مختار العوض موسى
عندما تخمد أصوات المدافع، لا تكون المعركة قد انتهت تماماً، بل تبدأ مرحلة أكثر تعقيداً، هي مرحلة إدارة السلام وبناء الدولة من جديد؛ فالحروب تخلّف وراءها دماراً واسعاً في البنية التحتية، وانقسامات اجتماعية عميقة، وأزمات اقتصادية خانقة، فضلاً عن ضعف مؤسسات الدولة وفقدان الثقة في إعادة الوضع قبل الحرب؛ فالسودان، الذي يمر بواحدة من أصعب الفترات في تاريخه الحديث، تبرز تحديات كبيرة أمام السلطة الحاكمة في كيفية إدارة البلاد وتجاوز التركة الثقيلة التي خلّفتها الحرب.
أولى الأولويات في مرحلة ما بعد الحرب هي استعادة الأمن والاستقرار؛ حيث إنه لا يمكن لأي مشروع سياسي أو اقتصادي أن ينجح في بيئة الفوضى الأمنية أو انتشار السلاح خارج إطار الدولة؛ ولذلك فإن بناء منظومة أمنية موحدة، وإعادة تنظيم القوات النظامية، ودمج المقاتلين السابقين في برامج إعادة التأهيل والاندماج في المجتمع، تمثل خطوات أساسية نحو ترسيخ الاستقرار ومنع عودة الصراع؛ ولعل هذا التوجه يأتي متماهيا مع تأكيدات عضو مجلس السيادة مساعد القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول الركن ياسر العطاء بدمج القوات المساندة “المشتركة، درع السودان، كتائب البراء، كتائب الثوار والمقاومة الشعبية” في المؤسسات النظامية “القوات المسلحة، قوات الشرطة، جهاز المخابرات العامة”
كما تحتاج البلاد إلى إطلاق عملية مصالحة وطنية شاملة تعالج آثار الحرب وتعيد بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع؛ حيث إن الحروب لا تخلّف خسائر مادية فحسب، بل تترك جروحاً نفسية واجتماعية عميقة، لا يمكن تجاوزها إلا عبر حوار وطني صادق يقوم على الاعتراف بالأخطاء، وجبر الضرر، وتحقيق قدر من العدالة الانتقالية التي تضمن عدم تكرار المآسي.
يضاف إلى ذلك أن إعادة بناء مؤسسات الدولة تمثل ركيزة أساسية لنجاح أي مرحلة انتقالية؛ فالدولة التي تعتمد على مؤسسات قوية وفعّالة تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وتحقيق الاستقرار؛ ويشمل ذلك إصلاح الخدمة المدنية، وتعزيز استقلال القضاء، وتطوير مؤسسات الحكم المحلي بما يعزز كفاءة الإدارة ويقرب الخدمات من المواطنين.
ولا بد من إجراء عملية عصف ذهني لإنعاش الاقتصاد الوطني الذي تضرر بشدة نتيجة الحرب؛ ما يتطلب إعادة تشغيل عجلة الإنتاج، ودعم القطاعات الحيوية مثل الزراعة والتعدين، وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتوفير فرص العمل للشباب؛ مع التأكيد على أن الاستقرار الاقتصادي لا يقل أهمية عن الاستقرار السياسي، بل يعد أحد أهم دعائمه.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية تحقيق تنمية متوازنة بين مختلف أقاليم السودان، إذ إن كثيراً من الأزمات التي عرفتها البلاد في العقود الماضية ارتبطت بالشعور بالتهميش وعدم العدالة في توزيع الموارد والفرص؛ ومن ثم فإن توجيه الاستثمارات نحو المناطق المتأثرة بالحرب وتطوير الخدمات الأساسية فيها يمكن أن يسهم في تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ الاستقرار الاجتماعي.
غير أن نجاح هذه الجهود جميعاً يتطلب في نهاية المطاف صياغة عقد اجتماعي جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ عقد يقوم على المواطنة المتساوية، واحترام الحقوق والحريات، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، بما يضمن أن يشعر كل مواطن بأنه شريك حقيقي في مستقبل بلاده.
إن السودان اليوم يقف أمام لحظة تاريخية فارقة، فإما أن تتحول تجربة الحرب القاسية إلى فرصة لبناء دولة أكثر عدلاً واستقراراً، وإما أن تضيع هذه الفرصة في دوامة الصراعات المتجددة. والتاريخ يعلمنا أن الدول التي تنجح في تجاوز آثار الحروب هي تلك التي تمتلك الإرادة السياسية والرؤية الاستراتيجية والقدرة على توحيد طاقات شعبها من أجل مشروع وطني جامع.
ويبقى الأمل أن يتمكن السودان، بإرادة أبنائه ووعي قياداته، من تحويل صفحة الحرب إلى بداية جديدة نحو السلام والتنمية والاستقرار.
إن بناء السودان بعد الحرب ليس مهمة حكومة أو نخبة سياسية فحسب، بل هو مشروع وطني شامل يتطلب مشاركة الجميع وإيمانا جماعيا بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الماضي، فالأمم العظيمة لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأزمات، بل بقدرتها على النهوض بعدها، ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل: هل ينجح السودانيون في تحويل جراح الحرب إلى بداية جديدة لبناء دولة حديثة تستوعب تنوعهم وتحقق تطلعاتهم، أم تظل الفرصة التاريخية معلّقة في انتظار الإرادة التي تصنعها؟
والله من وراء القصد
mokhtaralawad@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم