السودان: من الكيان المراقَب إلى الكيان المعاقَب

دكتور الوليد آدم مادبو

لطالما عاش السودان لعقود تحت إشراف العالم كدولة مراقبة، بقدر من الحرية المحدودة، لكن اليوم يواجه انتقالًا نوعيًا وصادمًا: من مجرد مراقبة صامدة إلى معاقبة صارمة. التصنيف الأمريكي المحتمل لتنظيم الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي يجعل السودان كيانًا معاقبًا بلا إعلان رسمي، حيث تصبح كل خطوة دبلوماسية أو اقتصادية رهينة للسياسة الدولية، بلا فرصة للإصلاح الداخلي.

في هذا الإطار، تصبح وزارة الخارجية السودانية محور اختبار مباشر. فالموظفون الذين ينتمون للإخوان أو تدور ولاءاتهم حول التنظيم سيصبحون تحت المراقبة الصارمة، وستؤدي هذه الحالة إلى تقييد القرارات الدبلوماسية، تعطيل الترشيحات الدولية، وتحجيم قدرة السودان على التواصل مع المنظمات الإقليمية والدولية.

السفارات، بدورها، ستواجه مصيرًا مزدوجًا: بعضها سيُغلق، وبعضها سيبقى مغطى رسميًا لكنه يفقد القدرة على التحرك والتأثير، بينما يُستبدل موظفون محددون أو يُطردون لضمان الحد من نفوذ التنظيم، كما حدث في تجارب مشابهة مع ليبيا وتركيا وفنزويلا.

تصنيف الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي من قبل الولايات المتحدة—إن حدث رسميًا—لن يكون مجرد خطوة رمزية، بل سيُعيد تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية في الشرق الأوسط. سيُضعِف “مشروع الإسلام السياسي” ككتلة أيديولوجية، ويمنح الأنظمة المناهضة لهم غطاءً دوليًا، ويقوّض شبكات التمويل والشرعية التي عاش عليها التنظيم لعقود.

في مواجهة هذا الواقع الدولي الصعب، يبقى الطريق الوحيد لتخفيف أثر العقاب الدولي هو إعادة بناء الجهاز الدبلوماسي من الداخل عبر تحالف وطني–مهني داخل وزارة الخارجية. تكوين كتلة مهنية جديدة من السفراء والدبلوماسيين غير المؤدلجين، ممن حُرموا سابقًا أو وُضعوا في الصفوف الخلفية، يشكّل خطوة حيوية.

هذه الكتلة يجب أن تستند إلى ثلاثة ركائز أساسية: معيار الكفاءة، واحترام القانون، والانتماء للدولة لا للفكرة. وبإمكان هذه المجموعة أن تصبح “عمود الخلاص” الذي يعيد للوزارة حضورها ومصداقيتها، ويمنح السودان صوتًا دبلوماسيًا جديدًا غير مرتهن لتاريخ الإسلاميين.

وبفضل هذه المبادرة، يستطيع تحالف “تأسيس” باعتباره “الوريث المحتمل” للدولة الفاشلة استثمار الترحيب الدولي المحتمل من واشنطن والاتحاد الأوروبي، لتأمين إسناد مالي وفني لإعادة هيكلة الوزارة، وبرامج تدريب للدبلوماسيين الجدد، وتحسين صورة السودان في مؤسسات الأمم المتحدة، وبناء منصة سياسية–مدنية قادرة على توجيه الدولة نحو إدارة الفراغ وتحويله إلى فرصة لإعادة تعريف السودان في الخارطة الدولية.

ختامًا، إن استعادة السودان لملفاته الحيوية، بدءًا من المساعدات الدولية، والرفع من قوائم الإرهاب، وإعادة الهيكلة الاقتصادية، وصولًا إلى دعم الانتقال السياسي ومعالجة ملف الديون، تتطلب موقفًا واضحًا وجادًا من الدولة تجاه إرث الإسلام السياسي داخل مؤسساتها الدبلوماسية. فكل هذه الملفات، التي طالما عرقلت التقدم الوطني، ستصبح قابلة للحلحلة إذا أظهر السودان — قولًا وفعلًا — أنه يطوي صفحة النفوذ الإخواني داخل وزارة الخارجية وسفاراته، ويعيد بناء مؤسساته على أساس الانتماء للدولة والكفاءة واحترام القانون.

هذا الموقف لن يفتح الباب أمام الدعم الدولي فحسب، بل سيمنح السودان القدرة على إعادة تعريف موقعه في النظام الدولي، وتحويل العقاب المحتمل إلى فرصة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الحيوية.

‏November 25, 2025

auwaab@gmail.com

عن د. الوليد آدم مادبو

د. الوليد آدم مادبو

شاهد أيضاً

المستبد الصغير: لحظة تنمّره على صاحب الإرث الكبير (2/2)

دكتور الوليد آدم مادبو لا يفوّت علي محمود فرصةً ليثبت ولاءه لأولياء نعمته الكيزان؛ فالرجل …