الإعلامية المحلية دُمّر أو أُغلق قسراً أو أصبح خاضعاً لسيطرة أطراف الحرب، وفق ما نقلته عن مصادرها. كما ذكرت أن 27 صحيفة و32 محطة إذاعية وثماني محطات تلفزيونية توقفت عن العمل بعد اندلاع الحرب، وفقاً لنقابة الصحفيين السودانيين (وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، 2026).

وبحسب تقديرات نقلتها الوكالة عن منتدى الإعلام السوداني، فرّ أكثر من 400 صحفي من البلاد حتى نوفمبر 2025، ولم يبقَ داخل السودان في عام 2025 سوى نحو 250 إلى 300 صحفي نشط، مقارنة بما لا يقل عن 1500 قبل الحرب، وكان نحو 70 صحفياً يعملون في مناطق النزاع. ولا تعني هذه الأرقام أن كل الصحفيين الذين غادروا توقفوا عن العمل، لكنها توضح أن قدرة الصحافة الميدانية على التحقق من الوقائع أصبحت شديدة التقييد. وفي ظل هذا الفراغ، يعتمد كثير من المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية العربية، ما يزيد أهمية التحقق من المصادر ومراعاة الفروق بين التغطية المستقلة والدعاية المنظمة (وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، 2026).

وتوثق الوكالة كذلك انقطاعات متكررة للاتصالات، بما في ذلك حالات انقطاع واسعة خلال عامي 2024 و2025، وإجراءات لتقييد خدمات اتصال عبر تطبيقات المراسلة في يوليو 2025. كما تشير إلى أن انقطاع الإنترنت عرقل عمل غرف الاستجابة للطوارئ التي اعتمدت على مجموعات التواصل لتنسيق الإجلاء وتحديد الطرق الآمنة وتوفير الاحتياجات الأساسية. وتذكر أن صفحات على فيسبوك ظهرت في مايو 2025 تحت مسميات من قبيل «بلّغ عن متعاون»، وأنها أتاحت اتهام أفراد بالتعاون مع أحد الأطراف استناداً إلى الشكوك أو الانتماء الجغرافي أو الإثني، ووصفتها مجموعة «محامو الطوارئ» بأنها أداة لاضطهاد المدنيين. كما أشارت إلى تداول مقاطع قديمة معاد استخدامها، وتقارير كاذبة عن الخسائر، ومحتوى دعائي ومقاطع مزيفة، وخطاب تحريضي يستهدف مجتمعات دارفورية ونوباوية، وإلى اتهامات متبادلة بين الأطراف بشأن المنظمات الإنسانية (وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، 2026).

ولا يجوز استخدام تقرير الوكالة لإثبات أن كل الانقطاعات أو حملات التضليل صدرت عن جهة واحدة؛ إذ يصف التقرير ممارسات متعددة تشمل أطراف الحرب وشبكات داعمة لها وجهات أخرى. كما لا يثبت أن كل منشور مضلل قد غيّر فعلاً موقف الجمهور من الجيش أو الدعم السريع. لكنه يبين أن البيئة التي تتشكل فيها الآراء أصبحت أقل شفافية، وأن الوصول إلى المعلومات الموثوقة يتفاوت مكانياً واجتماعياً. ويعني ذلك أن استطلاعات الرأي التي تُجرى في ظل الحرب تحتاج إلى أسئلة عن مصادر المعلومات والثقة بها، وإلى إجراءات تمنع تأثير الدعاية والتهديدات في الإجابات.

سبع روايات شائعة ينبغي اختبارها بدلاً من تكرارها

أولاً، القول إن «كل السودانيين يقفون مع الجيش» ادعاء لا تثبته الأدلة المتاحة؛ فالمسح السابق للحرب أظهر أن 53% قالوا إنهم يثقون في القوات المسلحة، لكنه أظهر أيضاً أن 50% عارضوا الحكم العسكري وأن 77% فضّلوا الانتخابات. ولا يمكن تحويل نسبة الثقة إلى إجماع وطني، ولا تعميمها على ظروف الحرب اللاحقة (Mustun, 2025).

ثانياً، القول إن «انتقاد الجيش يعني تأييد الدعم السريع» يخلط بين تقييم مؤسسة وبين تأييد خصمها. فالمواطن يستطيع رفض انتهاك منسوب إلى الجيش، أو الاعتراض على قرار لقيادته، مع رفض انتهاكات الدعم السريع والمطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم أياً كانت الجهة التي ينتمون إليها. ولا يمكن معرفة موقف الفرد من أحد الطرفين بمجرد معرفة موقفه النقدي من الطرف الآخر.

