السودان: الديمقراطية بديل عن الفكر الديني

 


 

طاهر عمر
22 سبتمبر, 2022

 

متى يفهم السياسي السوداني أن الديمقراطية بديلا للفكر الديني و لا يمكننا التحدث عن الديمقراطية و ما زالت أحزابنا بخطابها الدين المنغلق عاجزة أن تنتج ثقافة علمانية؟ و بسبب عجز السياسي الذي يغيب عن أفقه فكر مراكز البحوث يطل على أفقنا وعاظ السلاطين و حاملي بقايا فكر القرون الوسطى و من يسمون أنفسهم علماء و يتحدثون عن السياسة و المضحك أنهم يحسون بأن الديمقراطية تعني البديل الذي يزيح الدين من أن يلعب أي دور بنيوي في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع.
لهذا السبب ينشط رجال الدين من كل شاكلة و لون و يزداد زعيقهم و يصمت من يزعمون أنهم مفكري الساحة السودانية و لا يقولون لبقايا رجال دين القرون الوسطى و وعاظ السلاطين أن الدين قد أصبح شأن فردي علاقة بين الفرد و ربه و لا يحتاج لحاملي الهوس الديني و من يشغلهم هم الخلاص الأخروي بأن يتدخلوا ما بين الفرد و ربه لأن في زمننا الراهن قد أصبحت فيه الديمقراطية بديلا عن الدين.
من يزعمون أنهم مفكري الساحة السودانية لهم قدرة على التعايش مع وعاظ السلاطيين و مهادنتهم بسبب جهلهم أن الديمقراطية بديلا للخطاب الديني و لا يمكن أن تتعايش الديمقراطية مع أي خطاب ديني أي دين و لا يمكننا أن نتحدث عن التسامح ولا يمكن أن يسود التسامح في أي مجتمع ما دام الخطاب الديني هو سيد الموقف و لا يعني ذلك أننا ندعو للإلحاد إلا أننا وفقا لتجارب الشعوب الحية قد تأكد لنا بأن الخطاب الديني خطر على الحريات و خطر على قيم الجمهورية لأن الديمقراطية هي أبنة القيم و التشريعات و القوانيين التي تعتمد على تجربة الانسان وفقا لعقله البشري.
في حقيقة الامر مسألة إدراك الشعب السوداني لمسألة أن الديمقراطية هي بديل للفكر الديني تحتاج لتطور هائل و تحول في مفاهيم النخب السودانية التي قد أدمنت مهادنة خطاب وعاظ السلاطيين و خاصة أننا في مرحلة تضم أسواء مفكرين يمروا على تاريخ السودان و قد رأينا عجزهم الفكري و قد بان في توفيقهم الكاذب و دعوتهم للمؤالفة ما بين العلمانية و الدين أو دعوتهم لمساومة تاريخية ما بين يسار سوداني رث و يمين غارق في وحل الفكر الديني أو دعوتهم لمهادنة أحزاب الطائفية و مهادنة النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية التي لم ينتج مفكريها غير علمانية محابية للأديان كما رأينا فكر محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدنية.
و هو يسير أي محمد ابراهيم نقد خلف فكرة عبد الخالق محجوب منذ منتصف الستينيات من القرن المنصرم محاولا أن يجد دور للدين في السياسة و هذه واحدة من محن النخب السودانية و قد جددها من يدعو لفكرة لاهوت التحرير و كله يصب في تأخر ظهور مؤشر يدل على أن هناك تحول في مفاهيم النخب فيما يتعلق بفكرة أن النزعة الانسانية هي مخرجنا من كساد وحل الفكر الديني و أننا في حوجة لفكر يوضح للنخب الفاشلة أن الديمقراطية بديلا للفكر الديني و لا يمكننا أن نتحدث عن تحول ديمقراطي و في بالنا أن الدين يمكن أن يكون حاضر في زمن الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس و لا يكون ذلك باليسير في ظل نخب السياسي من بينهم يجهل بأن الفكر الديني أكبر حاضنة لسطة الأب و ميراث التسلط.
و يمكننا أن نقول أن النخب السودانية تجهل أن الديمقراطية بديلا للدين أي في ظل الديمقراطية لا يمكن أن يلعب الدين أي دور بنيوي على صعد السياسة و الاجتماع و الاقتصاد بسبب موروث فكرها منذ أيام أتباع مؤتمر الخريجيين و عليه قد إستمرت النخب السودانية على دربها في تفويت الفرص لكي تبدأ مع تمفصل المجتمع و سيره مع التحول في المفاهيم التي تحتاج لتحول هائل في طريقة التفكير التي تفارق تفكير العالم القديم و خاصة و قد رأينا عجز أتباع مؤتمر الخريجين و كيف كان تهافتهم و تفرقهم على بيوت الطائفية لتأسيس أحزاب الطائفية التي لم يزال أتباعها كأبناء الكلبة و قد ولدوا عمياء بسبب استعجالها.
