السودان : نهاية مرحلة الإسلاميين أم إعادة تشكيلها؟

دكتور محمد عبدالله
في لحظة إقليمية مضطربة، يتقدّم السودان خطوة إلى قلب المشهد، لا بوصفه ساحة نزاع داخلي فحسب، بل كعقدة تتقاطع عندها حسابات القوى الكبرى. فقرار وزارة الخارجية الأمريكية في مارس 2026 تصنيف الحركة الإسلامية في السودان تنظيماً إرهابياً، بدا أقرب إلى تتويج لمسار بدأ قبل ذلك بأسابيع، مع المواجهة العسكرية الواسعة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. لم يكن القرار، في هذا السياق، إجراءً قانونياً معزولاً، بقدر ما كان تعبيراً عن إعادة ترتيب أوسع لمجال النفوذ في الإقليم.
على امتداد سنوات، اشتغلت الحركة الإسلامية في السودان ضمن هامش رمادي، يجمع بين الانخراط في السلطة المحلية وبناء علاقات خارجية متشابكة، من بينها صلات بطهران، استفادت منها في موازين القوة داخل البلاد. غير أن الضربة التي تلقّتها إيران مطلع هذا العام لم تُضعف قدراتها العسكرية فحسب، بل قلّصت أيضاً شبكاتها غير المباشرة، التي كانت تمنح حلفاءها في أطراف الإقليم قدراً من الحماية أو المناورة. ومع انحسار هذا الدور، فقدت الحركة إحدى ركائزها الخارجية، لتجد نفسها في مواجهة بيئة دولية أقل تساهلاً مع الترتيبات غير المعلنة.
في الداخل، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فالحركة التي حكمت السودان لثلاثة عقود، وخرجت من السلطة تحت ضغط ثورة شعبية، ما تزال أى الحركة حاضرة في مفاصل الدولة، بخاصة في الأجهزة الأمنية والعسكرية. لكن هذه الحضور لم يعد كما كان؛ فالتجربة التي عاشها السودانيون خلال سنوات حكمها تركت أثراً عميقاً، ليس فقط في الذاكرة السياسية، بل في المزاج العام الذي بات ناقماً و أكثر حذراً تجاه أي عودة إلى الصيغ القديمة.
من هنا، تبدو فكرة استعادة السلطة بالشكل الذي عرفه السودان بعد 1989 أقرب إلى فرضية نظرية منها إلى احتمال واقعي. ليس لأن موازين القوى تغيّرت فحسب، بل لأن البيئة التي سمحت بذلك التحول لم تعد قائمة: لا إقليمياً، في ظل انكفاء الحلفاء السابقين، ولا دولياً، بعد إدراج الحركة ضمن قوائم الإرهاب، بما يستتبعه من قيود مالية وسياسية، ولا داخلياً، في ظل مجتمع خبر كلفة تلك التجربة.
لكن ذلك لا يعني أن المسار بات محسوماً. فالتصنيف الأميركي، على ثقله، يطرح معضلة مزدوجة: كيف يمكن تقليص نفوذ حركة متجذرة في بنية الدولة، من دون أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مؤسساتها أو فتح فراغ أمني؟ هذا السؤال يضع القيادة العسكرية للقوات المسلحة السودانية أمام توازنات دقيقة؛ إذ إن القطيعة الكاملة مع الإسلاميين قد تخلّف كلفة ميدانية في سياق حرب لم تُحسم بعد، فيما يظل الإبقاء على الوضع القائم محفوفاً بعزلة دولية متزايدة.
في هذا الإطار، يمكن تصور أكثر من مسار. ثمة من يرجّح اتجاهاً نحو تفكيك تدريجي لنفوذ الحركة تحت ضغط خارجي متصاعد، يقابله من يرى أن المناورة ستظل الخيار الأقرب، عبر إعادة ترتيب داخلية تحافظ على بعض مراكز القوى مع تقديم إشارات تهدئة إلى الخارج. وبين هذين، يبرز احتمال ثالث، يقوم على محاولة إعادة تقديم الحركة نفسها بخطاب مختلف، وإن كان هذا الخيار يواجه بدوره عقبات جدية، في ظل القيود التي يفرضها التصنيف الدولي.
ما يجري في السودان يتجاوز، في نهاية المطاف، حدود الصراع بين فاعلين محليين. فهو جزء من محاولة أوسع لإعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة بعد إضعاف أحد أبرز أقطابها الإقليمية. وفي هذا السياق، يُطرح السودان بوصفه نموذجاً اختبارياً: هل يمكن بناء استقرار عبر إعادة هندسة المشهد السياسي من الخارج، أم أن مثل هذه المقاربات تحمل في طياتها بذور توترات جديدة؟
الإجابة لا تزال مفتوحة. فالتجارب القريبة تشير إلى أن إقصاء قوى سياسية ذات امتداد اجتماعي لا يفضي بالضرورة إلى الاستقرار، بقدر ما قد يعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة. وفي الحالة السودانية، يظل المخرج مرتبطاً بعوامل داخلية في المقام الأول: وقف الحرب، وإطلاق مسار سياسي جاد تقوده قوى مدنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مهنية.
في غياب ذلك، سيبقى أي تحول—مهما بدا حاسماً—جزءاً من عملية أطول وأكثر تعقيداً. أما الحركة الإسلامية نفسها، فستجد أن خياراتها باتت أضيق مما كانت عليه في أي وقت مضى، بين ضغوط خارجية متصاعدة وواقع داخلي لم يعد يتسع لعودة سهلة إلى الماضي.

muhammedbabiker@aol.co.uk

عن دكتور محمد عبدالله

دكتور محمد عبدالله

شاهد أيضاً

في مواجهة اليأس: كيف تدفع الحروب الناس الى حافة الغياب

دكتور محمد عبدالله لم يكن المشهد الذي انتشر اليوم مجرد واقعة عابرة في فضاء مواقع …