ثالثاً، القول إن «الجيش لا يرتكب انتهاكات، أو إن كل اتهام له مفبرك» تعميم لا يمكن إثباته بهذه الصيغة المطلقة. وفي المقابل، لا يصح اعتبار كل اتهام منشور حقيقة مثبتة دون تحقيق. والمنهج السليم هو فحص كل واقعة على حدة، وتحديد زمنها ومكانها، وتقييم الأدلة المتاحة، والتمييز بين التقارير الأولية والتحقيقات المستقلة والاستنتاجات القضائية.

رابعاً، القول إن «كل الأخبار الرسمية عن الانتصارات حقائق مؤكدة» يتجاهل أن المعلومات العسكرية قد تكون ناقصة أو متضاربة أو متأثرة بالحرب الدعائية. ويجب التحقق من الأخبار المتعلقة بالسيطرة على المدن والمواقع والخسائر وفتح الطرق من مصادر متعددة ومستقلة متى أمكن، مع توضيح ما لم يتسنَّ التحقق منه.

خامساً، القول إن «كل دعوة إلى وقف الحرب تخدم الدعم السريع» لا يستند إلى منطق لازم أو دليل عام. فالدعوة إلى وقف إطلاق النار قد تنبع من الرغبة في حماية المدنيين وإيصال المساعدات وعودة النازحين، ويمكن في الوقت نفسه أن تتضمن المطالبة بانسحاب القوات من المناطق المدنية والمساءلة عن الانتهاكات. ويجب تقييم مقترحات وقف الحرب وفق شروطها وآليات مراقبتها وضماناتها، لا وفق اتهام مسبق لكل من يدعو إليها.

سادساً، القول إن «منشورات وسائل التواصل تكشف رأي السودانيين الحقيقي» يتجاهل أن المستخدمين النشطين ليسوا عينة ممثلة للمجتمع، وأن الحسابات قد تكون منسقة أو مجهولة أو مدفوعة، وأن الخوف والضغط الاجتماعي والانقطاع الرقمي يؤثرون في ما ينشره الناس. وتوضح دراسات الدعاية في السودان أن الشبكات الرقمية تتضمن مؤيدين حقيقيين وأطرافاً تحركها الأرباح أو الأجندات، وأن التضليل يحد من إمكان اعتبار التفاعل الرقمي مؤشراً مباشراً على الرأي العام (El Obeid, 2026; Al-Kaisy and Hamdan, 2026).

سابعاً، القول إن «الانتصار العسكري يحسم الشرعية السياسية» يخلط بين السيطرة الميدانية والحق الدستوري في الحكم. فقد يكون للجيش دور حاسم في الدفاع عن الدولة، لكن ذلك لا يحسم وحده شكل النظام السياسي بعد الحرب أو حدود اختصاص المؤسسة العسكرية. وتشير بيانات ما قبل الحرب إلى أن الثقة في الجيش تزامنت مع تفضيل الانتخابات والمطالبة بالمحاسبة، ما يوضح أن الشرعية السياسية لا تختزل في القدرة العسكرية (Mustun, 2025).

وللتحقق من الأخبار العسكرية والإنسانية، ينبغي حفظ النسخة الأصلية من المحتوى وتاريخ نشره، والبحث عن مصدره الأول، وفحص ما إذا كانت الصور أو المقاطع قديمة أو مأخوذة من مكان آخر، ومقارنة الادعاء بتقارير مستقلة، وطلب تعليق من الجهات المعنية عند الإمكان، ونشر تصحيح واضح إذا ظهرت معلومات جديدة. كما ينبغي الامتناع عن نشر أسماء المدنيين أو مواقعهم أو صورهم إذا كان ذلك قد يعرضهم للانتقام. ولا يكفي وضع عبارة «غير مؤكد» على خبر خطير ثم تداوله؛ بل يجب توضيح ما هو معلوم وما هو غير معلوم، وما الأدلة التي تدعم الادعاء أو تنقضه.

الفصل السابع: لماذا تتغير المواقف؟ تفسير مركب بين الأمن والأداء والمساءلة والانتماء

لا توجد قاعدة علمية تتيح افتراض أن الحرب تجعل الجمهور أكثر تأييداً للجيش بصورة آلية، أو أنها تؤدي بالضرورة إلى تراجع الثقة به. فقد يؤدي الخطر المشترك إلى التفاف بعض المواطنين حول مؤسسة يرونها ضرورية لحماية الدولة، وقد يؤدي الإخفاق في الحماية أو استمرار الحرب أو التعرض للانتهاكات إلى تراجع الثقة لدى آخرين. ويمكن أن يتغير الموقف ذاته لدى الشخص الواحد بمرور الوقت: فقد يعطي الأولوية لاستعادة الأمن في مرحلة، ثم يطالب بوقف القتال عندما تصبح كلفته على أسرته ومجتمعه أعلى، ثم يركز على العدالة والعودة وإعادة الإعمار بعد تراجع الاشتباكات. ومن دون قياس متكرر، لا يمكن معرفة مدى انتشار هذه المسارات أو تحديد أيها أكثر شيوعاً.