و آخرين قد سلكوا طريق نسخة متخشبة من شيوعية سودانية لم تنتج حتى يومنا هذا لا سياسي يصل الى قامة الشخصية التاريخية و لا مفكر يدرك أن التحول في المفاهيم ينتج مسؤولية اجتماعية نحو الفرد تهتم بحريته و ما يطلبه من عدالة بعيدا عن أوهام الشيوعية كنظام شمولي لا يقل قبحه عن الفاشية و النازية و يستمر العناد و الاصرار على السير في خط نسخة شيوعية سودانية قد عافتها العقول المفكرة في المجتمعات الحية قبل قيام الحزب الشوعي من قبل ستة و سبعين عام في السودان.
قلنا موروث أتباع مؤتمر الخريجيين قد أفرز أتباع الطائفية و نسخة الشيوعية السودانية و قد كانت بدايتهم تدل على أنهم غير مواكبين لتطور الفكر في العالم لأنه في زمن تكوين أنديتهم كانت بداية تحول جديد في المفاهيم و هو إدراك النخب في المجتمعات الحية بأن الدين و الفكر الديني لم يعد صاحب الدور البنيوي في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع أي في زمن مؤتمر الخريجيين قد طبعت أفكار ماكس فيبر و قد تحدث عن زوال سحر العالم أي أن الدين لم يعد كجالب لسلام العالم و كذلك قد نقد ماركسية ماركس و قد أستفاد من فكره غرامشي و من فكر غرامشي قد أيقنت الأحزاب الشيوعية في الغرب أن لا حل غير الايمان بنمط الانتاج الرأسمالي إلا شيوعي السودان فقد صارت نسختهم تجسيد للأيديولوجيات المتحجرة.
مرت حقبة أتباع مؤتمر الخريجين و جاءت حقبة الستينيات و قد رأينا كيف كان محاولة عبد الخالق محجوب و بحثه عن دور للدين في السياسة و هو نفس تعايش النخب السودانية اليوم مع فكرة أن للطائفية أحزاب و أن أتباع المرشد أي أتباع حزب الترابي لهم الحق في يكونوا من بين من يتحدث عن التحول الديمقراطي بفكرهم الديني و كله حتى يحق لأتباع النسخة المتخشبة التوهم بأنهم تقدميين في ظل أتباع المرشد و ما دروا بأن عبد الخالق قد أعطاهم الضؤ الأخضر بأن تكون لهم أحزاب تبحث للدين عن دور كما كان يتوهم في بحثه لدور للدين في السياسة السودانية.
و جاءت حقبة الثمانينيات و قد كانت النخب السودانية مواصلة في توهمها الذي يجسده قبولهم بالصادق المهدي كرجل ديني و اعتقادهم بأنه سوف ينتج تحول في المفاهيم يقود الى ديمقراطية و إذا بالصادق يكون أقرب لرجل الدين من السياسي و يطرح فكرة الصحوة الاسلامية و يؤكد على أنه رجل دين ليس له علاقة بالسياسة التي تقول بأن الديمقراطية بديلا للفكر الديني بل كان مهادن للترابي لدرجة أنه كان يعرف بأن الترابي يدبر لانقلاب و لكنه لا يهمه أمر الديمقراطية لأن زيتهم سينكشح في دقيقهم كرجال دين.
و قلنا أن الصادق قد كرر نفس خطاء أتباع مؤتمر الخريجيين ففي زمنهم كانت بداية طباعة أفكار ماكس فيبر و هو يؤكد على عقلانية الرأسمالية و ينتقد ماركسية ماركس و يؤكد على فكرة نمط الانتاج الرأسمالي كجناح ثاني للفكر الليبرالي و يؤكد على أن الدين لم يعد له دور بنيوي في السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و في زمن الصادق في منتصف الثمانينيات قد طرحت أفكار قد قدمت أن الديمقراطية بديل للفكر الديني من قبل مارسيل غوشيه و كانت في زمن الصادق المهدي في منتصف الثمانينيات أكبر هجوم على أتباع ما بعد الحداثة و عودة الفكر من جديد للحداثة بعد أن هاجم عقلها فلاسفة ما بعد الحداثة و لكن هل يسمع الصادق المهدي و يؤكد على أن الديمقراطية بديلا عن الدين قطعا لا لأنه أقرب لرجل الدين من السياسي و لهذا نقول أن آفة الشعب السوداني نخبه التي لا ترى في الديمقراطية بديلا لوحل الفكر الديني.

taheromer86@yahoo.com
///////////////////////////////////

 

آراء