الرأي والرأي الواحد

 


 

عمر العمر
3 أغسطس, 2022

 

من عناصر الإرباك السياسي الراهن البؤس الفكري لدى النخب الحزبية المائجة داخل الردهة السياسية . نظرًا لهذا العطب المفصلي تدور هذه القيادات في اصطراع ممض تتكالب فيه على غنائم السلطة هي عاجزة تمامًا عن تحويل هذا العراك إلى معارك فكرية بل أسوأ من ذلك هي تغلق كل كوة يتسرب منها شعاع فكري إلى المشهد السياسي. من أيسر الطرائق إلى ذلك تصوير كل نقد موضوعي حصيف لموقف حزبي محدد بأنه هجوم مقيت. يستهدف الحزب برمته أكثر أؤلئك نشاطًا أكثرهم إدعاء بحماية الفكر وانتصارا للرأي الآخر ، مع انهم أشد احتكارًا للفكر ومصادرة لحق التعبير ورفضا للرأي المغاير.
*****

إذا اعتدنا على مثل هذا لنهج من قبل قيادات تقليدية فلا نستطيع هضمه حينما يصدر من قيادات تزعم لنفسها الاستنارة وامتلاك رؤى سياسية فكرية اذ يعلم هؤلاء وامثالهم ان البذل السياسي لم يعد فقط فنا بل هو علم يستهدي بالتحليل المنطقي . من أبجديات هذا العلم الفرز بين النقد والهجوم! لعل الساسة المستنيرين يدركون كم هو العجز فادح حينما يتباهى احدهم بما يختزن من معلومات وهو يخفق في تحويل ذلك المخزون إلى منهج حياتي ، أي ثقافة ! لعل ابرز خطوط نسيج الشخصية السودانية العامة تتجسد في الشجاعة ،الشهامة ، الكرامة وحب الحرية والمصارحة . هذا الميز الفطري يستوجب تقدير الرأي المغاير دون تحقير صاحبه أو تجريمه.
*****

ربما من المجدي التذكير بأن عبد الخالق محجوب ، أحد آبائنا الذين علمونا السحر ، دأب على التباهي في أكثر من مناسبة مفصلية ببثه الوعي وسط الجماهير أكثر من التفاخر بمساهماته السخية في بناء الحزب والتنظيمات النقابية .وله من الرصيد في هذا السياق مآثر فوق العدد. مما أورثنا هو ورفيقه محمد إبراهيم نقد ان الحزب الشيوعي لا يضم جميع حملة القناعات بالنظرية الماركسية اللينينية. كلنا نعلم بوجود شيوعيين خارج مدارج هرم الحزب . ؟لا يهم سواءً لم يلجوا أصلا أو غادروا طوعا أم قسرًا .كما هناك اتحاديون خارج المجرات الاتحادية المتناثرة في الفضاء السياسي كذلك لا. تستوعب فيالق الأمة المتناحرة كل احفاد المنادين بالسودان للسودانيين.
*****

لئن يشكل التكلس الفكري داخل الأطر السياسية المشققة ح حاليا فإن الحزب الشيوعي لا يزال يكابد محنتي أزمته المحلية وانهيار المعسكر الاشتراكي معًا .في المأزق المزدوج لا يشكل الصراع الفكري جوهر الأزمة أو حتى على الإصلاح بقدر ما هو اصطراع على النفوذ والسلطة . ليس من منطلق التجني القول بأن البيانات الصادرة عن القيادة الحالية للحزب وربما المواقف كذلك لا ترقى إلى مستوى التحديات الفكرية والأزمات. المجابهة ، على الصعيد الوطني على الأقل ، حيث تتطلب ارتقاء نوعيا في الرؤى الفلسفية والمنهجية العملية .هذه رؤى لا تنشغل فيها القيادة بتخليق العداوات والأعداء إن لم تفلح في بناء التحالفات العريضة الناجعة
*****

فالحرص على اجترار الموروث و استنساخ التجارب الماضية بما في ذلك ضيق الصدر بالنقد واستسهال خسارة الكوادر والأصدقاء يعكس أزمة بنيوية جوهرية ترتبط بالممارسة الديموقراطية داخل أي حزب .كما ان الانهماك في الشأن السياسي العام على حساب الانشغال بالتطور والتطوير الفكري يكرس الجمود على الصعيدين .اللهث المرتجل خلف الأحداث اليومية في الساحة السياسية يستنزف القيادات الحزبية على نحو يجعلها منصرفة تمامًا عن الانشغال بالهم الفكري تحت سقوف تلك الأحزاب .هذا جهد يفضي بالضرورة إلى نتائج كارثية . تصحيح اختلال هذه المعادلة يساهم حتما في الوصول ألى خلاصات سياسية أفضل .
*****

مع ذلك توجد في المدارات المتوسطة للتنظيمات الحزبية كوادر أعمق فكرًا و أنفذ وعيا و أكثر إلمامًا بالظروف المعقدة حيث تتورط الأزمة السودانية في معطفها الراهن .هؤلاء أبعد ما يكونوا عن الرضا بمقاربات القيادات في الطبقات العليا للتنظيمات لكنهم اكثر صبرًا و انضباطا وربما رهانًا على امتلاكهم زمام الأمور بأيديهم من ثم اقدر على الإصلاح وصناعة المستقبل الأجمل

aloomar@gmail.com

 

آراء