يفترض التفسير الأول أن التهديد الأمني قد يعزز الثقة في المؤسسة العسكرية بوصفها جهة يُنتظر منها الدفاع عن الدولة. ويكون هذا الاحتمال أكثر معقولية عندما يرى المواطن أن الجيش قادر على حماية السكان، أو استعادة طرق الحركة، أو منع هجوم على منطقته. لكنه يظل فرضية تحتاج إلى اختبار، لا حقيقة يمكن تعميمها على جميع المناطق. فقد يؤدي التهديد نفسه إلى تراجع الثقة إذا اعتقد السكان أن القيادة لم تستعد للحرب، أو عجزت عن حمايتهم، أو اتخذت قرارات زادت المخاطر التي يواجهونها. ولذلك يجب قياس التغير في الثقة بالتوازي مع قياس التجربة الأمنية الفعلية، لا استنتاجه من طبيعة الحرب وحدها.

ويفترض التفسير الثاني أن تأييد الجيش، حين يوجد، قد يكون تأييداً مشروطاً بالأداء وليس تفويضاً سياسياً مطلقاً. وقد يتوقف هذا التأييد على القدرة على حماية المدنيين، وتحسين الوضع الأمني، ومنع الانتهاكات، وضمان وصول المساعدات، واحترام القانون، وإتاحة انتقال سياسي ذي مصداقية. وتدعم نتائج ما قبل الحرب ضرورة اختبار هذا التفسير؛ إذ اجتمعت الثقة في القوات المسلحة لدى 53% مع شكوك واسعة في قدرة الحكم العسكري على تقليل التفاوت في الدخل ومحاسبة المسؤولين عن قتل المتظاهرين ومكافحة الفساد وتحسين الاقتصاد واستعادة السلام (Mustun, 2025). لكن المسح السابق للحرب لا يثبت بمفرده أن التأييد أثناء الحرب مشروط بالمعايير نفسها، ولذلك ينبغي قياسها مباشرة في المسوح اللاحقة.

ويفترض التفسير الثالث أن الاستقطاب والضغط الاجتماعي يؤثران في التصريحات العلنية وفي الإجابات التي يقدمها المشاركون للباحثين. ففي بيئة يتعرض فيها المدنيون لاتهامات بالخيانة أو التعاون مع طرف مسلح، قد يصبح الإفصاح عن الرأي الحقيقي محفوفاً بالمخاطر. وقد يختار بعض الناس الصمت، أو تقديم إجابة يعتقدون أنها أكثر أماناً، أو تجنب المشاركة في النقاش العام. وتؤكد دراسة الاستقطاب في السودان أن الانقسامات السياسية والاجتماعية المتراكمة، التي تفاقمت مع الحرب، تؤثر في الثقة والحياة اليومية وتحد من إمكانات السلام (Alsoudi and Tambal, 2025). لكن هذه الخلاصة العامة لا تحدد مقدار التحيز في إجابات استطلاع معين، ولذلك يجب أن تتضمن الدراسات الميدانية أسئلة عن شعور المشاركين بالأمان والثقة بسرية الإجابات.

أما التفسير الرابع فيتعلق بالتفاوت الجغرافي والاجتماعي. فالنتيجة التي يخلص إليها مستجيب يعيش في منطقة تشهد اشتباكات مستمرة قد تختلف عن نتيجة مستجيب في منطقة أكثر استقراراً، كما قد تختلف خبرة النازح الذي فقد منزله عن خبرة من بقي في مسكنه. وتؤكد بيانات مؤشر الرأي العام العربي أن النزوح والحرمان من الخدمات كانا جزءاً من التجربة المعيشية لعدد كبير من المستجيبين، وأن نسباً مرتفعة أبلغت عن صعوبة الحصول على الأدوية والرعاية الصحية والغذاء والكهرباء (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026). غير أن هذه البيانات لا تكفي وحدها لإثبات أن النزوح أدى إلى تأييد الجيش أو معارضته؛ إذ يلزم ربط التجربة الفردية بإجاباته السياسية، مع مراعاة الفروق السابقة للحرب.

ويتمثل التفسير الخامس في أثر المعلومات والدعاية. فالتعرض المتكرر لرواية معينة قد يؤثر في تقدير الفرد للأحداث، ولا سيما عندما تكون التغطية المستقلة محدودة، ويصعب الوصول إلى مصادر متعددة، وتنتشر المقاطع المعاد تدويرها والتقارير غير المتحققة. وتوضح دراسة الدعاية الرقمية أن الجيش والدعم السريع وشبكات مؤيديهما تنافسوا على تشكيل رواية الحرب، وأن التضليل والرقابة وتداخل المصالح السياسية والمالية أسهمت في تعقيد البيئة المعلوماتية (El Obeid, 2026). ويبين تقرير مؤسسة طومسون أن حملات التلاعب بالمعلومات قد ترتبط بخطاب الكراهية واستهداف المدنيين وتعطيل العمل الإنساني (Al-Kaisy and Hamdan, 2026). ومع ذلك، فإن وجود الدعاية لا يعني أن الجمهور يتلقاها بصورة سلبية دائماً أو أن كل تغير في الرأي سببه التضليل؛ فالمواطنون يختلفون في مصادرهم وخبراتهم وقدرتهم على التحقق.

ويضيف التفسير السادس أثر الأوضاع الاقتصادية والخدمية. فقد أظهر مسح ما قبل الحرب أن الاقتصاد والصحة والتعليم كانت من أبرز أولويات المواطنين، بينما أظهر مؤشر الرأي العام العربي صعوبات واسعة في الوصول إلى الدواء والرعاية الصحية والغذاء والكهرباء خلال الحرب (Mustun, 2025; المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026). ومن المعقول أن تؤثر هذه الظروف في تقييم أداء المؤسسات المسيطرة، لكن تحديد اتجاه التأثير يحتاج إلى بيانات تربط بين توافر الخدمات وموقف الفرد من الجيش والحكومة والأطراف المسلحة. فقد يحمّل المواطن طرفاً مسؤولية تدمير الخدمات، أو يقيّم طرفاً آخر على أساس قدرته على إعادة تشغيلها، أو يرى أن انهيارها نتج عن تفاعل عوامل عدة.

والتفسير الأكثر اتزاناً هو تفسير مركب يجمع بين الأمن والأداء والخبرة الشخصية والاستقطاب والمعلومات والاقتصاد والتوقعات السياسية. ولا يعني ذلك أن جميع العوامل متساوية التأثير، بل إن ترتيبها النسبي قد يتغير بحسب المنطقة والمرحلة والفئة الاجتماعية. ففي مكان معين قد تكون الحماية من العنف هي المعيار الأهم، وفي مكان آخر قد يكون النزوح وفقدان الدخل هو العامل الأكثر تأثيراً، بينما قد تهيمن المساءلة والانتقال المدني في أوساط أخرى. ومن ثم لا يمكن اختزال الرأي العام في عامل واحد، كما لا يجوز استخدام تفسير معقول نظرياً بديلاً عن البيانات.

الفصل الثامن: كيف يُبنى مرصد مستقل للرأي العام في السودان؟

تتطلب معالجة الفجوات البحثية إنشاء مرصد مستقل للرأي العام السوداني، أو برنامج بحثي متعدد المؤسسات يعمل وفق قواعد شفافة ومعلنة، بعيداً عن السيطرة المباشرة للأطراف المتحاربة. ولا يكفي نشر استطلاع واحد عند وقوع حدث عسكري كبير؛ بل ينبغي بناء سلسلة زمنية تسمح بمقارنة المواقف عبر المراحل المختلفة، مع الحفاظ على ثبات الأسئلة الأساسية وإضافة أسئلة جديدة عندما تتغير الظروف. ويجب أن يكون هدف المرصد فهم مواقف المواطنين وخبراتهم، لا إنتاج أرقام دعائية تؤكد موقفاً سياسياً مسبقاً.

وينبغي أن يبدأ التصميم بتحديد مجتمع الدراسة بوضوح، بحيث يشمل المواطنين داخل السودان والنازحين واللاجئين في البلدان المجاورة والشتات، مع تحليل هذه الفئات بصورة منفصلة وعدم دمجها في نسبة واحدة من دون أوزان منهجية مناسبة. كما يجب تمثيل المناطق الحضرية والريفية والولايات المختلفة، مع الاعتراف بأن الوصول إلى بعض المناطق قد يكون غير ممكن أو غير آمن. وفي هذه الحالات، ينبغي الإفصاح عن المناطق المستبعدة وأثر الاستبعاد المحتمل، بدلاً من تقديم النتائج باعتبارها ممثلة لجميع السودانيين. ويمكن استخدام المقابلات الهاتفية أو المقابلات المباشرة أو أساليب مختلطة، لكن يجب توثيق الاختلافات التي قد تنتج عن كل أسلوب.

ويحتاج المرصد إلى لوحة مؤشرات تفصل بين الثقة في القوات المسلحة بوصفها مؤسسة، والثقة في القيادة الحالية، وتأييد الحكم العسكري، وتأييد الحكم المدني، والثقة في الشرطة والقضاء والخدمة المدنية، وتقييم حماية المدنيين، وتقييم القدرة على تأمين الغذاء والدواء والمياه والكهرباء، والموقف من وقف إطلاق النار، والموقف من المساءلة، والتفضيلات المتعلقة بالنظام السياسي بعد الحرب. كما ينبغي قياس تجارب النزوح وفقدان الممتلكات والاعتقال والعنف والحرمان من الخدمات، مع حماية المشاركين من أي ضرر قد ينجم عن الإفصاح. ويجب ألا تُدمج هذه المؤشرات في مؤشر واحد مبهم، لأن ارتفاع الثقة في الجيش لا يعوض بالضرورة عن انخفاض الثقة في القضاء، كما أن تفضيل الانتخابات لا يساوي الثقة في لجنة الانتخابات.

ومن الضروري تنفيذ مسوح طولية تتبع مجموعة من المشاركين بمرور الزمن متى أمكن ذلك وبما لا يعرضهم للخطر، إلى جانب عينات مقطعية جديدة تسمح بتقدير المواقف الأحدث. ويساعد التصميم الطولي على التمييز بين التغير في موقف الفرد والتغير في تركيب العينة، لكنه يواجه مخاطر فقدان المشاركين بسبب النزوح أو انقطاع الاتصال أو الوفاة أو رفض الاستمرار. ولذلك ينبغي توثيق الانقطاع عن المتابعة، واستخدام أساليب إحصائية مناسبة، وعدم إخفاء أثر الفقد في النتائج. ويمكن أن تتكامل المسوح الكمية مع مقابلات نوعية ومجموعات نقاش آمنة تشرح أسباب المواقف، على غرار الاتجاه الذي أعلنه المعهد الدولي للتحولات المتكاملة في تطوير بحثه عن الاستقطاب السوداني (Alsoudi and Tambal, 2025).

ويجب أن يخضع المرصد لإجراءات واضحة لحماية البيانات، بما في ذلك تقليل جمع المعلومات التي قد تكشف هوية المشاركين، وتشفير الملفات، وتقييد الوصول إليها، وفصل بيانات الاتصال عن الإجابات، وعدم نشر خرائط أو تفاصيل جغرافية دقيقة يمكن استخدامها لاستهداف أشخاص أو مجتمعات. كما ينبغي ألا تُسلم البيانات الفردية إلى أي طرف مسلح أو جهة سياسية، وأن يوضح للمشاركين الغرض من البحث وحدود السرية وحقهم في رفض الإجابة أو الانسحاب. ولا تقل هذه الإجراءات أهمية عن جودة العينة؛ فالمسح الذي يعرّض المشاركين للخطر لا يصبح مقبولاً لمجرد أنه ينتج تقديرات إحصائية دقيقة.

وفي ما يتعلق بالتحقق من المعلومات، يمكن للمرصد أن يتعاون مع صحفيين مستقلين وخبراء بيانات ومنظمات مدنية وجامعات سودانية، من دون أن يتحول إلى جهة تصدر أحكاماً سياسية نيابة عن المجتمع. وينبغي نشر بروتوكولات التحقق، وتصنيف الادعاءات بحسب درجة التأكد، وتصحيح الأخطاء علناً، والإفصاح عن مصادر التمويل وتضارب المصالح. وتؤكد الدراسات الخاصة بالتضليل أن بناء القدرة الرقمية لدى الصحفيين والمجتمع المدني ضروري لتحسين التحقق وتقليل الأضرار وحماية حق الجمهور في المعلومات الموثوقة (Al-Kaisy and Hamdan, 2026; El Obeid, 2026).

ولا تقتصر فائدة المرصد على نشر نسب التأييد أو المعارضة؛ إذ يمكن استخدام النتائج في الإنذار المبكر للتوترات المحلية، وتحديد الاحتياجات الخدمية، وتقييم الثقة في آليات العدالة، ورصد أثر برامج العودة وإعادة الإعمار، وتحديد ما إذا كانت ترتيبات وقف إطلاق النار تحظى بقبول لدى المجتمعات المتأثرة. لكن يجب تجنب تحويله إلى أداة لتصنيف السكان أو مراقبة آرائهم. فالغرض من قياس الرأي العام هو تحسين فهم المجتمع وصنع السياسات، لا إنتاج قوائم بأسماء المعارضين أو المؤيدين.

الفصل التاسع: من نتائج الاستطلاعات إلى إصلاح الدولة والعلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية

تدل الأدلة المتاحة على أن بناء سلام مستدام في السودان يتطلب معالجة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والسلطة المدنية ضمن إطار دستوري واضح. فلا ينبغي أن تتحول الحاجة إلى الأمن إلى مبرر مفتوح للحكم العسكري، كما لا يمكن بناء دولة مستقرة من دون مؤسسة دفاعية مهنية قادرة على أداء مهامها ضمن القانون. وتؤكد نتائج ما قبل الحرب أن الثقة في القوات المسلحة يمكن أن تتعايش مع تفضيل الانتخابات والمطالبة بالمحاسبة، بينما تكشف بيانات الحرب عن حجم النزوح والحرمان من الخدمات والتجارب التي قد تؤثر في الثقة بمؤسسات الدولة (Mustun, 2025; المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

ويقتضي الإصلاح الأمني تحديد اختصاصات القوات المسلحة، وإخضاع الإنفاق العسكري والقرارات الاستراتيجية لرقابة مؤسسية مدنية وفق القانون، وإبعاد المؤسسة العسكرية عن التنافس الحزبي المباشر، وتطوير آليات مستقلة للتحقيق في الانتهاكات، وضمان حق المتضررين في الوصول إلى العدالة. كما يتطلب إصلاح القطاع الأمني معالجة تعدد مراكز القوة المسلحة، ووضع ترتيبات قابلة للتحقق لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أو إعادة الهيكلة وفق اتفاق سياسي وقانوني شامل. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف بمجرد إعلان سياسي؛ بل تحتاج إلى مؤسسات قضائية مستقلة، وموازنة شفافة، ونظم رقابة، وإجراءات لحماية الشهود والضحايا، وضمانات تمنع استخدام الإصلاح الأمني لتصفية الخصوم السياسيين.

ويجب أن تكون حماية المدنيين معياراً مركزياً لتقييم أداء جميع الأطراف. ويشمل ذلك الامتناع عن استهداف المدنيين، وحماية المرافق الصحية والتعليمية، وتيسير وصول المساعدات الإنسانية، ومنع الاعتقال التعسفي والعنف الجنسي والنهب والتهجير القسري، والتحقيق في الادعاءات بصورة مستقلة. ولا ينبغي استخدام المساءلة بصورة انتقائية ضد طرف واحد مع تجاهل الوقائع المتعلقة بطرف آخر. كما يجب التمييز بين مسؤولية القيادة عن الأوامر أو الإخفاق في منع الانتهاكات، والمسؤولية الجنائية الفردية التي تتطلب أدلة وإجراءات قانونية عادلة.

وتحتاج عودة النازحين إلى ضمانات عملية تتجاوز الإعلان عن استعادة منطقة أو فتح طريق. وتشمل هذه الضمانات تقييم المخاطر الأمنية، وإزالة مخلفات الحرب حيث يلزم، واستعادة المياه والكهرباء والخدمات الصحية والتعليمية، وتوثيق حقوق الملكية، وتوفير آليات آمنة لاستعادة المساكن أو التعويض عن فقدان الممتلكات، وحماية العائدين من الانتقام. وتبين نتائج مؤشر الرأي العام العربي أن العودة لم تكن متاحة لجميع النازحين الذين شملهم الاستطلاع، وأن الاعتماد على الأقارب أو استئجار المساكن أو الإقامة في الملاجئ ظل جزءاً من واقعهم (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026). ولذلك يجب قياس النجاح بعدد الأسر التي عادت بأمان واستطاعت الاستقرار واستعادة الخدمات، لا بمجرد تغير السيطرة العسكرية.

وفي المجال السياسي، ينبغي أن تركز ترتيبات الانتقال على إنشاء سلطة مدنية ذات شرعية دستورية، وتحديد دور المؤسسة العسكرية ضمن نظام خاضع للمساءلة، وتوفير شروط الانتخابات الحرة والنزيهة، وإصلاح المؤسسات الانتخابية والأحزاب والقضاء. وتظهر بيانات الباروميتر الإفريقي أن تفضيل الانتخابات كان واسعاً، لكن الثقة في لجنة الانتخابات كانت محدودة، وأن الثقة بالأحزاب تراجعت مقارنة بعام 2013. ومن ثم فإن إعادة بناء الديمقراطية لا تتطلب الدعوة إلى الانتخابات فقط، بل تتطلب أيضاً بناء مؤسسات انتخابية موثوقة، وضمان المنافسة السلمية، وحماية حرية التنظيم والتعبير، وتقليل العنف السياسي، وتعزيز قدرة الأحزاب على تقديم برامج قابلة للمحاسبة (Mustun, 2025).

أما في المجال الإعلامي، فينبغي حماية الصحفيين ومصادرهم، واستعادة المؤسسات الإعلامية المستقلة، وضمان الوصول إلى المعلومات العامة، ووضع آليات مهنية لتصحيح الأخبار، ومواجهة خطاب الكراهية من دون استخدام مكافحة التضليل ذريعة لإسكات النقد السياسي. وتوضح دراسات البيئة الإعلامية أن الانقطاعات والقيود على الاتصال وتدهور البنية التحتية وخروج الصحفيين من البلاد أسهمت في إضعاف القدرة على التحقق المستقل من الوقائع (وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، 2026). ويجب أن يشمل التعافي الإعلامي تدريب الصحفيين على التحقق الرقمي، وتأمين العمل الميداني، ودعم الإعلام المحلي والمجتمعي، ونشر المعلومات الإنسانية والعسكرية ذات الصلة بالسلامة العامة بطريقة دقيقة لا تكشف مواقع المدنيين أو تعرضهم للخطر.

ومن المهم أيضاً ألا تتحول نتائج استطلاعات الرأي إلى أداة لتبرير سياسات لمجرد أنها تحظى بتأييد مؤقت. فحقوق الإنسان وحماية المدنيين واستقلال القضاء ليست مسائل ينبغي أن تتوقف على اتجاهات التأييد المتغيرة، كما أن نتائج استطلاع محدود لا تمنح أي طرف تفويضاً مفتوحاً. وتفيد استطلاعات الرأي في فهم الأولويات والثقة والتوقعات، لكنها لا تحل محل القانون أو الإجراءات الدستورية أو التحقيقات المستقلة. وينبغي أن تُستخدم النتائج لتحديد الاحتياجات وتقييم السياسات وتحسين الحوار العام، لا لاستبدال حقوق المواطنين بتصويت افتراضي أو استنتاجات غير ممثلة.

خاتمة نقدية: الثقة بالجيش لا تعني تفويضه بالحكم، ووقف الحرب لا يغني عن المساءلة

تكشف الأدلة المتاحة عن صورة أكثر تعقيداً من الروايات التي تختزل موقف السودانيين في تأييد مطلق للجيش أو رفض شامل له. فقد أظهر مسح الباروميتر الإفريقي الذي أُجري في ديسمبر 2022 أن 53% من المستجيبين قالوا إنهم يثقون في القوات المسلحة السودانية، لكن 50% عارضوا الحكم العسكري، و77% فضّلوا الانتخابات باعتبارها أفضل وسيلة لاختيار القادة، و66% أيدوا محاسبة القادة على جرائمهم السابقة. كما أظهرت النتائج شكوكاً واسعة في قدرة الحكم العسكري على تحسين الاقتصاد ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة واستعادة السلام. ولا تثبت هذه الأرقام أن المجتمع كان متجانساً أو أن مواقفه بقيت ثابتة بعد اندلاع الحرب، لكنها تدحض افتراض أن الثقة في المؤسسة العسكرية تعادل بالضرورة قبولها بالحكم السياسي (Mustun, 2025).

وأظهر مؤشر الرأي العام العربي، استناداً إلى العمل الميداني في السودان في نوفمبر 2024، أن النزوح وتعطل الخدمات والحرمان من الدواء والرعاية الصحية والغذاء والكهرباء كانت عناصر أساسية في تجربة الحرب لدى المستجيبين. كما أفاد عدد منهم بتجارب سرقة الممتلكات واقتحام المنازل واحتلالها والاعتقال والاعتداءات، ونسبت الغالبية من الذين أبلغوا عن وقائع محددة مسؤوليتها إلى قوات الدعم السريع. لكن هذه الإفادات لا تمثل إحصاءً شاملاً لجميع الانتهاكات، ولا تحل محل التحقيقات المستقلة أو الأحكام القضائية، ولا تكفي وحدها لتحديد موقف المستجيبين السياسي من الجيش (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2026).

أما دراسة «رؤى سودانية» بجامعة ستانفورد، فتقدم إطاراً مهماً لدراسة الأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة والحرب والتصورات المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب، لكنها لا تتيح الصفحة المنشورة نتائج كمية تفصيلية لجميع الأسئلة. ولذلك فإن نسبة أرقام غير منشورة إليها لا تعزز المقال، بل تضعف موثوقيته. وينطبق المبدأ نفسه على دراسة الاستقطاب: فهي تقدم تحليلاً مهماً لجذور الانقسام وآثاره في الثقة وفرص السلام، لكنها لا يجوز أن تُستخدم لإثبات نسب تأييد الجيش أو معارضته ما لم تكن تلك النتائج منشورة وقابلة للتحقق (Stanford University, 2024; Alsoudi and Tambal, 2025).

وتوضح دراسات التضليل أن الحرب على المعلومات تؤثر في البيئة التي تتكون فيها الآراء، وأن ضعف الصحافة الميدانية والقيود على الاتصالات وانتشار المحتوى المضلل وخطاب الكراهية تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة. غير أن هذه الدراسات لا تبرر افتراض أن الجمهور يتبنى الدعاية بصورة آلية، ولا أن كل خبر صادر عن طرف متحارب كاذب، ولا أن كل رواية نقدية مدفوعة بأجندة سياسية. فالاستجابة العلمية تتطلب تحققاً مستقلاً من كل ادعاء، وشفافية في نشر الأدلة، وحماية للصحفيين والمصادر، ومساءلة عن التضليل الذي يعرّض المدنيين للخطر (El Obeid, 2026; Al-Kaisy and Hamdan, 2026; وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء، 2026).

والنتيجة الأهم هي أن الرأي العام تجاه الجيش لا يمكن اختزاله في سؤال واحد عن التأييد أو الرفض. فالثقة المؤسسية، وتأييد الحكم العسكري، وتقييم القيادة، وتفضيل وقف الحرب، والموقف من العدالة الانتقالية، وتفضيلات النظام السياسي بعد الحرب، كلها أبعاد مستقلة ينبغي قياسها على نحو منفصل. وقد يجتمع لدى المواطن الواحد الإيمان بضرورة وجود جيش مهني موحد، ورفض حكم العسكريين، والمطالبة بحماية المدنيين، ورفض انتهاكات الدعم السريع، والدعوة إلى التحقيق في أي انتهاك منسوب إلى القوات المسلحة، وتأييد انتقال مدني ديمقراطي. ولا تناقض بين هذه المواقف ما دامت المؤسسة العسكرية تؤدي دورها الدفاعي ضمن القانون، وتخضع السلطة السياسية للمساءلة.

وتظل أهم فجوة في المعرفة الحالية غياب سلسلة متكاملة من المسوح الوطنية المستقلة والمتكررة التي تقيس المواقف نفسها في مراحل الحرب المختلفة، وتضم النازحين واللاجئين وسكان المناطق المتأثرة بالقتال، وتوضح حدود التغطية والانحياز المحتمل. ومن دون هذه السلسلة لا يمكن الجزم بأن الرأي العام الوطني اتجه إلى تأييد الجيش أو معارضته بمقدار محدد بين عامي 2023 و2026. وما يمكن قوله بثقة هو أن بيانات ما قبل الحرب كشفت عن مزيج من الثقة المؤسسية والتفضيل الديمقراطي والمطالبة بالمحاسبة، وأن دراسات الحرب وثقت تجارب إنسانية وإعلامية واستقطابية تجعل استمرار القياس المستقل ضرورة لا ترفاً بحثياً.

وعليه، فإن بناء مستقبل مستقر في السودان يتطلب إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وتيسير عودة النازحين، وإعادة الخدمات، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق إجراءات قانونية عادلة، وإصلاح القطاع الأمني، وضمان خضوع القوات المسلحة لسلطة دستورية مدنية، وبناء مؤسسات انتخابية وقضائية موثوقة. ولا يكفي الانتصار العسكري وحده لإنتاج شرعية سياسية دائمة، كما لا يكفي إعلان وقف إطلاق النار من دون ترتيبات قابلة للتحقق لحماية السكان ومعالجة الانتهاكات. إن معيار النجاح ليس مقدار ما يحظى به أي طرف من تأييد لحظي، بل قدرة الدولة على حماية المواطنين، وصون حقوقهم، وإتاحة اختيار حكامهم، وضمان أن تخضع القوة المسلحة للقانون والمساءلة.

المراجع

References in English

1. Al-Kaisy A, Hamdan A. Information Manipulation in Sudan: A Baseline Assessment of Actors, Narratives and Tactics. London: Thomson Foundation; 2026. Accessed October 28, 2026.

2. Alsoudi M, Tambal S. Polarisation in Sudan: Findings from a Perception Survey. Barcelona: Institute for Integrated Transitions; 2025. Accessed October 28, 2026.

3. El Obeid S. Sudan Wartime Online Propaganda. Paris: Institut français des relations internationales; 2026. Accessed October 28, 2026.

4. Mustun Z. AD1088: Findings shed light on Sudanese citizens’ pre-war views on governance, elections, military. Accra: Afrobarometer; 2025. Accessed October 28, 2026.

5. Stanford University, Deliberative Democracy Lab. Sudanese Insights. Stanford, CA: Stanford University; 2024. Accessed October 28, 2026.

المراجع باللغة العربية

6. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. مؤشر الرأي العام العربي 2025. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات؛ 2026. تاريخ الاطلاع: 28 أكتوبر 2026.

7. وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. السودان: التركيز القُطري، قسم الوصول إلى المعلومات والمعلومات المضللة والمشهد الإعلامي. لوكسمبورغ: مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي؛ 2026. تاريخ الاطلاع: 28 أكتوبر 2026.

Author
د. عبد المنعم مختار

د. عبد المنعم مختار

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
الجــاحـــظ (150-255 هـ / 767 -869 م ) (1-2) .. بقلم: جمعهــا صــلاح مـحـمـد عـلي
منبر الرأي
حُكْم اَبْ تَكُّوْ!
منبر الرأي
دكتور البرهان وطمع روسيا في بورتسودان!
الأخبار
رسمياً.. بنك السودان المركزى يعلن احتكار بيع وشراء الذهب
منبر الرأي
المسكوت عنه في تجربة الاستقدام في كندا

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

بكم لسان ينطق هذا المؤتمر الشعبي؟ … بقلم: محمد وقيع الله

د. محمد وقيع الله
منبر الرأي

أطلقوا سراح الأسد الهصور أحمد الضى بشارة .. بقلم: عثمان الطاهر المجمر طه / باريس

عثمان الطاهر المجمر طه
منبر الرأي

شقاء وزارة سيادية .. بقلم: د. وجدي كامل

طارق الجزولي
منبر الرأي

اما زوال النظام أو تمزيق ما تبقي من الوطن .. بقلم: تاج السر عثمان

تاج السر عثمان بابو
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss